١٣٨ - وهذا باب نذكر فيه جواز الدخول في القضاء اعلم أن القضاء قد دخل فيه رجال صالحون وأئمة الصحابة، ووجوه التابعين، وسنذكر في آخر الكتاب أعيان من دخل فيه من الناس.
وامتنع جماعة من الدخول فيه، منهم أبو حنيفة ﵁، فمنهم من أجاز الدخول فيه ومنهم من كرهه ولم يدخل فيه.
١٣٩ - وعندنا أنه مباح له الدخول فيه، ولا يجب عليه، وكذلك الدخول في الإمامة العظمى، لا يجب عندنا، بل اختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال هي فرض على الكفاية إذا قام بها الغير سقطت عنه، ومنهم من قال إذا علم أنه ليس أحد يقوم بفرضها لزمه الفرض، ووجب عليه الطلب والقتال حتى يؤدي إلى استقامة الدين وإزالة المنكر، ولو أدى ذلك إلى إهلاك نفسه وماله وسفك الدماء.
١٤٠ - ومن أصحابنا من قال لا يجب ذلك عليه، ومتى أدى إلى إهلاك مسلم وجب ترك ذلك فكيف هلاك نفسه، وحكمها عنه ساقط وإثمها زائل، ولا يصح إجباره عليها (ولا) إكراهه على الدخول فيها.
١٤١ - واتفقوا على أن القاضي لا يجب عليه الدخول في القضاء وإن كان عالمًا وليس في الناس مثله.
١٤٢ - وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من تقلد القضاء فكأنما ذبح بغير سكين».
[ ١ / ٨٢ ]
١٤٣ - ولا يعرف لأصحابنا لفظ في كتاب يقتضي وجوب الدخول في القضاء فنحيكه.
١٤٤ - وقال أصحاب الشافعي: إذا كان لا يصلح للقضاء إلا واحد تعين ولزمه فعله، فإذا امتنع أجبر عليه، لأن الكفاية لا تحصل إلا به وجعله هذا القائل فرضًا على الكفاية، فإذا لم يقم به غير وجب عليه، قال وإن كان هناك غيره يصلح له نظرت فأنه كان خاملًا وإذا ولي القضاء انتشر علمه استحب له طلبه لما يحصل به من المنفعة بنشر العلم، وإن كان مشهورًا فإن كانت له كفاية كرهت له الدخول فيه لأنه ربما يعجز عن القيام بذلك ويحتاج إلى أن يلتزم الأمانات فكره له ذلك، وهذا يقتضي أن يكره الدخول فيه، وإن لم يكن غيره لأنه يجوز أن لا يأمن ذلك أيضًا، وليس القضاء أمرًا يسيرًا بل عظيم، وليس كل عالم يصلح للقضاء والصرف في الأمور، وقد رأينا من يتقلد القضاء وهو يعتقد أنه العالم الكافي القيم بما يرد في ذلك، فلا يلبث حتى يظهر عجزه وحيرته وتبلده في الأحوال، حتى يتغير طبعه، وتتبدل أخلاقه، ولولا كراهة ذكر الناس لحكيت في ذلك ما رأيت وعددت الناس، ولكن كل زمان لا يخلو أمره من مثل ما رأينا.
١٤٥ - وقال أصحاب الشافعي: وإن كان فقيرًا يرجو بالقضاء كفاية من بيت المال لم يكره له الدخول فيه لأنه يكتسب كفاية بسبب مباح.
١٤٦ - قالوا: وإن كانوا جماعة يصلحون للقضاء اختار الإمام أفضلهم وأورعهم فقلده، وبهذا قولنا أيضًا إذا اختار الحاكم ذلك ورغب فيه وغلب على
[ ١ / ٨٣ ]
ظنه أنه يقوم بشرائطه، وهذا لابد من اعتباره في القاضي والإمام جميعًا، ولا يجوز أن نطلق القول.
وإن اختار الإمام غير الأفضل انعقد العقد له، وهذا يبنى على جواز إمامة المفضول، وقد جعل عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة شورى في ستة نفر وهم يتفاضلون عند جميع الناس، فلولا أنه يجوز العقد للمفضول لما خبر عن فاضل ومفضول، وهذا في القاضي أجوز من الإمامة.
١٤٨ - قال الشيرازي ﵀: وإن امتنعوا عن الدخول أتموا، لأنه فرض وجب عليهم فهو كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.