اعلم أرشدك الله أن الزمان وعاء لأهله، ورأس الوعاء أطيب من أسفله كما أن رأس الجرة أروق وأصفى من أسفلها. فلئن قلت: إن الملوك اليوم ليسوا مثل الملوك الذين مضوا، فالرعية أيضًا ليسوا كمن مضى من الرعية. ولست بأن تذم أميرك إذا نظرت آثار من مضى منهم بأولى من أن يذمك أميرك إذا نظر آثار من مضى من الرعية، فإذا جار عليك السلطان فعليك الصبر وعليه الوزر. روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا النبي ﷺ فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان. ومنه قال ابن عباس: من كره من أمير شيئًا فليصبر عليه، فإنه من خرج عن السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية وعنه في رواية أخرى: من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية.
قال ابن مسعود: قال لنا النبي ﷺ: إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقوقهم واسألوا الله حقكم. وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: سيأتيكم ركب مبغضون يطلبون منكم ما لا يجب عليكم فإذا سألوا ذلك فأعطوهم ولا تسبوهم وليدعوا لكم. وهذا حديث عظيم الموقع في هذا الباب، فندفع إليهم ما طلبوا من الظلم ولا ننازعهم فيه، ونكف ألسنتنا عن سبهم.
يا عبد الله لا تجعل سلاحك على من ظلمك الدعاء عليه ولكن الثقة بالله فلا محنة فوق محنة إبراهيم ﵇ لما جعلوه في كفة المنجنيق ليقذف به في النار قال: اللهم إنك تعلم إيماني بك وعداوة قومي فيك فانصرني عليهم واكفني كيدهم. وقال مالك بن دينار: وجدت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: إني أنا الله مالك الملك قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليهم نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم. وفي بعض الكتب: ابن آدم تدعوا على من ظلمك ويعوا عليك من ظلمته، فإن شئت أجبت لك وأجبت عليك، وإن شئت أخرت الأمر إلى يوم القيامة فيسعكم العفو. وقال سليمان بن داود ﵇: لا تجعل ملجأك في الأعداء المكافأة ولكن الثقة بالله. وروى أبو داود في السنن قال: سرقت ملحفة لعائشة ﵂، فجعلت تدعوه على من أخذها فسمعها النبي ﷺ فقال: ألا تستحي؟ يعني ألا تخففي عنه فنهاها عن الدعاء على الظالم كما ترى فإذا قال المظلوم في دعائه: اللهم لا توفقه فقد دعا على نفسه وعلى سائر الرعية، لأنه من قل توفيقه ظلمك ولو كان موفقًا ما ظلمك، فإن استجيب دعاؤك فيه زاد ظلمه لك. ومن الألفاظ المروية عن سلف هذه الأمة قولهم: لو كانت عندنا دعوة مستجابة ما جعلناها إلى في السلطان. وقال الفضيل:
[ ١١٥ ]
لو ظفرت ببيت المال لأخذت من حلاله وصنعت منه طيب الطعام، ثم دعوت الصالحين وأهل الفضل من الأبرار والأخيار، فإذا فرغوا قلت لهم: تعالوا ندعوا ربنا أن يوفق ملوكنا وسائر من يلي علينا وجعل إليه أمرنا.
ولما قدم معاوية المدينة دخل دار عثمان فقالت عائشة بنت عثمان: واأبتاه! فقال معاوية: يا ابنة أخي إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانًا، وأظهرنا لهم حلمًا تحت غضب فأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كل إنسان سيفه وهو يرى مكان انتصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولا ندري تكون علينا أم لنا، ولأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين. وروي أن رجلًا من العقلاء غصبه بعض الولاة ضيعة له واعتدى عليه، فذهب إلى المنصور فقال له: أصلحك الله! أأذكر لك حاجتي أم أضرب لك قبلها مثلًا؟ فقال له: بل اضرب لي قبلها مثلًا. فقال: أصلحك الله إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فإنه يفر إلى أمه لنصرته، إذ لا يعرف غيرها ظنًا منه أنه لا ناصر له فوقها، فإذا ترعرع واشتد فأوذي كان فراره وشكواه إلى أبيه، لعلمه أن أباه أقوى من أمه على نصرته، فإذا بلغ وصار رجلًا وحزبه أمر شكا إلى الوالي، لعلمه بأنه أقوى من أبيه فإن زاد عقله واشتدت شكيمته شكى إلى السلطان لعلمه بأنه أقوى ممن سواه، فإن لم ينصفه السلطان شكا إلى الله تعالى لعلمه بأنه أقوى من السلطان. وقد نزلت بي نازلة وليس فوقك أحد أقوى منك إلا الله تعالى، فإن أنصفتني وإلا رفعت أمرها إلى الله تعالى في الموسم، فإني متوجه إلى بيته وحرمه قال: بل ننصفك. وأمر أن يكتب إلى واليه برد ضيعته إليه.