وهذا باب ذكر السجان وما يجب أن يكون عليه:
٣٥٤ - اعلم أن هذا باب كان ينبغي أن نذكره عند ذكر ما يقضي به القاضي من العقوبة وهي حبس الخصم.
٣٥٥ - وكان ذكر السجان هناك يجب تبعًا لذكر الحبس، غير أنه لما كان ذكر السجان مع جماعة الأعوان وجب ذكره هاهنا.
٣٥٦ - وإذا فعلنا ذلك وجب ذكر الحبس وجوازه في الشرع ليصح أن يكون له حافظًا.
٣٥٧ - والأصل في هذا الباب ما ثبت عن النبي ﷺ والأئمة بعده أنهم حبسوا في الديون وغيرها.
٣٥٨ - ونحن نذكر في هذا الباب ما ذكر فيه:
[ ١ / ١٢٦ ]
فمن ذلك ما ذكره الخصاف بإسناد عن الحسن (بن زياد اللؤلؤي) أن أناسًا من أهل الحجاز اقتتلوا فقتلوا بينهم قتيلا فبعث إليهم رسول الله ﷺ فحبسهم. وذكر عن بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ حبس في تهمه.
٣٥٩ - وعن أبي مخلد أنه ﵇ حبس رجلًا من جهينة أعتق شخصًا له في مملوك حتى باع غنيمة له.
٣٦٠ - وعن عمر رحمة الله عليه أنه أتاه رجل بالجابية؟ فقال:
عبدي وجدته على امرأتي
قال:
- أنظر ما تقول فإنك مأخوذ بما تقول
فأعاد الرجل القول
فأمر عمر أبا واقد الليثي فقال:
[ ١ / ١٢٧ ]
خذ بيده فأجنه عندك، حتى تغدو أنت وهو عليها، فانظر أحق ما قال أم باطل فعد الينا، وقد حفرت حفيرة.
فقال لها أبو واقد:
- أحق أن هذا جاء عليك بأمر ينكر؟ فإن كان كذبًا فلا تصدقيه.
رجاء أن تتوب
فقالت:
- صدق، لا والله لا أتحملها مرتين.
فأمر بها عمر ﵁ فرجمت.
٣٦١ - وذكر غير الخصاف في كتابه أن عمر ﵁ اشترى دارًا بمكة بأربعة آلاف درهم وجعلها سجنًا، وحبس عمر ﵁ الخطيئة الشاعر فقال:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قمر مظلمة فارحم عليك سلام الله يا عمر
وحبس آخر فقال:
يا عمر الفاروق طال حبسي ومل مني أخوتي وعرسي
في حد سكر تفتريه نفسي ألا ترى ضوء شعاع الشمس
٣٦٢ - وروى عن علي ﵇ أنه لما بنى السجن قال:
ألا تراني كيسا مكيسًا بنيت بعد نافع مخيسا
٣٦٣ - وروى عنه أنه حبس في الدين.
[ ١ / ١٢٨ ]
٣٦٤ - وقد كان للحسن وشريح والشعبي وابن سيرين وغيرهم من القضاة حبوس، وهو فعل جميع القضاة والأئمة من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا لا يدفع ذلك دافع، ولا ينكره منكر، فصار ذلك إجماعًا.
٣٦٥ - ولا يحبس بغير حق يتوجه عليه أو تأديب يراه القاضي واجبا لأنه عقوبة.
٣٦٦ - وقد قال أصحابنا:
اذا ثبت الدين على الغريم بينه أو بإقرار وطلب الخصم حبسه فإن القاضي لا يعجل في ذلك ويأمره بالدفع.
٣٦٧ - وأن اعاده وطلب حبسه وقد أمتنع من قضائه فعل به ذلك، وكتب له حبسه في ديوانه، وشرح الحال.
٣٦٨ - وقال بعض أصحابنا- وهو اختيار الخصاف-:
الصواب أن لا يحبسه حتى يسأله ألك مال؟ ويستحلفه على ذلك، فإن أقر أن له مالا حبسه.
٣٦٩ - وقد ذكر الخصاف أن عليا ﵁ كان إذا أتاه الرجل بالرجل فقال:
- لي دين عليه
قال: أله مال؟ أن كان أخذنا ذلك.
فإن قال نعم قد أخفاه
قال: أقم البينة أنه أخفاه، وإلا حلف بالله ما أخفاه.
وإن قال أحبسه قال: لا أعينك على ظلمه.
(فإن) قال فإني ألزمه قال إن لزمته كنت له ظالما، ولا أحول بينك وبينه.
٣٧٠ - وقد روى أن رجلًا أتى أبا هريرة بغريم له فقال: أحبسه
فقال أبو هريرة:
- هل تعلم له مالًا فآخذه به؟
[ ١ / ١٢٩ ]
قال: لا
قال: فهل تعلم له عقارا
قال: لا
قال: فما تريد؟
قال: أحبسه
قال: لا، ولكن أدعه يطلب لك ولنفسه ولعياله.
٣٧١ - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يحبسه حتى يتبين عدمه ما بين شهرين أو ثلاثة فيما روى محمد بن الحسن.
وفى رواية الحسن بن زياد ما بين أربعة أشهر أو ستة أشهر ثم يسأل عنه، فإذا ثبت عدمه بمسئلة الثقات من جيرانه وأهل الخبرة وإذا قالوا ماله مال نعلمه وأنا نعرف عسرته وضيق معاشه أطلق القاضي سراحه وأخرجه ولم يحل بينهما أن أراد خصمه ملازمته في قول أبي حنيفة وأبى يوسف.
٣٧٢ - ومن أصحابنا من قال يحول بينه وبين ملازمته وهو قول الشافعي ومالك.
٣٧٣ - وقال أبو حنيفة أنه مؤتمن؟ فيما يطالب به إلا في المهر والكفالة وكل ما لم يأخذ به مالا فيصير به غنيا وفى المال الظاهر بقاؤه فى يده فهو غني حتى يثبت عدمه.
٣٧٤ - وإذا أحضر بينة فشهدت بالعدم قبل المدة المعروفة سمعها القاضى وأخرجه وفلّسه، ولا تسمع قبل الحبس عند أبي حنيفة.
٣٧٥ - وقال الشافعي يسمع منه البينة قبل الحبس أيضا، ويفلسه، ولا تسمع قبل الحبس عند أبي حنيفة.
[ ١ / ١٣٠ ]
٣٧٦ - وإذا حبس وله مال أو عقار فأمتنع من قضاء الدين، قال أبو حنيفة أدعه في الحبس ولا أبيع عليه ولا أحجر.
٣٧٧ - وقال أبو يوسف ومحمد يبيع عليه العقار وجميع أمواله فيقضي دينه ثم يخرجه من الحبس، وهو قول الشافعي ومالك.
٣٧٨ - وإن غاب الطالب وثبت عدم المحبوس أخذ منه كفيلا وأطلقه القاضي من الحبس عند أبي يوسف.
٣٧٩ - وقال محمد بن الحسن إذا طلب الطالب ملازمة الغريم بعد ثبوت الدين عليه، وطلب المديون الحبس فللطالب أن يلازمه ولا يحبسه، وقال محمد ان أشكل أمره حبسه وسأل بعد الحبس عنه، وان لم يشكل سأل عاجلا وأطلقه وفلسه.
٣٨٠ - قال أصحابنا:
وإذا مرض فى الحبس، فإن كان له من يخدمه فى الحبس وهو لا يستضر به لم يخرجه، وأن كان لا خادم له وهو يستضر بالسكون فيه أخرجه وخلى سبيله لأن الحبس عقوبة فلا تثبت في الحال المريض كالتعزير وإقامة الحد.
٣٨١ - وقال محمد بن الحسن فى ملازمة المرأة إذا طلب ذلك الطالب أمره أن يجعل معها امرأة ثقة ولا يمكنه من ملازمتها.
٣٨٢ - وقد قال أصحابنا:
لا يمنعه في الحبس ان يطأ جاريته إن كان الموضع خاليا، وإن كان فيه غيره يمنعه من ذلك، ولا يخرجه إلى خارج الجبس ليطأ، لأن في ذلك فك الحبس.
٣٨٣ - فإذا عرفت هذه الجملة وكان الحبس عقوبة لم يكن بد للقاضي أن يكون له عليه حافظا فيجب أن يكون السجان أمنيا حافظا، له يقظة ومعرفة
[ ١ / ١٣١ ]
بأحوال المحبسين وأعينهم فيكتب يوم دخول المحبوس إليه وصفه وما أخذ به ويكون عارفا بكل أحد منهم، حتى إذا وقع إليه القاضي بإطلاق رجل لم يغلط فيه ولم يخرج سواه، ويكون صادق اللهجة ليعرف منه أحوال المحبسين وأمراضهم ومأكلهم ومشاربهم ومن يتردد إليهم.
٣٨٤ - وقد قال محمد بن الحسن أن خفت من المحبوس الهرب نقلته الى حبس اللصوص، إذا كان ذلك مأمونا عليه، وأن لم أخف لم أنقله إليه.
٣٨٥ - ولا أكلف الطالب السكون معه في الحبس.
٣٨٦ - ويكون للنساء حبس على حدة، وتكون عليه امرأة حافظة برزة أمينة عارفة بأحوال النساء وما يحتجن إليه، كما اعتبرناه في الرجل إذا كان حافظا.
٣٨٧ - وينبغي أن ينهي السجان كل يوم أحوال المحبسين إلى القاضي، وما يجري في الحبس.
٣٨٨ - وإذ قد ذكرنا صفة السجان وحافظ الحبس فلنذكر صفه بواب القاضي.