بسم الله الرحمن الرحيم
نصر من الله وفتح قريب، وما توفيقي إلا بالله، الحمد لله الذي أمر الخلق بأتباع دينه، وتصديق رسوله، وأمر بالاقتداء بأحكامه، والأخذ بما سن وشرع من الأحكام في كتابه وعلى لسان رسوله ﵇ من أتباع العلماء والأخذ بقول الأئمة الفقهاء، وجعل العلماء ورثة الأنبياء ﵈، يقومون مقام الرسل في حفظ الشرع، والشهادة بتبليغ الدين، كما جعل رسوله ﵇ شهيدًا عليهم ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾
فقوام الدين بالعلماء وثبات الشرع بالفقهاء، فلولاهم لما عرف حلال من حرام، ولا حق من باطل، ولا أمر من نهي، ولا ناسخ من منسوخ، ولا مجمل من مبين ولا مباح من سنة، ولا سنة من بدعة، ولا فرض من نفل، ولا صدق من كذب، ولا نبي من متنب، ولا إمام من أنام، فهم صفوة الخلق، وشهود الله على الحق، وأحق الناس بالإكرام والتعظيم، فالله يرعى من رعاهم ويكرم من يكرمهم ويعظم من يعظمهم من كبير أو صغير [وجليل وحقير، وحقه على فقهاء العصر من هم في نعمة ينقلبون ومن بحار جوده يغترفون وفي رياض إحسانه يتمتعون، الباني لهذه المدرس،
[ ١ / ٤٠ ]
والذاب عنهم في المجالس والمكرم لهم عند السلطان، والمقرب لهم في كل مكان صدر الإسلام والمسلمين] نظام لملك وقوام الدين العادل العالم المنصور المظفر الذي من اسمه تشتق الأسماء، ومن أفعاله تتقلب ومن طهارته تقدم وهو أبو علي الحسن بن علي بن اسحق رضي أمير المؤمنين ﵁ وأعلا ذكره.
ولما كانت نعمة عندي جسيمة وأياديه عظيمة، أحببت أن أودع ذكره كتابًا يحتاج إليه العلماء والمتعلمون، والخاصة والعامة، ولا يستغني عنه في أدب الفقه على جميع مذهب الفقهاء، ألقبه من لقبه وأرسمه من أدبه، وأودعه من نقول علمه.
اسمه روضة القضاة وطريق النجاة، الناظم للشرع والمقيم للدين، أودعه ما لا يوجد لأحد تقدم من العلماء في كتاب في هذا الشأن، فقد صنف في ذلك كتب كثيرة كالذي صنفه الخصاف والطحاوي، الاصطخري، ومحمد بن الحسن [الشيباني] وسائر شروح الضالعين فمنهم من أطال، ومنهم من قصر، ومنهم من قدم ما لا يحتاج إليه، ومنهم من أخر، ولم يرتب الأبواب ولا عقد الفصول، ولا كشف قناع العلم ولا أتى بما يحتاج إليه على نمط الحاجة.
وكتابي هذا يشتمل على ذكر القاضي وصفته التي يكون عليها، وما يتعلق بجانب القاضي، وذكر المقضي له، وذكر المقضي عليه، وذكر ما يقع
[ ١ / ٤١ ]
[القضاء به] من الأمور كالبينة وعلم القاضي وما يمنعه وذكر ما يقضي به وذكر ما يجوز أن يقضي به ما لا يجوز أن يقضي به، وذكر الأزمان والأمكنة في القضايا والشهادات مما لا يوجد لأحد قد جمعه في كتاب لجميع من تقدم من العلماء فأما من تأخر فلا علم لنا به، وبما يكون منه.
وأنا أرتب أولًا عدد الأبواب في كل فصل ثم أرجع واشرح الحال في كل باب، واستوفي ما فيه من الفصول، وأحكي في كل فصل ما هو متفق عليه، وما هو مختلف، وما يجب أن يفعل في المنازعات والدعاوى والبينات والأيمان وكيفيتها، والنكول وكيفيته ومواضعه، وسائر ما يتبع ذلك. وأنا أسأل الله تعالى تسهيل هذا الذي قصدت إليه، وتيسيره عليّ والتوفيق والتسديد وأن يصلي على محمد النبي وآله وأصحابه، ويرحم جميع العلماء من جميع أمته، آمين رب العالمين.
[ ١ / ٤٢ ]