٢٠ - فالقاضي يجب أن يكون عارفًا بجميع الأحكام من الشرعيات حتى إذا ارتفع إليه في قضية عمل في قضائها وبت حكمها، مما هو مشروع في ذلك، أما من إجماع أو خلاف، ولا سبيل له إلى العلم بذلك إلا بطريق يوصل إليه، والطريق له إلى ذلك بعد سلامة الحواس وكمال العقل أن يكون عارفًا بكلام أهل اللغة، ومعاني كلامهم، أو في حكم العالم بذلك، وهذا يقتضي أن يعلم أولًا أن الكلام هل هو توفيق أو إيقاف مصطلح عليه، أو بعضه توفيق وبعضه اصطلاح، ويعرف الحقيقة والمجاز في لغة العرب، ويعرف هل نقلت الأسماء إلى الشرع، أم هي مبقاة على ما كانت عليه في اللغة. ويعرف ذلك الأوامر والنواهي، ويميز بين ذلك بما وضع للتمييز بينهما، ويعرف العموم والخصوص وما يشتملان عليه من الأحكام، كما يعرف أنواع الأمر والنهي ومسائلهما.
[ ١ / ٥٥ ]
ويعرف المجمل والمبين وحدهما وما يتعلق بهما من المسائل المتفق عليها والمختلف فيها، ويعرف المطلق والمقيد، وما يقيد الكلام وحدهما ويعرف الاستثناء في الكلام، والصفات الداخلة عليه. ويعرف الناسخ والمنسوخ، وما يجوز نسخه وما لا يجوز من الأحكام، وما يجوز نسخ حكمه وتبقية رسمه، وما لا يجوز من ذلك. ويعرف الأخبار التي هي الطريق إلى معرفة هذه الجملة وتفصيل أحكام الأخبار وأنواعها ومسائلها. ويعرف الإجماع وحّده ومسائله، وما هو حجة فيه، وما ليس بحجة منه، ويعرف بعد ذلك الأفعال وأحكامها وتفاصيلها «وأقسامها»، ويعرف القياس وحّده ومسائله وأبوابه وفروعه وشروطه.
ويعرف بعد ذلك صفة المفتى «التي ينبغي أن يكون عليها حتى تصح فتواه ويعرف بعد ذلك صفة المستفتي» وما يجوز أن يفتيه به ويبينه له.
ويعرف بعد ذلك الحظر والإباحة ليحكم لكل فعل بما يجب، ولكل قول بما يلزم.
وسنبين فيما بعد تفصيل هذه الأبواب عند ذكر صفة المجتهد والوالي والمولى.
٢١ - فإذا كان القاضي جاهلًا بهذه الجملة فجهله بالتفصيل أعظم، والبلية به أشد، لاسيما إذا اختصما في المعاملات والمواريث والمسائل المشكلة في الفروع التي يتجاذبها شبه الأصول.
٢٢ - وقد قال النبي ﵇ لمعاذ بن جبل بماذا تحكم إذا ارتفع إليك الخصمان فقال:
- بكتاب الله.
فقال:
- فإن لم تجد في الكتاب؟
فقال:
- أصلبه في السنة.
قال:
فإن لم تجد؟
[ ١ / ٥٦ ]
قال:
- أجتهد رأيي ولا ألو.
فقال ﵇:
«الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى الله ورسوله»
فذكر وجوه الحكم.
فمن لا يعرف الكتاب وما فيه، ولا السنة وما فيها ولا الاجتهاد وما فيه فبأي شيء يحكم؟ وإلى أي قول يذهب.
٢٣ - وقد كانت الصحابة ﵃ لا يولون الأحكام جاهلًا ولا فاسقًا ولا ماجنًا ولا من طعن عليه في دين أو دنيا.
٢٤ - وكان بنو أمية ينادون في الموسم: لا يفتي أحد بمكة غير عطاء بن أبي رباح لأنه كان «القدوة» في زمانه.
وفي المدينة مالك بن أنس.
٢٥ - وإذا نظر إلى قضاة الصحابة والتابعين ﵃ رأيت العجب، ولهذه الجملة لا بد من ذكر من ولي القضاء في زمن النبي ﷺ وبعده في باب اختتم به الكتاب إن شاء الله تعالى في نصل أحكي فيه ألفاظ المصنفين في هذا الباب (و) ما قالوا على جملتها من غير تحريف، ثم احكي الخلاف بعد ذلك من أين دخل عليهم، والشبهة من أي وجه عرضت:
٢٦ - فحكى الطحاوي في مختصره من غير خلاف ذكره أنه قال:
[ ١ / ٥٧ ]
ولا يولي القضاء إلا الموثوق به في عفافه وعقله وصلاحه وفهمه وعلمه بالسنة والآثار ووجوه الفقه، ولا يولى صاحب رأي لا علم له بالسنة والأحاديث ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه، ولا ينبغي أن يفتي إلا من كان هكذا، إلا أن يفتي بشيء قد سمعه.
فصل
٢٧ - ومن أصحابنا من قال لا يولى الحكم إلا رجل من أهل الاجتهاد ولا يكون مجتهدًا إلا أن يعرف أصول الأحكام التي يجتهد فيها، وهي الكتاب والسنة والاجماع والقياس والاستدلال، ولا يمكنه علم هذه الأصول ولا الاستدلال بها وإن كانت معلومة للناظر فيها إلا أن يكون قد علمها على وجه مخصوص، أو يكون في حكم العالم بها على هذا الوجه، وهو أن يعلم أنها ثابتة على وجه يجب أن يقيس عليها يستدل بها، لأنه إذا لم يعلم ذلك لم يكن له أن يقيس عليها ويستدل بها لأن ما لا يعلم ثبوته لا يقاس عليه ولا يستدل به.
قال: وهذا القدر، يغنى عن أن يقول لابد للقائس أو المستدل بهذه الأصول على الاجتهاد أن يكون عالمًا بالنسخ والمنسوخ والخاص والعام والحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، وجميع ما عددنا فيما تقدم، لأنه لا يكون عالمًا بشيء من ذلك حتى يعلم جميع الأقسام المتقدمة. لأنه إذا لم يعلم الناسخ لم يمكنه أن يعرف الحكم الطارئ الذي هو ثابت في الشرع.
٢٨ - وقد طول الجماعة الكلام في ذلك، واحضر ما يمكن أن يقال أن يكون عارفًا بالخطاب وما يتفرع عليه ويستفاد به، والأفعال وما يتفرع عليها ويستفاد حكمه بها، أو يرجع إلى هذين الأصلين. فهذا أخصر ما يمكن. ويدخل فيه جميع ما ذكرناه (والحمد لله).
[ ١ / ٥٨ ]
فصل
٢٩ - والمحكي في الخلاف عن أصحابنا أنه يجوز أن يكون القاضي عاميًا، ويرجع إلى أهل العلم فيعلم بما يفتون به، لأن الخصاف قال في أدب القضاء:
«وإن كان القاضي لا تمييز له بعد ذكره لما يقضي به، وتفضيله بما سنذكره فيما بعد إن شاء الله فأخذ بقول الفقيه رجونا أن لا يكون عليه شيء».
٣٠ - وقال الشافعي وغيره من العلماء وهو قول محمد بن الحسن: لا تنعقد ولاية العامي، ولا يجوز لأحد أن يستفتي غيره ويحكم به على غيره. وليس ذلك لأحد بعد النبي ﷺ.
٣١ - قال في كتاب المزني في أول باب: «ولا يشاور إذا نزل به المشكل إلا أمينًا عالمًا بالكتاب والسنة والآثار وأقاويل الناس والقياس ولسان العرب ولا يقبل وإن كان أعلم منه حتى يعلم كعلمه أن ذلك لازم له، من حيث لم يختلف فيه الرواة، أو بدلالة عليه أو أنه يحتمل وجهًا أظهر منه، فأما أن يقلده فلم
[ ١ / ٥٩ ]
يجعل الله ﷿ ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ، ولكنه يجمع المختلفين لأن أمد لقضيته ويكشف بعضهم على بعض.
٣٢ - (قال الشافعي): وإن لم يكن في (عقله) ماذا اعتدل القياس عقله، وإذا اسمع القياس ميزه فلا ينبغي أن يقضي ولا لأحد أن يستقضيه».
٣٣ - اعلم أن من اعتمده الشافعي ﵀ لا يوجد لأحد في الدنيا على ما قال، وإنما العمل اليوم في الولاة على ما ذهب إليه أصحابنا، وإن كان ما قاله إذا وجد أولى وأصوب لأن الله تعالى قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ وإذا حكم بقول أهل الذكر فقد أدى ما وجب عليه لأن فصل القضاء فرض توجه عليه فعله فهو كما لو استفتى في حق نفسه وما يوجه عليه من الحكم ولا خلاف بيننا أنه يقلد في حق نفسه، وهو يقول قال الله تعالى:
﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ وهذا أمر للحاكم لا لغيره، ولأنه لا يجوز أن يكون مفتيًا، فلا يكون حاكمًا كالكافر والصبي ولأن العلم رأس مال الحاكم وآلة له، فكيف يصح عمل من لا آلة له، هذه الجملة نكتة المسألة وأبو حنيفة جعل حكمه كشهادته، فإذا وجدت جميع الشرائط في الحاكم أمن المولى له الحكم وهذا باب يذكر فيه صفة المولى وما يجب أن يكون عليه من الشرائط «والله أعلم الصواب وإليه المرجع والمئاب».
[ ١ / ٦٠ ]
فصل