لقد خاب وخسر من كان حظه من الله الدنيا. اعلم أيها الرجل، وكلنا ذلك الرجل، أن عقول الملوك وإن كانت كبارًا إلا أنها مستغرقة بكثرة الأشغال فتستدعي من الموعظة ما يتولج على تلك الأفكار، ويتغلغل في مكامن الأسرار، فيرفع تلك الأستار ويفك تلك الأكنة والأقفال، ويصقل ذلك الصدأ والران؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ (النساء: ٧٧) . فوصف الله تعالى جميع متاع الدنيا بأنها متاع قليل. وأنت تعلم أنك ما أوتيت من ذلك القليل إلا قليلًا، ثم ذلك القليل إن تمتعت به ولم تعص الله فيه فهو لهو ولعب وزينة. قال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ (الحديد: ٢٠) . ثم قال: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٤) . فلا تبتع أيها العاقل لهوًا قليلًا يفنى بحياة الأبد حياة لا تفنى وشباب لا يبلى، كما قال الفضيل رحمه الله تعالى: لو كانت الدنيا ذهب يفنى، وكانت الآخرة خزفًا يبقى، لوجب أن نختار خزفًا يبقى على ذهب يفنى، فكيف وقد اخترنا خزفًا يفنى على ذهب يبقى؟ تأمل بعقلك هل آتاك الله تعالى من الدنيا ما آتى سليمان بن داود ﵉، حيث آتاه ملك جميع الدنيا والإنس والجن والطير والوحش والريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم زاده الله تعالى ما هو خير منها فقال له تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (صّ: ٣٩)
فوالله ما عدها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل قال عند ذلك: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. وهذا فصل الخطاب لمن تدبره أن يقول له ربه في معرض المنة: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . ثم خاف سليمان ﵇ أن يكون استدراجًا من حيث لا يعلم. هذا وقد قال لك ولسائر أهل الدنيا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر٩٣: ٩٢) .
وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الانبياء: ٤٧) .
تأمل بعقلك إلى ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء! وألق سمعك إلى ما نزل به جبريل على محمد ﵇، فقال: يا محمد، إن الله تعالى يقول لك عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به. فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الكلمات من صرعة الموت وفراق الأحبة والجزاء على الأعمال، فلو لم ينزل من السماء غيرها لكانت كافية.
انظر بفهمك إلى ما رواه الحسن أن النبي ﷺ مر
[ ٦ ]
بمنزل قوم قد ارتحلوا عنه، وإذا طلى مطروح فقال: أترون هذا هان على أهله؟ فقالوا: من هوانه عليهم ألقوه. قال: فو الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذا على أهله. فجعل الدنيا أهون على الله من الجيفة المطروحة. وقال أبو هريرة: قال لي النبي ﷺ: ألا أريك الدنيا جمعًا بما فيها؟ قلت: بلى. قال، فأخذ بيدي وأتى بي إلى واد من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس وعذرات وخرق بالية وعظام البهائم، ثم قال: يا أبا هريرة هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم تساقط جلدًا بلا عظم ثم هي صائرة رمادًا رمددًا، وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها وقذفوها في بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية رياشهم ولباسهم ثم أصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد فمن كان باكيًا على الدنيا فليبك! فما برحنا حتى أشتد بكاؤنا.
وقال ابن عمر: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي فقال: يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى. أيها الرجل، إن كنت لا تدري متى يفاجئك الأجل فلا تغتر بطول الأمل، فإنه يقسي القلب ويفسد العمل، وقد غير الله أقوامًا مد لهم في الأجل فقست منهم القلوب، وطال منهم الأمل، فقال:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦)
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
يا أيها الرجل ألق سمعك وأعرني لبك.
فإن كنت لا تدري متى الموت فاعلمن بأنك لا تبقى إلى آخر الدهر
أين آدم أبو الأولين والآخرين؟ أين نوح شيخ المرسلين؟ أين إدريس رفيع رب العالمين؟ أين إبراهيم خليل الرحمن الرحيم؟ أين موسى الكليم من بين سائر النبيين والمرسلين؟ أين عيسى روح الله وكلمته رأس الزاهدين وإمام السائحين؟ أين محمد خاتم النبيين؟ أين أصحابه الأبرار المنتخبون؟ أين الأمم الماضية؟ أين الملوك السالفة؟ أين القرون الخالية؟ أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان؟ أين الذين اعتزوا بالأجناد والسلطان؟ أين أصحاب السطوة والولايات؟ أين الذين خفقت على رؤوسهم الألوية والرايات؟ أين الذين قادوا الجيوش والعساكر؟ أين الذين عمروا القصور والدساكر؟ أين الذين أعطوا النصر في مواطن الحروب والمواقف؟ أين الذين اقتحموا المخاطر والمخاوف؟ أين الذين دانت لهم المشارق والمغارب؟ أين الذين تمتعوا في اللذات والمآرب؟ أين الذين تاهوا على الخلائق كبرًا وعتيًا؟ أين الذين استلانوا الملابس أثاثًا ورئيًا؟ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ (مريم: ٧٤)
أين الذين ملأوا ما بين الخافقين عزًا؟ أين الذين فرشوا القصور خزًا وقزًا؟ أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبة وهزًا؟ أين الذين استذلوا العباد قهرًا ولزًا؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (مريم: ٩٨) . أفناهم والله مفني الأمم وأبادهم مبيد الرمم، وأخرجهم من سعة القصور وأسكنهم ضنك القبور، تحت الجنادل والصخور، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم فعاث الدود في أجسامهم، واتخذ مقيلًا في أبدانهم، فسالت
[ ٧ ]
العيون على الخدود وامتلأت تلك الأفواه بالدود، وتساقطت الأعضاء وتمزقت الجلود، وتناثرت اللحوم وتقطعت البطون، فلم ينفعهم ما جمعوا ولا أغنى عنهم ما كسبوا، أسلمك الأحبة والأولياء وهجرك الأخوان والأصفياء ونسيك القرباء والبعداء. فأنسيت ولو نطقت لأنشدت قولنا عن سكان الثرى ورهائن الترب والبلى: شعر
مقيم بالحجون رهين رمس وأهلي رائحون بكل واد
كأني لم أكن لهم حبيبًا ولا كانوا الأحبة في السواد
فعوجوا بالسلام فإن أبيتم فأوموا بالسلام على بعاد
فإن طال المدى وصفا خليل سوانا فاذكروا صفو الوداد
وذاك أقل ما لك من حبيب وآخره إلى يوم التناد
فلو أنا بموقفكم وقفنا سقينا الترب من مهج الفؤاد
وقال مكرم بن يوسف العابد: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قف على المدائن والحصون وأبلغهم عني حرفين: لا يأكلوا إلا طيبًا ولا يتكلموا إلا بالحق. ولما دخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز قال: عظني يا يزيد! فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم ما أنت أول خليفة يموت! فبكى عمر وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين آدم إلا أب ميت! فبكى وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين الموت موعد. فبكى وقال: زدني يا يزيد. فقال: يا أمير المؤمنين ليس بين الجنة والنار منزل! فسقط مغشيًا عليه.
يا أيها الرجل لا تغفل عن ذكر ما تتيقنه من وجوب الفناء وتقضي المسار وذهاب اللذات، وانقضاء الشهوات وبقاء التبعات وانقلابها حسرات، وإن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له؛ من صح فيها سقم ومن سلم فيها برم، ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن؛ حلالها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب، من ساعاها فاتته ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته ومن تبصر بها بصرته، لا خيرها يدوم ولا سرورها يبقى ولا فيها المخلوق بقا.
يا أيها الرجل لا تخدعن كما خدع من قبلك، فإن الذي أصبحت فيه من النعم إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج من يدك مثل ما صار إليك، فلو بقيت الدنيا للعالم لم تصر للجاهل، ولو بقيت للأول لم تنتقل للآخر. يا أيها الرجل لو كانت الدنيا كلها ذهبًا وفضة، ثم سلمت عليك بالخلافة وألقت إليك مقاليدها وأفلاذ كبدها، ثم كنت طريدة للموت ما كان ينبغي لك أن تهنأ بعيش، ولا فخر فيما يزول ولا غنى فيما يفنى، وهل الدنيا إلا كما قال الأول: قدر يغلي وكنيف يملأ؟ وكما قال الشاعر:
ولقد سألت الدار عن أخبارهم فتمايلت عجبًا ولم تبدي
حتى مررت على الكنيف فقال لي أموالهم ونوالهم عندي!
ولقد أصاب ابن السماك لما قال له الرشيد: يا ابن السماك عظني، وبيده شربة من ماء، فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: يا أمير المؤمنين أرأيت لو حبس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: فلا خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة! يا أيها الشاب لا تغتر بشبابك فإن أكثر من يموت الشباب. والدليل عليه أن أقل الناس الشيوخ. يا أيها الشاب كم من جمل في التنور وأبوه يرعى؟ وكم من طفل في التراب وجده يحيا؟
[ ٨ ]
وقال علي بن أبي طالب ﵁ لأسقف قد أسلم: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين إن كان الله عليك فمن ترجو؟ قال: أحسنت فزدني. قال: إن كان الله معك فمن تخاف؟ قال: أحسنت فزدني. قال: أحسب أن الله قد غفر للمذنبين، أليس قد فاتهم ثواب المحسنين؟ قال: حسبي حسبي وبكى علي أربعين صباحًا. وقال الحسن: قدم صعصعة يعني عم الفرزدق على النبي ﷺ فسمعه يقرأ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة٨: ٧)
فقال: حسبي حسبي لا أبالي أن لا أسمع آية غيرها. وقال سليمان بن عبد الملك الحميد الطويل: عظني. فقال: إن كنت قد عصيت الله وظننت أنه يراك فلقد اجترأت على رب عظيم، وإن كنت تظن أنه لا يراك فلقد كفرت برب كريم.
وكتب علي بن أبي طالب ﵁ إلى سليمان: إنما مثل الدنيا كمثل الحية لين لمسها ويقتل سمها، فأعرض عنها وعن ما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، ودع عنك همومها لما تيقنت من فراقها، وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكره منها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخص منها إلى مكروه. وقال أبو العتاهية:
هي الدار دار الأذى والقذى ودار الغرور ودار الغير
فلو نلتها بحذافيرها لمت ولم تقض منها الوطر
أيا من يؤمل طول الحياة وطول الحياة عليه خطر
إذا ما كبرت وبان الشباب فلا خير في العيش بعد الكبر
ولما بلغ مردك من الدنيا أفضل ما سمت إليه نفسه ورقت إليه همته، رفضها ونبذها وقال: هذا سرور لولا أنه غرور، ونعيم لولا أنه عديم، وملك لولا أنه هلك، وغنى لولا أنه فناء، وجسيم لولا أنه ذميم، ومحمود لولا أنه مفقود، وغناء لولا أنه منًا، وارتفاع لولا أنه اتضاع، وعلا لولا أنه بلا، وحسن لولا أنه حزن، وهو يوم لو وثق له بغد. يا أيها الرجل لا تكن كالمنخل يرسل أطيب ما فيه ويمسك الحثالة. واعلم أن من قسا قلبه لا يقبل الحق وإن كثرت دلائله، قال الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة٧٤: ٧٣) .
وذلك أن كثرة الذنوب مانعة من قبول الحق للقلوب وولوج المواعظ فيها. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: ١٤)، أي غطاها وغشيها فلا تقبل خيرًا ولا تصلح لموعظة.
جاء في التفسير: إذا أذنب العبد ذنبًا نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم إذا أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم كلما أذنب نكتت نكتة سوداء حتى يسود القلب. وقال حذيفة: القلب كالكف فإذا أذنب العبد انقبض وقبض إصبعًا، ثم إذا أذنب انقبض وقبض إصبعًا أخرى، ثم كذلك في الثالث والرابع حتى ينقبض الكف كله ثم يطبع الله عليه، وذلك هو الران.
وقال بكر بن عبد الله:
إذا أذنب العبد صار في قلبه كوخز الإبرة، ثم كلما أذنب صار فيه كوخز الإبرة، ثم كلما أذنب صار فيه كوخز الإبرة حتى يعود القلب كالمنخل. وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب. وقال ابن شبرمة: إذا كان البدن سقيمًا لم ينفعه الطعام، وإذا كان القلب مغرمًا بحب الدنيا لم تنفعه الموعظة. وقد قيل:
إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة كالأرض إن سبحت لم ينفع المطر
[ ٩ ]
ويروي أن أبا العتاهية مر بدكان وراق، فإذا كتاب فيه بيت من الشعر:
لن ترجع الأنفس عن غيها ما لم يكن منها لها زاجر
فقال: لمن هذا؟ فقيل: لأبي نواس. فقال: وددت أنه لي بنصف شعري! وقال الأصمعي: إن النعمان بن امرئ القيس الأكبر الذي بنى الخورنق أشرف على الخورنق يومًا، فأعجبه ما أوتي من الملك والسعة ونفوذ الأمر وإقبال الوجوه عليه، فقال لأصحابه: هل أوتي أحد مثل ما أوتيت؟ فقال له حكيم من حكماء أصحابه: أهذا الذي أوتيت شيء لم يزل ولا يزول، أم شيء كان لمن قبلك زال عنه وصار إليك؟ قال: بل شيء كان لمن قبلي زال عنه وصار إلي وسيزول عني! قال فسررت بشيء تذهب عنك لذته وتبقى تبعته! قال: فأين المهرب؟ قال: إما إن تقيم وتعمل بطاعة الله، أو تلبس أمساحًا وتلحق بجبل تعبد ربك فيه وتفر من الناس حتى يأتيك أجلك. قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟ قال: حياة لا تموت وشباب لا يهرم، وصحة لا تسقم وملك جديد لا يبلى. قال: فأي خير فيما يفنى؟ والله لأطلبن عيشًا لا يزول أبدًا! فانخلع من ملكه ولبس الأمساح وساح في الأرض، وتبعه الحكيم وجعلا يسيحان ويعبدان الله تعالى حتى ماتا؛ وفيه يقول عدي بن زيد:
سر رب الخورنق إذ أصـ بح يومًا وللهدى تذكير
غره ماله وكثرة ما يمـ لك والبحر معرضًا والسدير
فارعوى قبله وقال فما غبـ طة حي إلى الممات يصير؟
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر وان أم أين قبله سابور؟
وبنو الأصفر ملوك الـ روم لم يبق منهم مذكور
لم يهبه ريب المنون فباد الـ ملك عنه فبابه مهجور
وفيهم أيضا يقول الأسود بن يعفر:
ولقد علمت سوى الذي نبأتني
أن السبيل سبيل ذي الأعواد ماذا أؤمل أل محرق
تركوا منازلهم وبعد إياد؟ أرض الخورنق والسدير وبارق
والقصر ذي الشرفات مع سنداد
نزلوا يسيل عليهم ماء الفرات يجيء من أطواد
جرت الرياح على محل ديارهم فكأنما كانوا على ميعاد
فأرى النعيم وكل ما يلهى به يومًا يصير إلى بلى ونفاد
وقال وهب بن منبه: أصبت على غمدان وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن، وكان من الملوك الأجلة مكتوبًا بالقلم المسند فترجم العربية، فإذا هي أبيات جليلة وموعظة عظيمة:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا من أعالي معقلهم فأسكنوا حفرًا يا بئس ما نزلوا!
ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا: أين الأسرة والتيجان والحلل؟
أين الوجوه التي كانت محجبة من دونها تضرب الأستار والكلل؟
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم: تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
[ ١٠ ]
قد طالما أكلوا يومًا وما شربوا فأصبحوا بعد ذاك الأكل قد أكلوا!
قال شيخنا ﵀: قرئ على القاضي أبي الوليد الباجي وأنا أسمع لبعض الشعراء:
ويحك يا أسماء ما شاني أضللني والله ما ساني!
الموت حق فاعلمي نازل فبشري لحدي وأكفاني
قد كنت ذا مال فلا والذي أعطاني العيش وأغناني
ما قرت العين به ساعة إلا تذكرت فأشجاني
علمي بأني صائر للبلى وفاقد أهلي وجيراني
وتارك مالي على حاله نهبًا لشيطان بن شيطان
لامرأة ابني أو لزوج ابنتي يا لك من غي وخسران!
يسعد في مالي وأشقى به قوم ذوو غل وشنان
إن أحسنوا كان لهم أجره وخف من ذلك ميزاني
وممن استبصر من أبناء الملوك، فرأى عيب الدنيا وفناءها وتقضيها وزوالها، إبراهيم بن أدهم بن منصور من أبناء ملوك خراسان من كورة بلخ، ولما زهد في الدنيا زهد عن ثمانين سريرًا. قال إبراهيم بن بشار: سألت إبراهيم بن أدهم كيف كان بدء أمرك حتى صرت إلى هذا؟ قال: غير هذا أولى بك! قلت: يرحمك الله لعل الله ينفعني به يومًا ما. ثم سألته ثانية فقال: ويحك اشتغل بالله سبحانه! ثم سألته ثالثة فقلت: إن رأيت يرحمك الله أن تخبرني به لعل الله أن ينفعني به. فقال: كان أبي من ملوك خراسان وكان من المياسير وكان قد حبب إلي الصيد، فبينما أنا راكب فرسًا ومعي كلبي، فأثرت أرنبًا أو ثعلبًا، فحركت فرسي فسمعت نداء من ورائي: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدًا فقلت في نفسي: لعن الله الشيطان، ثم حركت فرسي فسمعت نداء أقوى من الأول: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت مقشعرًا وجعلت أنظر يمنة ويسرة فلم أر شيئًا فقلت: لعن الله إبليس! ثم حركت فرسي فسمعت نداء من قربوس سرجي: يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت! فوقفت وقلت: هيهات قد جاءني النذير من رب العالمين، والله لا عصيت ربي ما عصمني بعد يومي هذا! فتوجهت إلى أهلي وخلفت فرسي، وجئت إلى بعض رعاة أبي فأخذت جبته وكساءه وألقيت إليه ثيابي، فلم تزل أرض تقلني وأرض تضعني، حتى صرت إلى العراق وعملت بها أيامًا فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت المشايخ عن الحلال، فقال: عليك بالشام. قال: فانصرفت إلى الشام إلى مدينة يقال لها المنصورية وهي المصيصة، فعملت بها أيامًا فلم يصف لي منها شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ فقال: إن أردت الحلال فعليك بطرطوس، فإن العمل بها والمباحات كثير. قال: فبينما أنا قاعد على باب البحر إذ جاءني رجل فاكتراني أنظر له بستانًا، فتوجهت معه فمكثت في البستان أيامًا كثيرة، فإذا بخادم قد أظلل ومعه أصحاب له، ولو علمت أن البستان لخادم ما نظرته، فقعد في مجلسه ثم قال: يا ناظورنا.
فأجبته، قال: اذهب فأتنا بأكبر رمان تقدر عليه وأطيبه. فأتيته برمان فأخذ الخادم رمانة فكسرها فوجدها حامضة، فقال: يا ناظورنا أنت منذ كذا وكذا في بستاننا تأكل من فاكهتنا ورماننا لا تعرف الحلو من الحامض؟ قلت: والله ما أكلت من فاكهتكم شيئًا وما أعرف الحلو من الحامض! قال: فغمز الخادم أصحابه
[ ١١ ]
وقال: ألا تعجبون من هذا؟ ثم قال لي: لو كنت إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا! فلما كان من الغد حدث الناس في المسجد بالصفة، فجاء الناس عنقًا إلى البستان، فلما رأيت كثرة الناس اختبأت والناس داخلون وأنا هارب منهم. وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من عمل يده مثل الحصاد وحفظ البساتين والعمل في الطين. وكان يومًا يحفظ كرمًا فمر به جندي فقال: أعطنا من هذا العنب. فقال: ما أمرني صاحبه. فأخذ يضربه بالسوط فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسًا طالما عصى الله. فانحجز الرجل ومضى. وقال سهل بن إبراهيم: صحبت إبراهيم بن أدهم فمرضت فأنفق علي نفقته، فاشتهيت شهوة فباع حماره وأنفق علي، فلما تماثلت قلت: يا إبراهيم أين الحمار؟ فقال: بعته. قلت: فعلام أركب؟ قال: يا أخي على عنقي! قال: فحملني ثلاث منازل ﵀. وأنشدوا:
أيها المرء إن دنياك بحر طافح موجه فلا تأمننها
وسبيل النجاة فيها منير وهو أخذ الكفاف والقوت منها
وبلغني أن بالهند يومًا يخرج الناس فيه إلى البرية فلا يبقى في البلد بشر من طين: لا شيخ كبير ولا مولود صغير، وهذا اليوم يكون بعد انقراض مائة سنة من يوم مثله، فإذا اجتمع الخلائق في صعيد واحد نادى منادي الملك، لا تصعدون هذا الحجر الحجر هناك منصوب إلا من حضر في المجمع الأول الذي قد خلا من مائة سنة، فربما جاء الشيخ الهرم الذي قد ذهبت قوته وعمي بصره وفني شبابه، وتجيء العجوز تزحف لم يبق منها إلا رسمها وقد أخنى الدهر عليها، فيصعدان على الحجر الذي هناك، وربما لم يجئ أحد وقد يكون قد فنى القرن بأسره. ويقول الشيخ: قد حضرت المجمع الأول منذ مائة سنة وأنا طفل صغير، وكان الملك فلانًا، ويصف الجيوش الماضية والأمم الخالية وكيف طحنهم البلى، وصاروا تحت أطباق الثرى، ويقوم خطيبهم فيعظ الناس ويذكرهم صرعة الموت وحسرة الفوت، فيبكي الناس ويتوبون من المظالم، ويكثرون الصدقات ويخرجون عن التبعات ويصلحون على ذلك مدة.
وقال وهب بن منبه: صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام ليستفيد منه شيئًا، فوجده مشغولًا بذكر الله تعالى والفكر لا يفتر، فالتفت إليه في اليوم السابع فقال: يا هذا قد علمت ما تريد، حب الدنيا رأس كل خطيئة والزهد رأس كل خير والتوفيق تاج كل خير، فاحذر رأس كل خطيئة وارغب في رأس كل خير، وتضرع إلى ربك أن يهب لك تاج كل خير. قال: فكيف أعرف ذلك؟ قال: كان جدي رجلًا من الحكماء قد شبه الدنيا بسبعة أشياء: فشبهها بالماء الملح يغر ولا يروي ويضر ولا ينفع، وبالبرق الخلب يغر ولا ينفع، وبسحاب الصيف يمر ولا ينفع، وبظل الغمام يغر ولا يخذل، وبزهر الربيع ينضر ثم يصفر فتراه هشيمًا، وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يكن في يده إلا الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم الزعاف يغر ويقتل.
فتدبرت هذه الأحرف السبعة سبعين سنة، ثم زدت حرفًا واحدًا فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها، فرأيت جدي في المنام فقال لي: يا بني أشهد أنك مني وأنا منك، وهي والله كالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها! قلت: فبأي شيء يكون الزهد في الدنيا؟ قال: باليقين، واليقين بالبصر، والبصر بالعين، والعين بالفكر. ثم وقف الراهب فقال: خذها منا فلا أراك خلفي إلا متجردًا بفعل دون قول، فكان ذلك آخر العهد به. قلت: قد وصف الله الدنيا وأهلها بصفة أعم من هذه الصفة، فقال ﷾: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ
[ ١٢ ]
غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: ٢٠)
والكفار هاهنا: الزراع، فكما أن الزرع يكون في أول نباته خضرًا ناعمًا اهتزت به الأرض بعد يبسها، فجاءت في العيون كأملح ما يكون، ثم يهيج فتراه مصفرًا أي يكبر ويستوي فيجف ويحترق وينتكس أعلاه ويستغل سنبله، ثم يدرس فيكون حطامًا أي تبنًا فيكون متكسرًا متقطعًا. وهذا مثل ضربه الله تعالى لبني آدم إذ كانوا أطفالًا أول الولادة وفي حال الشبوبية كأحسن مرئي، يعجبون الآباء ويفتنون ذوي الأحلام والنهى، ثم يكبرون فيصيرون شيوخًا منكسة رؤوسهم مقوسة ظهورهم، قد ذهب حسنهم ونعومتهم وفني شبابهم وجمالهم، وذوت غضارتهم ونضارتهم، واستولى عليهم الهرم واليبس، ثم يموتون فيصيرون حطامًا في القبور كالتبن في الجرين. هذا بعدما وصفها بخمس صفات مذمومة: لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر.
وكان الصدر الأول يسمي الدنيا خنزيرًا، ولو وجدوا لها اسمًا أقبح منه لسموها به. وكانوا يسمونها أم دفر، والدفر: النتن. وقال مالك بن أنس ﵁: بلغني أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل ركب يومًا في زي عظيم، فتشرف له الناس ينظرون إليه أفواجًا، حتى مر برجل يعمل شيئًا مكبًا عليه لا يلتفت إليه ولا يرفع رأسه، فوقف الملك عليه وقال: كل الناس ينظرون إلي إلا أنت! فقال الرجل: إني رأيت ملكًا مثلك وكان على هذه القرية، فمات هو ومسكين فدفن إلى جانبه في يوم واحد، وكنا نعرفهما في الدنيا بأجسادهما ثم كنا نعرفهما بقبريهما، ثم نسفت الريح قبريهما وكشفت عنهما، فاختلطت عظامهما فلم أعرف الملك من المسكين، فلذلك أقبلت على عملي وتركت النظر إليك. وقد قيل في المعنى:
وحقك لو كشفت الترب عنهم لما عرف الغني من الفقير
ولا من كان يلبس ثوب شعر ولا البدن المنعم بالحرير
وروى أن داود ﵇، بينما هو يسيح في الجبال إذ أوفى على غار، فنظر إليه فإذا فيه رجل عظيم من بني آدم، وإذا عند رأسه حجر مكتوب بكتاب محفور فيه: أنا دوسوم الملك ملكت ألف عام، وفتحت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، وافترعت ألف بكر من بنات الملوك، ثم صرت إلى ما ترى فصار التراب فراشي والحجارة وسادي، فمن رآني فلا تغرنه الدنيا كما غرتني. وقال وهب بن منبه ﵁: خرج عيسى ﵇ يومًا مع جماعة من أصحابه، فلما ارتفع النهار، مروا بزرع قد أمكن من الفرك فقالوا: يا رسول الله إنا جياع. فأوحى الله تعالى إليه أن ائذن لهم في قوتهم، فأذن لهم فتفرقوا في الزرع يفركون ويأكلون، فبينما هم كذلك إذ جاء صاحب الزرع وهو يقول: زرعي وأرضي ورثته عن آبائي، بإذن من تأكلون يا هؤلاء؟ قال: فدعا عيسى ربه فبعث الله تعالى جميع من ملك تلك الأرض من لدن آدم إلى ساعته، فإذا عند كل سنبلة أو ما شاء الله رجل أو امرأة كل ينادي زرعي وأرضي ورثته عن آبائي! ففزع الرجل منهم، وكان قد بلغه أمر عيسى وهو لا يعرفه، فلما عرفه قال: معذرة إليك يا رسول الله! إني لم أعرفك، زرعي ومالي لك حلال! فبكى عيسى ﵇ وقال: ويحك هؤلاء كلهم قد ورثوا الأرض وعمروها، ثم ارتحلوا عنها وأنت مرتحل عنها وبهم لاحق، ليس لك أرض ولا مال! وقال أبو العتاهية:
وعظتك أجداث صمت ونعتك أزمنة خفت
وتكلمت عن أوجه تبلى وعن صور سكت
وأرتك قبرك في القبو ر وأنت حي لم تمت
يا شامتًا بمنيتي إن المنية لم تمت
ولربما انقلب الزما ن فحل بالقوم الشمت
[ ١٣ ]
وروى أن علي بن أبي طالب ﵁ لما رأى فاطمة ﵂ مسجاة بثوبها، بكى حتى رثي له، ثم قال:
لكل اجتماع من خليلين فرقة وإن الذي دون الفراق قليل
أرى علل الدنيا علي كثيرة وصاحبها حتى الممات عليل
وإن افتقادي واحدًا بعد واحد دليل على أن لا يدوم خليل
وقال ﵁:
ألا أيها الموت الذي ليس تاركي أرحني فقد أفنيت كل خليل!
أراك بصيرًا بالذين أحبهم كأنك تنحو نحوهم بدليل!
قيل: ولما نفض يديه من ترابها تمثل بقول بعض بني ضبة:
أقول وقد فاضت دموعي حسرة:
أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاي لو غير الحمام أصابكم عتبت ولكن ما على الموت معتب
وقال العتابي:
قلت للفرقدين والليل ملق سوداء كنافه على الآفاق:
أبقيا ما بقيتما فسيرمى بين شخصيكما بسهم الفراق
غر من الظن أن يفوت المنايا وعراها قلائد الأعناق
كم صفيين متعا باجتماع ثم صارا لغربة وافتراق
لا يدوم البقا للخلق طرًا دام طول البقاء للخلاق!
وأنشدني بعض الأدباء:
أسعداني يا نخلتي حلوان وارثيا لي من ريب هذا الزمان
واعلما إن بقيتما أن شخصًا سوف يأتيكما فتفترقان
فلعمري لو ذقتما ألم الفر قة أبكاكما الذي أبكاني
ولما سافر الرشيد إلى طوس وعك في طريقه من حر أصابه فقال له الطبيب: ما يبريك إلا جمار النخل. وكان نزوله قريبًا من هاتين النخلتين فأمر بقطع جمار إحدى النخلتين، فلما مثل بين يديه أنشده بعض الجلساء هذه الأبيات لبعض الشعراء في هاتين النخلتين، فقال الرشيد: لو سمعتها ما أمرت بقطعها. ولما مات الإسكندر قال أرسطوطاليس: أيها الملك لقد حركتنا بسكونك. وقال بعض الحكماء من أصحابه: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس؛ نظمه أبو العتاهية فقال:
كفى حزنًا بدفنك ثم إني نفضت تراب قبرك من يديا
وكانت في حياتك لي عظات فأنت اليوم أوعظ منك حيا
ووجد مكتوبًا على قبر: قهرنا من قهرنا فصرنا للناظرين عبرة. وقال عبد الله بن المعتز:
نسير إلى الآجال في كل ساعة وأيامنا تطوى وهن مراحل
ولم أر مثل الموت حقًا فإنه إذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا! فكيف به والشيب في الرأس شاعل؟
ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام تعد قلائل
[ ١٤ ]
ولما دخل أبو الدرداء الشام قال: يا أهل الشام اسمعوا قول أخ لكم ناصح. فاجتمعوا عليه، فقال: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتقولون ما لا تدركون؟ إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيدًا وأملوا بعيدًا، وجمعوا كثيرًا فأصبح أملهم غرورًا وجمعهم بورًا ومساكنهم قبورًا. وروى الجاحظ قال: وجد مكتوبًا على حجر: ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولرغبت في الزيادة من عملك ولقصرت عن حرصك وحيلك، وإنما يلقاك غدًا ندمك، وقد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرأ منك القريب وانصرف عنك الحبيب، فلا أنت في عملك زائد ولا إلى أهلك عائد.
وقال مالك بن أنس ﵁: بلغني أن امرأتين أتتا عيسى بن مريم ﵇ فقالتا: يا روح الله ادع الله أن يخرج أبانا فإنه هلك ونحن غائبتان عنه. قال: هل تعرفان قبره؟ فقالتا: نعم. فذهب معهما فأتتا قبرًا فقالتا: هذا هو. فدعا الله فأخرج لهما الذي به فإذا هو ليس به، فدعا فرد، ثم دلتاه على قبر آخر فدعا أن يخرج فخرج فإذا هو به، فلزمتاه وسلمتا عليه ثم قالتا: يا نبي الله يا معلم الخير ادع الله أن يبقيه لنا. فقال: وكيف أدعو له ولم يبق له رزق يعيش به؟ ثم رده وانصرف. وأنشد بعض الأدباء:
واأسفي من فراق قومٍ هم المصابيح والحصون!
والمزن والمدن والرواسي والخير والأمن والسكون!
لم تتغير بنا الليالي حتى توفتهم المنون!
فكل جمرٍ لنا قلوب وكل ماءٍ لنا عيون
وروي أن النعمان بن المنذر خرج متصيدًا ومعه عدي بن زيد، فمرا بشجرة، فقال عدي بن زيد: أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا. قال: فإنها تقول:
من رآنا فليحدث نفسه أنه موفٍ على قرب زوال
فصروف الدهر لا تبقى لها ولما تأتي به صم الجبال
رب ركب قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال
والأباريق عليها فدم وجياد الخيل تجري بالجلال
عمروا الدهر بعيشٍ حسن آمني دهرهم غير عجال
عصف الدهر بهم فانقرضوا وكذاك الدهر حالًا بعد حال!
قال: ثم جاوزوا الشجرة فمروا بمقبرة فقال له عدي: أتدري ما تقول هذه المقبرة؟ قال: لا. قال: فإنها تقول:
أيها الركب المخبونا على الأرض المجدونا
كما أنتم كذا كنا كما نحن تكونونا
فقال النعمان: قد علمت أن الشجرة والمقبرة لا يتكلمان، وقد علمت أنك إنما أردت عظتي فجزاك الله عني خيرًا! فما السبيل الذي تدرك به النجاة؟ قال: تدع عبادة الأوثان وتعبد الله وحده. قال: وفي هذا النجاة؟ قال: نعم. قال: فترك عبادة الأوثان وتبصر حينئذ وأخذ في العبادة والاجتهاد.
وقال عبد الله المعلم: خرجنا من المدينة حجاجًا، فلما كنا بالروثية نزلنا فوقف بنا رجل عليه ثياب رثة له منظر وهيئة، فقال: من يبغ حارسًا من يبغ ساقيًا؟ فقلت: دونك وهذه القربة. فأخذها وانطلق، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى أقبل وقد امتلأت أثوابه طينًا، فوضعها كالمسرور الضاحك ثم قال: ألكم غير هذا؟ قلنا: لا. فأطعمناه قرصًا باردًا فأخذه وحمد الله تعالى وشكره، ثم اعتزل وقعد فأكله أكل جائع، فأدركتني عليه الرأفة فقمت إليه بطعام كثير طيب فقلت: قد علمت أنه لم يقع منك هذا القرص بموقع،
[ ١٥ ]
فدونك وهذا الطعام. فنظر في وجهي وتبسم وقال: يا عبد الله إنما هي ثورة جوع فما أبالي بأي شيء رددتها.
فرجعت عنه فقال لي رجل إلى جنبي: أتعرفه؟ قلت: لا. قال:
إنه من بني هاشم من ولد العباس بن عبد المطلب، كان يسكن البصرة فتاب، فخرج منها فتفقد فما عرف له أثر ولا وقف له على خبر. فأعجبني قوله ثم تجمعت معه وآنسته وقلت له: هل لك أن تعادلني فإن معي فضلًا من راحلتي؟ فجزاني خيرًا وقال: لو أردت هذا المكان لي معدًا. ثم أنس إلي فجعل يحدثني فقال: أنا رجل من ولد العباس بن عبد المطلب كنت أسكن البصرة، وكنت ذا كبر شديد وبذخ، وإني أمرت خادمة لي أن تحشو لي فراشًا ومخدة من حرير بورد نثير، ففعلت. وإني لنائم وإذا بقمع وردة قد أغفلته الخادمة، فقمت إليها وأوجعتها ضربًا ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدة، فأتاني آت في المنام في صورة فظيعة فهزني وقال: أفق من غشيتك أبصر من حيرتك، ثم أنشأ يقول هذه الأبيات:
يا خد إنك إن توسد لينًا
وسدت بعد الموت صم الجندل
فاعمل لنفسك صالحًا تسعد به
فلتندمن غدًا إذا لم تفعل!
فانتبهت فزعًا وخرجت من ساعتي هاربًا إلى ربي.
وقال عبد الواحد بن زيد: ذكر لي أن في خرائب الأيلة جارية مجنونة تنطق بالحكمة، فلم أزل أطلبها حتى وجدتها في خربة جالسة على حجر وعليها جبة صوف وهي محلوقة الرأس، فلما نظرت إلي قالت من غير أن أكلمها: مرحبًا بك يا عبد الواحد! فقلت لها: رحب الله بك! وعجبت من معرفتها بي ولم ترني قبل ذلك فقالت: ما الذي جاء بك ههنا؟ قلت: جئت لتعظيني. فقالت: واعجبًا لواعظ يوعظ! ثم قالت: يا عبد الواحد، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية ثم مال إلى الدنيا، سلبه الله حلاوة الطاعة فيظل حيران والهًا، فإن كان له نصيب عند الله عاتبه وحيًا في سره، فقال: عبدي أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي، وأجعلك دليلًا لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني، فأورثتك بذلك الوحشة بعد الأنس والذل بعد العز والفقر بعد الغنى، عبدي ارجع إلى ما كنت عليه أرجع لك ما كنت تعرفه من نفسك. قال: ثم تركتني وولت عني وانصرفت عنها وفي قلبي حسرة منها. وأنشدوا:
إنك في دار لها مدة
يقبل فيها عمل العامل
أما ترى الموت محيطًا بها
يقطع فيها أمل الآمل؟
تعجل الذنب بما تشتهي
وتأمل التوبة من قابل
والموت يأتي بعد ذا غفلةٍ
ماذا يفعل الحازم العاقل؟
ولما نزل سعد بن أبي وقاص الحيرة قيل له: ههنا عجوز من بنات الملوك يقال لها الحرقة بنت النعمان بن المنذر، وكانت من أجل عقائل العرب، وكانت إذا خرجت إلى بيعتها نشرت عليها ألف قطيفة خز وديباج، ومعها ألف وصيف ووصيفة، فأرسل إليها سعد فجاءت كالشن البالي فقالت: يا سعد كنا ملوك هذا المصر قبلك، يجبى إلينا خراجه ويطيعنا أهله مدة من المدد، حتى صاح بنا صائح الدهر فشتت ملأنا، والدهر ذو نوائب وصروف، فلو رأيتنا في أيامنا لأرعدت فرائصك فرقًا منا! فقال لها سعد: ما أنعم ما تنعمتم به؟ قالت: سعة الدنيا علينا وكثرة الأصوات إذا دعونا، ثم أنشأت تقول:
[ ١٦ ]
وبينا نسوس الناس والأمر أمرنا
إذا نحن فيهم سوقة ليس ننصف
فتبًا لدنيا لا يدوم نعيمها
تقلب تارات بنا وتصرف!
ثم قالت: يا سعد إنه لم يكن أهل بيت بخير إلا والدهر يعقبهم حسرة حتى يأتي أمر الله على الفريقين! فأكرمها سعد وأمر بردها، فلما أرادت القيام قالت: يا سعد لا أزال الله عنك نعمة ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا أزال عن كريم نعمة ولا نزع عن عبد صالح كرامة إلا جعلك سبيلًا إلى ردها عليه! ولبعضهم:
من كان يعلم أن الموت مدركه
والقبر مسكنه والبعث مخرجه
وأنه بين جنات ستبهجه
يوم القيامة أو نار ستنضجه
فكل شيء سوى التقوى به سمج
وما أقام عليه منه أسمجه
ترى الذي اتخذ الدنيا له سكنًا
لم يدر أن المنايا سوف تزعجه
وروي أن عيسى ﵇ كان مع صاحب له يسيحان، فأصابهما الجوع وقد انتهيا إلى قرية، فقال عيسى لصاحبه:
انطلق فاطلب لنا طعامًا من هذه القرية. وقام عيسى ﵇ يصلي، فجاء الرجل بثلاثة أرغفة فأبطأ عليه انصراف عيسى فأكل رغيفًا، فانصرف عيسى فقال: أين الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا رغيفين! قال: فمرا على وجوههما حتى مرا بظباء فدعا عيسى ﵇ ظبيًا منها فذكاه فأكلا منه، ثم قال عيسى ﵇ للظبي: قم بإذن الله، فإذا هو يشتد. فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى ﵇: بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا رغيفين! قال: فمضيا على وجوههما فمرا بنهر عظيم عجاج، فأخذ عيسى ﵇ بيده فمشيا على الماء حتى جاوزا الماء فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى ﵇: بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف الثالث؟ فقال: ما كانا إلا رغيفين.
فخرجا حتى أتيا قرية عظيمة خربة، وإذا قريب منها ثلاث لبنات من ذهب، فقال الرجل: هذا مال! فقال عيسى ﵇: أجل هذا مال، واحدة لي وواحدة لك وواحدة لصاحب الرغيف. فقال الرجل: أنا صاحب الرغيف! فقال عيسى: هي لك كلها! ففارقه فأقام عندها ليس معه ما يحملها عليه، فمر به ثلاثة نفر فقتلوه وأخذوا الثلاث لبنات، فقال اثنان منهم لواحد: انطلق إلى القرية فأتنا منها بطعام. فذهب فقال أحد الباقيين للآخر: تعال نقتل هذا إذا جاء ونقتسم هذا بيننا! فقال الآخر: نعم. وقال الذي ذهب: أجعل في الطعام سمًا فأقتلهما وآخذ اللبن! ففعل، فلما جاء قتلاه وأكلا من الطعام الذي جاء به، فماتا. فمر بهم عيسى وهم حولها مطروحون، فقال: هكذا تفعل الدنيا بأهلها! وقال عبد الملك بن عمير: رأيت في هذا القصر عجبًا رأيت رأس الحسين على ثوبين مصبوغين بين يدي ابن زياد، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بن الزبير بين يدي عبد الملك بن مروان! وقال الأصمعي: لما زخرف الرشيد مجالسه وتحزم فيها وزوقها وصنع فيها صنائع كثيرة، أرسل إلى أبي العتاهية وقال: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا، فقال:
عش ما بدا لك آمنًا
في ظل شاهقة القصور
يسعى إليك بما اشتهي
ت لدى الرواح وفي البكور
وإذا النفوس تقعقعت
في ضيق حشرجة الصدور
[ ١٧ ]
فهناك تعلم موقنًا
ما كنت إلا في غرور!
فبكى هارون، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته! فقال هارون: دعه فإنه رآنا في ضلالة وعمى فكره أن يزيدنا عمى! وروي أن سليمان بن عبد الملك لبس أفخر ثيابه، ومس أطيب طيبه ونظر في مرآة فأعجبته نفسه وقال: أنا الملك الشاب! وخرج إلى الجمعة وقال لجاريته: كيف ترين؟ فقالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى
غير أن لا بقاء للإنسان!
ليس فيما بدا لنا منك عيب
عابه الناس غير أنك فان!
فأعرض بوجهه ثم خرج وصعد المنبر وصوته يسمع آخر المسجد، ثم ركبته الحمى فلم يزل صوته ينقص حتى ما يسمعه من حوله، فصلى ورجع بين اثنين يسحب رجليه، فلما صار على فراشه قال للجارية: ما الذي قلت لي في صحن الدار وأنا خارج؟ قالت: ما رأيتك ولا قلت لك شيئًا وأنى لي بالخروج إلى صحن الدار؟ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون نعيت إلى نفسي. ثم عهد عهده وأوصى وصيته، فلم تدر عليه الجمعة الأخرى إلا وهو في قبره رحمه الله تعالى. ووجد مكتوبًا على قصر سيف بن ذي يزن:
من كان لا يطأ التراب برجله
وطئ التراب بصفحة الخد
من كان بينك في التراب وبينه
شبران كان كفاية البعد
لو بعثرت للناس أطباق الثرى
لم يعرف المولى من العبد!
وقال الهيثم بن عدي:
وجدوا غارًا في جبل لبنان في زمن الوليد بن عبد الملك، وفيه رجل مسجى على سرير من ذهب وعند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه بالرومية: أنا سبا بن أنوس بن سبأ، خدمت عيصو بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرب الديان الأكبر، وعشت بعده عمرًا طويلًا ورأيت عجبًا كثيرًا، ولم أر فيما رأيت أعجب من غافل عن الموت وهو يرى مصارع آبائه، ويقف على قبور أحبابه ويعلم أنه صائر إليهم ثم لا يتوب، وقد علمت أن الأجلاف الحفاة سينزلونني عن سريري ويتولونه، وذلك حين يتغير الزمان ويتأمر الصبيان ويكثر الحدثان، فمن أدرك هذا الزمان عاش قليلًا ومات ذليلًا! وروي أن الإسكندر مر بمدينة قد ملكها سبعة ملوك وبادوا، فقال: هل بقي من نسل الملوك الذين ملكوا هذه المدينة أحد؟ قالوا: رجل يكون في المقابر. فدعا به وقال: ما دعاك إلى لزوم المقابر؟ قال: أردت أن أعزل عظام الملوك عن عظام عبيدهم فوجدت ذلك سواء! قال: فهل لك أن تتبعني فأحيي بك شرف آبائك إن كانت لك همة. قال: إن همتي لعظيمة إن كانت بغيتي عندك. قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها وشباب لا هرم معه، وغنى لا يتبعه فقر وسرور لا يغيره مكروه. قال: ما أقدر على هذا. قال: فانفذ لشأنك وخلني أطلب بغيتي ممن هي عنده. قال الإسكندر: وهذا أحكم من رأيت.
وروي في الإسرائيليات أن عيسى بن مريم ﵇، بينا هو في بعض سياحته إذ مر بجمجمة نخرة، فأمرها أن تتكلم فقالت: يا روح الله أنا بلوام بن حفص ملك اليمن عشت ألف سنة، وولد لي ألف ذكر وافتضضت ألف بكر، وهزمت ألف عسكر وقتلت ألف جبار، وافتتحت ألف مدينة، فمن رآني فلا يغتر بالدنيا فما كانت إلا كحلم نائم! فبكى عيسى ﵇. ووجد مكتوبًا على قصر بعض الملوك، وقد باد أهله وأقفرت ساحته،
[ ١٨ ]
هذه الأبيات:
هذي منازل أقوام عهدتهم
يوفون بالعهد مذ كانوا بالذمم
تبكي عليهم ديار كان يطربها
ترنم المجد بين الحلم والكرم
وقال عبد الله بن أبي سرح: نزل حي من أحياء العرب شعبًا من شعاب اليمن، فتشاحوا فيه واختلفوا واستعدوا للقتال، فإذا صائح يصيح: يا هؤلاء على رسلكم علام القتال في؟ فوالله لقد ملكني سبعون أعور كلهم اسمه عمرو!
فصل:
يا أيها الرجل، اعتبر بمن مضى من الملوك والأقيال وخلا من الأمم والأجيال، وكيف بسطت لهم الدنيا وأنسئت لهم الآجال وأفسح لهم في المنى والآمال، وأمدوا بالآلات والعدد والأموال، كيف طحنهم بكلكله المنون واختدعهم بزخرفه الدهر الخؤون، وأسكنوا بعد سعة القصور بين الجنادل والصخور، وعاد العين أثرًا والملك خبرًا؟ فأما اليوم فقد ذهب صفو الزمان وبقي كدره، فالموت تحفة لكل مسلم، كأن الخير أصبح خاملًا والشر أصبح ناضرًا، وكأن الغي أصبح ضاحكًا وأدبر الرشد باكيًا، وكأن العدل أصبح غائرًا وأصبح الجور عاليًا، وكأن العلم أصبح مدفونًا والجهل منشورًا، وكأن اللؤم أصبح باسقًا والكرم ذاويًا، وكأن الود أصبح مقطوعًا والبغض موصولًا، وكأن الكرامة قد سلبت من الصالحين ونوجي بها الأشرار، وكأن الخبث أصبح مستيقظًا والوفاء نائمًا، وكأن الكذب أصبح مثمرًا والصدق قاحلًا، وكأن الأشرار أصبحوا يسامون السماء وأصبح الأخيار يردون بطن الأرض! أما ترى الدنيا تقبل إقبال الطالب وتدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول وتفارق فراق العجول، فخيرها يسير وعيشها قصير، وإقبالها خديعة وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية وتبعاتها باقية، فاغتنم غفوة الزمان وانتهز فرصة الإمكان، وخذ من نفسك لنفسك وتزود من يومك لغدك، ولا تنافس أهل الدنيا في خفض عيشهم ولين رياشهم، ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم! قال الشاعر:
رب مغروس يعاش به
عدمته عين مغترسه
وكذاك الدهر مأتمه
أقرب الأشياء من عرسه
وقال التهامي:
تنافس في الدنيا غرورًا وإنما
قصارى غناها أن يؤول إلى الفقر
وإنا لفي الدنيا كركب سفينةٍ
نظن وقوفًا والزمان بنا يجري
ولبعض الشعراء:
تروح لك الدنيا بغير الذي غدت
ويحدث من بعد الأمور أمور
وتجري الليالي باجتماع وفرقةٍ
وتطلع فيها أنجم وثغور
فمن ظن أن الدهر باق سروره
فذاك محال لا يدوم سرور!
عفا الله عمن صير الهم واحدًا
وأيقن أن الدائرات تدور
وقال وهب بن منبه: قرأت في بعض كتب الأنبياء ﵈ أن المسيح ﵇ اجتاز بجمجمة هائلة عظيمة نخرة، فقال له أصحابه: يا روح الله لو سألت الله تعالى أن ينطق هذه الجمجمة، فعسى أن تخبرنا بما رأته من العجائب، ففعل فأنطقها الله تعالى، فقالت: يا روح الله إني عشت ألف سنة
[ ١٩ ]
واستولدت ألف ذكر، وافتتحت ألف مدينة وهزمت ألف جيش، وقتلت ألف جبار وصبحت الدهر واختبرته، وامتحنت تقلبه وانقلابه فلم أر شيئًا أشد من طالح يلي أمر صالح، ولم أجد لهذا الدهر شيئًا أنفع من الصبر ومسالمة أهله إلا في الحرص والطمع، ووجدت العز في الرضا بالقسم، وقال محمد بن أبي العتاهية آخر شعر قاله في مرض موته:
إلهي لا تعذبني فإني
مقر بالذي قد كان مني
فما لي حيلة إلا رجائي
وعفوك إن عفوت وحسن ظني
وكم من زلة لي في الخطايا
وأنت علي ذو فضل ومن
إذا فكرت في قدمي عليها
عضضت أناملي وقرعت سني
أجن لزهرة الدنيا جنونًا
وأقطع طول دهري بالتمني
وبين يدي ميقات عظيم
كأني قد دعيت له كأني
ولو أني صدقت الزهد فيها
قلبت لأهلها ظهر المجن
وقال ابن عباس ﵄، لما وفد وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ، قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة! قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله. قال: لست أنساه بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يعظ الناس ويقول: أيها الناس اجتمعوا، فإذا اجتمعتم فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فقولوا، وإذا قلتم فاصدقوا. من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا. مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحر لا يغور. أقسم قس قسمًا بالله قسم حق لا كذب فيه ولا إثم، لئن كان في الأرض رضى ليكونن سخطًا. إن لله دينًا هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه، ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا على حالهم فناموا! أيكم يروي شعره! فأنشدوه:
في الذاهبين الأولين
من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردًا
للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها
تمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي
ولا من الباقين غابر
سكنوا البيوت فوطنوا
إن البيوت هي المقابر
أيقنت أني لا محال
ة حيث صار القوم صائر
ثم قال رجل: لقد رأيت من أمره عجبًا، اقتحمت واديًا فإذا أنا بعين خرارة وروضة مدهامة وشجرة عادية، وإذا قس بن ساعدة قاعد في أصل الشجرة وبيده قضيب، وقد ورد على العين سباع كثيرة. فكلما ورد سبع على صاحبه ضربه بالعصا وقال: تنح حتى يشرب الذي ورد قبلك. فلما رأيت ذلك ذعرت ذعرًا شديدًا، فالتفت إلي وقال: لا تخف. فالتفت فإذا أنا بقبرين بينهما مسجد فقلت: ما هذان القبران؟ فقال: هما قبرا أخوي كانا يعبدان الله تعالى معي في هذا الموضع، وأنا أعبد الله بينهما حتى ألحق بهما، فقلت له: أفلا تلحق بقومك فتكون في جيرتهم؟ فقال: ثكلتك أمك! أوما علمت أن ولد إسماعيل تركت دين أبيها واتبعت الأضداد وعظمت الأنداد؟ ثم تركني
[ ٢٠ ]
وأقبل على القبرين، وقال:
خليلي هبا طالما قد رقدتما
أجدكما ما تقضيان كراكما
أرى النوم بين العظم والجلد منكما
كأن الذي يسقي العقار سقاكما
ألم تعلما أني بسمعان مفرد
وما لي فيه من خليل سواكما
مقيم على قبريكما لست بارحًا
طوال الليالي أو يجيب صداكما
لأبكيكما طول الحياة وما الذي
يرد على ذي غصة إن بكاكما
كأنكما والموت أقرب غائب
بروحي في قبريكما قد أتاكما
فلو جعلت نفس لنفس وقايةً
لجدت بنفسي أن تكون فداكما
سلام وتسليم وروح ورحمة
ومغفرة المولى على ساكنيكما
وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: إن قس بن ساعدة يبعث أمة وحده. يعني أن كل أمة آمنت برسولها تبعث أمة وحدها لا يخالطها غيرها، ويبعث قس أيضًا وحده أمة لا يخالطه أحد.
وروي أن المهدي نام يومًا فأنشد في منامه هذه الأبيات:
كأني بهذا القصر قد باد أهله
وأوحش منه ركنه ومنازله
فلم يبق إلا ذكره وحديثه
تنادي بليل معولات ثواكله
فما أتت عليه عاشرة عشرة حتى مات.
وأنشدنا القاضي أبو العباس الجرجاني ﵀ بالبصرة هذه الأبيات:
بالله ربك كم قصر مررت به
قد كان يعمر باللذات والطرب
طارت عقاب المنايا في جوانبه
فصاح من بعده بالويل والحرب
اعمل وكن طالبًا للرزق في دعة
فلا وربك ما الأرزاق بالطلب
وأنشدني أيضًا:
أيها الرافع البناء رويدًا
لن تذود المنون عنك المباني!
إن هذا البناء يبقى وتفنى
كل شيء أبقى من الإنسان!
وقال الحكيم بن عمرو: قال أبو جعفر المنصور عند موته: اللهم إن كنت تعلم أني ارتكبت الأمور العظام جراءة مني عليك، فإنك تعلم أني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك: " شهادة أن لا إله إلا الله"، منا منك لا منا عليك. وكان سبب إحرامه من الخضراء أنه كان ذات يوم نائمًا فأتاه آتٍ في منامه فقال:
كأني بهذا القصر قد باد أهله
وأوحش منه أهله ومنازله
وصار عميد القصر من بعد بهجةٍ
إلى تربة تسقي عليه جنادله
فاستيقظ مرعوبًا من نومه، ثم نام، فأنشد أيضًا هذه الأبيات:
أبا جعفرٍ حانت وفاتك وانقضت
سنوك وأمر الله لا بد واقع
فهل كاهنٌ أعددته أو منجم
أبا جعفرٍ عنك المنية دافعٌ
فقال: يا ربيع ائتني بطهوري. فقام واغتسل ولبى وتجهز للحج ثم قال: يا ربيع ألقني في حرم الله تعالى.
وأنشدني القاضي أبو العباس الجرجاني بالبصرة:
إن كنت تسموا إلى الدنيا وزينتها
فانظر إلى ملك الأملاك قارون
[ ٢١ ]
زم الأمور فأعطته مقاودها
وسخر الناس بالتشديد واللين
حتى إذا ظن أن لا شيء غالبه
ومكنت قدماه أي تمكين
راحت عليه المنايا روحة تركت
ذا الملك والعز تحت الماء والطين
وأنشدني أبو محمد التميمي ببغداد:
لمن أبني لمن أسم المطايا
لمن استأنف الشيء الجديد؟
إذا ما صار إخواني رفاتًا
وصرت لفقدهم فردًا وحيدًا
أعانق معشرًا لهم شكول
وأشكالي قد اعتنقوا اللحود!
وممن زهد في الدنيا وأبصر عيوبها من أبناء الملوك أبو عقال علوان بن الحسن، من بني الأغلب وهم ملوك المغرب، وكان ذا نعمة وملك وله فتوة ظاهرة، فتاب إلى ربه ورجع عن ذلك رجوعًا فاق نظراءه، فرفض المال والأهل وهجر النساء والوطن، وبلغ من العبادة مبلغًا أربى فيه على المجتهدين، وعرف بإجابة الدعوة، وكان عالمًا أديبًا قد صحب عدة من أصحاب سحنون وسمع منهم، ثم انقطع إلى بعض السواحل فصحب رجلًا يكنى أبا هارون الأندلسي منقطعًا متبتلًا إلى الله. فلم ير منه كبير اجتهاد في العمل.
فبينا أبو عقال يتهجد في بعض الليالي وأبو هارون نائم إذ غالبه النوم فقال لنفسه: يا نفس هذا عابد جليل القدر ينام الليل كله وأنا أسهر الليل كله، فلو أرحت نفسي! فوضع جنبه فرأى في منامه شخصًا فتلا عليه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً﴾ (الجاثية: ٢١) إلى آخر الآية. فاستيقظ فزعًا وعلم أنه المراد فأيقظ أبا هارون وقال له: سألتك بالله هل أتيت كبيرة قط؟ قال: لا يا ابن أخي ولا صغيرة عن تعمد والحمد لله. فقال أبو عقال: لهذا تنام ولا يصلح لمثلي إلا الكد والاجتهاد. ثم رحل إلى مكة ولزم بيت الله الحرام وحج مرارًا وأربى على عباد المشرق.
وكان يعمل بالقربة على ظهره لقوته ومات بمكة وهو ساجد في صلاة الفريضة بالمسجد الحرام سنة ست وتسعين ومائتين. وقال له رجل كان يصحبه يومًا: لي إليك حاجة. فقال بعد الجهد به: حاجتك مقضية. قال: إن كانت لك شهوة أخبرني بها. قال: نعم أشتهي أن آكل رأسًا. فاشتريت له رأسين ولففتهما في رقاق وجئته بهما، ثم سألته بعد ذلك بأيام: هل طاب لك الرأسان؟ قال: لا، ما هو إلا أن فتحتهما فإذا هما محشوان دودًا ليس فيهما لحم البتة إلا الدود! فأتيت الرواس فأخبرته فأطرق متعجبًا ثم قال: ما كنت أظن أن في زماننا أحدًا يحتمي من الحرام هذه الحماية، تلك الرؤوس كانت من غنم انتهبها بعض العمال. ثم أعطاني رأسين من غير تلك الغنم فأتيت بهما أبا عقال فأكلهما، وأخبرته بما قاله الرواس فبكى ثم قال: يا رب ما كان يستحق عبدك أبو عقال مثل هذه الحماية، ولكنه يا رب فضلك وكرمك فلك علي يا رب أن لا آكل طعامًا بشهوة أشتهيها حتى ألقاك إن شاء الله! وكانت له أخت متعبدة، فلما مات لحقت قبره بمكة وكتبت عليه هذه الأبيات:
ليت شعري ما الذي عاينته
بعد دوم الصوم مع نفي الوسن؟
مع عزوب النفس عن أوطارها
والتخلي عن حبيب وسكن
يا شقيقًا ليس في وجدي به
علة تمنعني من أن أجن
وكما تبلى وجوه في الثرى
فكذا يبلى عليهن الحزن
[ ٢٢ ]
وروي أن رجلين تنازعا في أرض فأنطق الله لبنة من جدار تلك الأرض فقالت: إني كنت ملكًا من ملوك ملكت الدنيا ألف سنة ثم مت وصرت رميمًا ألف سنة، فأخذني خزاف واتخذني خزفًا، ثم أخذني وضربني لبنًا وأنا في هذا الجدار منذ كذا وكذا سنة، فلم تتنازعا في هذه الأرض؟ ولبعضهم:
ألا حي من أجل الحبيب المغانيا
لبسن البلى مما لبسن اللياليا
إذا ما تقاضى المرء يومًا وليلة
تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا
حنتك الليالي بعدما كنت مدة
سوي العصا لو كن يبقين باقيا
ومن أعجب ما روي في الإسرائيليات أن ابنة من بنات الملوك تزهدت في الدنيا، وتابت وخرجت من ملكها فتفقدت فلم يسمع لها خبر ولا علم لها أثر، وكان هناك دير للمتعبدين فلحق بهم شاب يتعبد، فأبصروا منه الاجتهاد والجد في العمل وملازمة الأوراد ومواصلة الأعمال، مما فاق به جميع من في الدير، وأقام على ذلك ما شاء الله إلى أن انقضت أيامه ووافاه حمامه، وقضى الفتى نحبه فحزن عليه أهل الدير من الزهاد والعباد والمنقطعين وأذروا عليه الدموع، ثم أخذوا في غسله فإذا هو امرأة ففحصوا عن أمره فإذا هي بنت الملك، فزادهم ذلك إعجابًا به وتعظيمًا، وتشاوروا في أمره ماذا يحدثون له من الكرامة، ثم أجمع رأيهم على أن لا يدفنوه تحت الثرى، وأن يحملوه فوق أكفهم فغسلوه وكفنوه وجهزوه وصلوا عليه، ثم أقبلوا يحملونه على الأكف والسواعد كلما ضجر واحد جاء واحد يحمل مع من يحمل، وكل من انقطع في الدير لعبادة ربه جعل يحمل معهم إلى أن بلي وتقطعت أوصاله مع طول الزمان، فدفن حينئذ ﵀.
وكان في بلاد الروم مما يلي أرض الأندلس رجل نصراني قد بلغ من التخلي عن الدنيا مبلغًا عظيمًا، واعتزل الخلق ولزم قلل الجبال والسياحة في الأرض إلى الغاية القصوى، فورد على المستعين بن هود في بعض الأمر فأكرمه ابن هود ثم أخذ بيده وجعل يعرض عليه ذخائر ملكه وخزائن أمواله، وما حوته من البيضاء والصفراء وأحجار الياقوت والجواهر وأمثالها، ونفائس الأعلاق والجواري والحشم والأجناد والكراع والسلاح، فأقام على ذلك أيامًا، فلما انقضى قال له: كيف رأيت ملكي؟ قال: رأيت ملكك ولكنه تعوزك فيه خصلة إن أنت قدرت عليها تم انتظام ملكك، وإن لم تقدر عليها فهذا الملك شبه لا شيء. قال: وما هي الخصلة؟ قال: تعمد فتصنع غطاءًا عظيمًا حصينًا قويًا، وتكون مساحته قدر البلد ثم تركبه على البلد حتى لا يجد ملك الموت مدخلًا إليك. فقال المستعين: سبحان الله، أويقدر البشر على مثل هذا؟ فقال العلج: يا هذا أفتفتخر بأمر تتركه غدًا؟ ومثال من يفتخر بما يفنى كمن يفتخر بما يراه في النوم.
وروي أن ملكًا من الملوك بنى قصرًا وقال: انظروا من عاب منه شيئًا فأصلحوه وأعطوه درهمين، فأتاه رجل فقال:
إن في هذا القصر عيبين. قال: وما هما؟ قال: يموت الملك ويخرب القصر! قال: صدقت! ثم أقبل على نفسه وترك الدنيا.
ومن عجائب أخبار الخضر ﵇، قال: سئل الخضر ﵇ عن أعجب شيء رأيته في الدنيا في طول سياحتك وكثرة خلواتك وقطعك القفار والفلوات؟ فقال: أعجب ما رأيت أني مررت على مدينة لم أر على وجه الأرض أحسن منها، فسألت بعضهم: متى بنيت هذه المدينة؟ فقال: سبحان الله ما يذكر آباؤنا وأجدادنا متى بنيت وما زالت كذلك من عهد الطوفان. ثم غبت عنها نحوًا من خمسمائة عام وعبرت عليها بعد ذلك فإذا هي خاوية على عروشها، لم أر أحدًا أسأله عنها، وإذا رعاة غنم فدنوت منهم فقلت: أين المدينة التي كانت ههنا؟ فقالوا: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أن ههنا قط كانت مدينة.
فغبت عنها نحوًا من خمسمائة عام ثم انتهيت إليها، فإذا موضع تلك المدينة بحر وإذا غواصون
[ ٢٣ ]
يخرجون منه شبه الحلية، فقلت لبعض الغواصين: منذ كم كان هذا البحر ههنا؟ فقالوا: سبحان الله ما يذكر آباؤنا وأجدادنا إلا أن هذا البحر منذ بعث الله الطوفان.
ثم غبت عنها نحوًا من خمسمائة عام ثم انتهيت إليها، فإذا ذلك البحر قد غاض ماؤه وإذا مكانه غيضة ملتفة بالقصب والبردى والسباع حولها، وإذا صيادون يصيدون السمك في زوارق صغار فقلت لبعضهم: أين البحر الذي كان ههنا؟ فقال: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ههنا قط بحر.
فغبت عنها نحوًا من خمسمائة عام ثم أتيت إلى ذلك الموضع، فإذا هو مدينة على حالته الأولى، والحصون والقصور والأسواق قائمة. فقلت لبعضهم: أين الغيضة التي كانت ههنا ومتى بنيت هذه المدينة؟ فقال: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذه المدينة على حالها منذ بعث الله الطوفان. فغبت عنها نحوًا من خمسمائة عام ثم انتهيت إليها، فإذا عاليها سافلها، وهي تدخن بدخان شديد، فلم أر أحدًا أسأله، ثم رأيت راعيًا فسألته: أين المدينة التي كانت ههنا ومتى حدث هذا الدخان؟ فقال: سبحان الله ما يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا الموضع كان هكذا منذ كان! فهذا أعجب شيء رأيته في سياحتي في الدنيا، فسبحان مبيد العباد ومفني البلاد، ووارث الأرض ومن عليها إلى يوم التناد! شعر:
قف بالديار فهذه آثارهم
تبكي الأحبة حسرة وتشوقا
كم قد وقفت بها أسائل مخبرًا
عن أهلها أو ناطقًا أو مشفقا
فأجابني داعي الهوى في رسمها:
فارقت من تهوى فعز الملتقى!
وسمعت بالعراق منشدًا ينشد هذه الأبيات:
أيها الربع الذي قد دثرا
كان عينًا ثم أضحى أثرا
أين سكانك ماذا فعلوا
خبرن عنهم سقيت المطرا!
ولقد نادى مناديهم بنا:
رحلوا واستودعوني عبرا
ومما استحسن في هذا الباب قول القائل:
رب ورقاء هتوف في الضحى
ذات شجو صدحت في فنن
ذكرت إلفًا ودهرًا صالحًا
فبكت حزنًا فهاجت حزني
فبكائي ربما أرقها
وبكاها ربما أرقني
فإذا تسعدني أسعدها
وإذا أسعدها تسعدني
ولقد تشكو فما أفهمها
ولقد أشكو فما تفهمني
غير أني بالجوى أعرفها
وهي أيضًا بالجوى تعرفني
ونظر رجل من العباد إلى باب ملك الملوك وقد شيده وأتقنه وزوقه، فقال: باب جديد وموت عتيد ونزع شديد وسفر بعيد! ولما ثقل عبد الملك بن مروان رأى غسالًا يلوي بيده ثوبًا فقال: وددت أني كنت غسالًا لا أعيش إلا بما أكتسبه يومًا فيومًا! فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يتمنون ما نحن فيه ولا نتمنى عنده ما هم فيه. وقال الرسول ﵊: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع وقلب لا يخشع وعين لا تدمع، هل يتوقع أحدكم من الدنيا إلا غنى مطغيًا أو فقرًا منسيًا أو مرضًا مفسدًا أو هرمًا مفندًا، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر؟ وقال عيسى بن مريم ﵇:
أوحى الله تعالى إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه، يا دنيا مري على أوليائي ولا تحلي لهم فتفتنيهم. وهذا الحرف يروى بكسر الميم من المرارة.
وقال مورق العجلي: ابن آدم، في كل يوم تؤتى رزقك وأنت تحزن وينقضي عمرك وأنت لا تحزن، تطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك، فلا بقليل تقنع
[ ٢٤ ]
ولا بكثير تشبع. وقال النبي ﷺ في بعض خطبه: أيها الناس إن الأيام تطوى والأعمار تفنى والأبدان في الثرى تبلى، وإن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد يقربان كل بعيد ويخلقان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات.
وقال بعض الحكماء: الدنيا كالماء المالح، كلما ازداد صاحبه شربًا ازداد عطشًا، وكالكأس من العسل في أسفله السم، فللذائق منه حلاوة عاجلة، وفي أسفله الموت الزعاف، وكأحلام النائم التي تفرحه في منامه، فإذا استيقظ انقطع الفرح، وكالبرق الذي يضيء قليلًا ويذهب وشيكًا ويبقى راجيه في الظلام مقيمًا، وكدودة الإبريسم التي لا يزداد الإبريسم على نفسها لفًا إلا ازدادت من الخروج بعدًا؛ وفيه قيل:
كدود كدود القز ينسج دائمًا
ويهلك غمًا وسط ما هو ناسجه
ومثال من يستعجل زهرة الدنيا ويعرض عن الدار الأخرى مثال رجلين لقطا من الأرض حبتي عنب، فأما أحدهما فجعل يمص الحبة التذاذًا بها ثم بلعها، وأما الآخر فزرع الحبة فلما كان بعد زمان التقيا، فإذا الذي زرع الحبة قد صارت له كرما وكثرت ثمرته، وفكر الآخر في صنعه بالحبة فوجدها قد صارت عذرة ليس عنده منها إلا الحسرة على تفريطه والغبطة لصاحبه. وقال وهب بن منبه ﵁: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: إن أردت أن تسكن معي في حضيرة القدس، فكن في الدنيا وحيدًا فريدًا مهمومًا وحشيًا، بمنزلة الطير الوحداني الذي يظل في الأرض الفلاة، ويأكل من رؤوس الشجر ويشرب من ماء العيون، فإذا كان الليل آوى وحده ولم يأو مع الطير استئناسًا بربه. ولبعضهم:
كم للحوادث من صروف عجائبٍ
ونوائب موصولة بنوائب
ولقد تقطع من شبابك وانقضى
ما لست أحسبه إليك بآيب
تبغي من الدنيا الكثير وإنما
يكفيك منها مثل زاد الراكب
قال مالك بن أنس ﵁: بلغني أن عيسى بن مريم ﵇ انتهى إلى قرية قد خربت حصونها وجفت أنهارها وتشعث شجرها فنادى: يا خرب أين أهلك؟ فلم يجبه أحد. ثم نادى: يا خرب أين أهلك؟ فنودي: عيسى بن مريم، بادوا وتضمنتهم الأرض وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة، عيسى بن مريم فجد. قال مالك: سئلت امرأة من بقية قوم عاد يقال لها هريمة: أي عذاب الله رأيت أشد؟ قالت: كل عذاب الله شديد، وسلام الله أو رحمته على ليلة لا ريح فيها، ولقد رأيت العير تحملها الرياح بين السماء والأرض. وقال مجاهد: كان طعام يحيى بن زكريا ﵉ العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه لخرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خده.
ومر بعض الملوك ببقراط الحكيم وهو نائم فركضه برجله وقال: قم! فقام غير مرتاع منه ولا ملتفت إليه، فقال له الملك: أوما تعرفني؟ فقال: لا، ولكن أرى فيك طبع الدواب فإنها تركض برجلها! فغضب وقال: أتقول لي مثل هذا وأنت عبدي؟ فقال له بقراط: بل أنت عبد عبدي. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن شهواتك قد ملكتك وأنا ملكت الشهوات! قال: فأنا الملك بن الأملاك السادة، أملك من البلاد كذا ومن الأموال كذا، ومن الرجال كذا! فقال: أراك تفتخر علي بما ليس من نفسك، وإنما سبيلك أن تفتخر بنفسك،
[ ٢٥ ]
ولكن تعال نخلع ثيابنا ونلبس جميعًا ثوبًا مما في هذا النهر ونتكلم فحينئذ يتبين الفاضل من المفضول! فانصرف الملك خجلًا.
وها أنا أحكي لك أمرًا أصابني طيش عقلي وبلبل حزمي وقطع نياط قلبي، فلا يزال مرآة لي حتى يواريني التراب. وذلك أني كنت يومًا بالعراق وأنا أشرب ماء، فقال لي صاحب لي وكان له عقل:
يا فلان لعل هذا الكوز الذي تشرب فيه الماء قد كان إنسانًا يومًا من الدهر، فمات فصار ترابًا فاتفق للفخاري أن أخذ تراب القبر فصيره خزفًا وشواه بالنار، فانتظم كوزًا كما ترى وصار آنية يمتهن ويستخدم بعدما كان بشرًا سويًا يأكل ويشرب وينعم ويلذ ويطرب. فإذا الذي قاله من الجائزات، فإن الإنسان إذا مات عاد ترابًا كما كان في النشأة الأولى، ثم قد يتفق أن يحفر لحده ويعجن بالماء ترابه فيتخذ منه آنية تمتهن في البيوت أو لبنة تبنى في الجدار، أو يطين به سطح البيت أو يفرش في الدار فيوطأ بالأقدام، أو يجعل طينًا على الجدار.
وقد يجوز أن تغرس عند قبره شجرة فيستحيل تراب الإنسان شجرة وورقًا وثمرة، فترعى البهائم أوراقها ويأكل الإنسان ثمرتها، فينبت منها لحمه وينتشر منها عظمه، أو تأكل تلك الثمرات الحشرات والبهائم، فبينما كان يقتات صار قوتًا، وبينما كان يأكل صار مأكولًا ثم يعود في بطن الأرض رجيعًا يقذف به في بيت الرحاضة أو بعرًا ينبذ بالعراء، ويجوز إذا حفر قبره أن تسفي الريح ترابه فتفرق أجزاءه في بطون الأودية والتلول والوهاد، أليس في هذا ما أذهب العقول وطيش الحلوم، ومنع اللذات وهان عنده مفارقة الأهلين والأموال واللحوق بقلل الجبال، والأنس بالوحوش حتى يأتي أمر الله على الفريقين؟ أليس في هذا ما صغر الدنيا وما فيها؟ أليس في هذا ما حقر الملك عند من عظمه والمال عند من جمعه؟ أليس في هذا ما زهد في اللذات وسلى عن الشهوات؟ وقال مسعر: كم من مستقبل يومًا لا يستكمله ومنتظر غدًا وليس من أجله، إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره. ولما بنى المأمون بن ذي النون، وكان من ملوك الأندلس، قصره وأنفق فيه بيوت أمواله، فجاء على أكمل بنيان في الأرض، وكان من عجائبه أنه صنع فيه بركة ماء كأنها بحيرة، وبنى في وسطها قبة وسيق الماء من تحت الأرض حتى علا إلى رأس القبة على تدبير قد أحكمه المهندسون، وكان الماء ينزل من أعلى القبة حواليها محيطًا بها متصلًا بعضه ببعض، فكانت القبة في غلالة من ماء سكبًا لا يفتر والمأمون قاعد فيها، فروي عنه أنه بينما هو نائم إذ سمع منشدًا ينشد هذه الأبيات:
أتبني بناء الخالدين وإنما
مقامك فيها لو عقلت قليل
لقد كان في ظل الأراك كفاية
لمن كل يوم يقتضيه رحيل
فلم يلبث بعدها إلا يسيرًا حتى قضى نحبه.
ووجد مكتوبًا على قصر قد باد أهله وأقفرت منازله:
هذي منازل أقوام عهدتهم
في خفض عيش نفيس ما له خطر
صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا
إلى القبور فلا عين ولا أثر
وللشريف الرضي:
ولقد مررت على ديارهم
وطلولها بيد البلى نهب
فوقفت حتى عج من تعب
نضوي وضج بعدني الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت
عنها الطلول تلفت القلب
ولو قيل للدنيا صفي نفسك ما تعدت هذا البيت وهو:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض
على الماء خانته فروج الأصابع
وروي أن الحجاج قال في خطبته: أيها الناس إن ما بقي من الدنيا أشبه بما بض من الماء،
[ ٢٦ ]
ولو أعطيت ما مضى من الدنيا بعمامتي هذه ما قبلته، فكيف آسى على ما بقي منها! وروي أن النبي ﷺ ضرب مثلًا للدنيا ولابن آدم عند الموت، كمثل رجل له ثلاثة أخلاء، فلما حضره الموت قال لأحدهم: قد كنت لي خلًا مكرمًا مؤثرًا وقد حضرني من أمر الله تعالى ما ترى، فماذا عندك؟ فيقول: هذا أمر الله غلبني عليك ولا أستطيع أن أنفس كربك، ولكن ها أنا بين يديك فخذ مني زادًا ينفعك. ثم قال للثاني: قد كنت عندي آثر الثلاثة، وقد نزل بي أمر الله تعالى ما ترى، فماذا عندك؟ فيقول: هذا أمر الله تعالى غلبني عليك ولا أستطيع أن أنفس كربك، ولكن ها سأقوم عليك في مرضك، فإذا مت أنقيت غسلك وجودت كسوتك وسترت جسدك وعورتك. ويقول للثالث: قد نزل بي أمر الله تعالى ما ترى، وأنت أهون الثلاثة علي فماذا عندك؟ فيقول: إني قرينك وحليفك في الدنيا والآخرة، أدخل معك قبرك حين تدخله وأخرج منه حين تخرج ولا أفارقك أبدًا. قال النبي ﷺ: الأول ماله والثاني أهله والثالث عمله.
ولما لقي ميمون بن مهران الحسن البصري قال له: قد كنت أحب لقاءك فعظني. فقرأ الحسن: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ*ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (الشعراء٢٠٧: ٢٠٥) . فقال: عليك السلام أبا سعيد لقد وعظت أحسن موعظة، واعجبًا كل العجب للمكذب بالنشأة الأخرى وهو يرى الأولى! واعجبًا كل العجب للمكذب بالنشور وهو يموت كل ليلة ويحيا! واعجبًا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور! واعجبًا كل العجب للمختال الفخور وإنما هو خلق من نطفة ثم يعود جيفة، وهو بين ذلك لا يدري ما يفعل به! وروي أن الله تعالى أوحى إلى آدم ﵇ قال: جماع الخير كله في أربع: واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين الناس. فأما التي لي فأن تعبدني ولا تشرك بي شيئًا. وأما التي لك فاعمل ما شئت فإني أجزيك به. وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة. وأما التي بينك وبين الناس فكن لهم كما تحب أن يكونوا لك. وقال سليمان بن داود ﵉: أوتينا ما أوتي الناس وما لم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا، ولم نجد شيئًا أفضل من خشية الله تعالى في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر.
وكتب معاوية إلى عائشة ﵂ أن اكتبي إلي بكتاب توصيني فيه ولا تكثري علي، فكتبت عائشة: سلام عليك. أما بعد. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، والسلام. ولما ضرب ابن ملجم عليًا ﵁ أدخل منزله فاعترته غشية ثم أفاق، ودعا الحسن والحسين فقال: أوصيكما بتقوى الله تعالى والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا. ولا تأسفا على شيء فاتكما منها، اعملا الخير وكونا للظالم خصمًا وللمظلوم عونًا، ثم دعا محمدًا وقال له: أما سمعت ما أوصيت به أخويك؟ قال: بلى. قال: فإني أوصيك به وعليك ببر أخويك وتوقيرهما ومعرفة فضلهما ولا تقطع أمرًا دونهما. ثم أقبل عليهما وقال: أوصيكما به خيرًا فإنه سيفكما وابن أبيكما، وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبه فأحباه.
ثم قال له: يا بني أوصيك بتقوى الله في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الرضى، والغضب والقصد في الغنى والفقر، والعدل على الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضى عن الله في الشدة والرخاء. يا بني ما شر بعده الجنة بشر ولا خير بعده
[ ٢٧ ]
النار بخير، وكل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية. يا بني من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومن سل السيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرًا وقع فيها، ومن كشف حجاب أخيه انكشفت عورات بيته، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطأه، ومن كثر خطأه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار.
يا بني الأدب خير ميراث وحسن الخلق خير قرين. يا بني العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء. يا بني زينة الفقر الصبر وزينة الغنى الشكر. يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية. الحرص مفتاح التعب ومطية النصب، والتدبير قبل العمل يؤمنك الندم، بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد! طوبى لمن أخلص لله علمه وعمله وحبه وبغضه. وأخذه وتركه وكلامه وصمته وقوله وفعله! وروي أن عمر بن الخطاب ﵁، لما طعن دعا بلبن فشرب منه فخرج من طعنته فقال: الله أكبر. فجعل جلساؤه يثنون عليه فقال: وددت أني أخرج منها كفافًا كما دخلت فيها، لو أن لي اليوم ما طلعت عليه الشمس وغربت لافتديت به من هول المطلع! قال ابن عمر: ولما احتضر عمر غشي عليه فأخذت رأسه فوضعته في حجري فقال: ضع رأسي بالأرض لعل الله يرحمني. فمسح خديه من التراب وقال: ويل لعمر وويل لأمه إن لم يغفر له! فقلت:
وهل حجري والأرض إلا سواء يا أبتاه؟ فقال: ضع رأسي بالأرض لا أم لك كما آمرك! فإذا قضيت فأسرعوا بي إلى حفرتي فإنما هو خير تقدمون إليه أو شر تضعونه عن رقابكم! ثم بكى فقيل له: وما يبكيك؟ قال: خبر السماء لا أدري إلى جنة ينطلق بي أو إلى نار.
ولما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قال: اللهم إنك أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت وأنعمت علي فأفضلت، فإن عفوت فقد مننت وإن عاقبت فما ظلمت، ألا إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم قضى نحبه. ولما حضرت هشام بن عبد الملك الوفاة نظر إلى أهله يبكون حوله فقال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما حمل، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له! ودخل على المأمون في مرضه الذي مات فيه، فإذا هو قد أمر أن يفرش له جل الدابة ويبسط عليه الرماد، وهو راقد عليه يتضرع ويقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من يزول ملكه. وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ مر على طائر واقع على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر تطير وتقع على الشجر وتأكل من الثمر وليس عليك حساب ولا عقاب! يا ليتني كنت مثلك والله لوددت أني شجرة إلى جنب الطريق فمر علي بعير، فأخذني فلاكني ثم ازدردني ثم أخرجني بعرًا ولم أك بشرًا! وقال عاصم بن عبيد الله: أخذ عمر بن الخطاب ﵁ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني مثل هذه التبنة! يا ليتني لم تلدني أمي! يا ليتني كنت نسيًا منسيا! وقال ابن مسعود: وددت أني طائر في منكبي ريش!
[ ٢٨ ]
وسمع رجلًا يقول: يا ليتني كنت من أصحاب اليمن، فقال ابن مسعود: يا ليتني إذا مت لم أبعث. وقال عمران بن الحصين: وددت أني رماد تسفيني الرياح في يوم عاصف. وقال أبو الدرداء: يا ليتني كنت شجرة تعضد ويؤكل ثمري ولم أك بشرًا.
وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما رجع من صفين ودخل أوائل الكوفة فإذا هو بقبر قال: قبر من هذا؟ قالوا: قبر خباب بن الأرت. فوقف عليه وقال: رحم الله خبابًا أسلم راغبًا وهاجر طائعًا وعاش مجاهدًا وابتلي في جسمه آخرًا، ألا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملًا. ثم مضى فإذا قبور فجاء حتى وقف عليها فقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف ونحن تبع وبكم عما قليل لاحقون. اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز عنا وعنهم. طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب، وقنع بالكفاف ورضي عن الله تعالى. ثم قال: يا أهل القبور، أما الأزواج فقد نكحت، وأما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما إنهم لو تكلموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى.