قالوا: ظفر الملك بعدوه على حسب عدله في رعيته، ونكوبه في حروبه على حسب جوره في عساكره، وإصلاح الرعية أنفع من كثرة الجنود. وقالوا: تاج الملك عفافه وحصنه إنصافه، وسلاحه كفاته وملكه رعيته. وقالت حكماء الهند: لا ظفر مع بغي ولا صحة مع نهيهم، ولا ثناء مع كبر ولا شرف مع سوء أدب، ولا بر مع شح ولا اجتناب محرم مع حرص، ولا ولاية حكم مع عدم فقه ولا سؤدد مع انتقام، ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة وزارة. ولما ولي أبو بكر ﵁ خطب فقال: أيها الناس إنه لا أحد أقوى عندي من المظلوم حتى آخذ له بحقه، ولا أضعف من الظالم حتى آخذ الحق منه. وقيل للإسكندر: بم نلت ما نلت؟ قال: باستمالة الأعداء والإحسان إلى الأصدقاء.
وقال بزرجمهر: سوسوا أحرار الناس بمحض المودة، والعامة بالرغبة والرهبة، والسفلة بالمخافة. وقال الموبذان: السياسة التي فيها صلاح الملك الرفق بالرعية، وأخذ الحق منهم في غير مشقة، وسد الفروج وأمن السبل، وأن ينصف المظلوم من الظالم ولا يحمل القوي على الضعيف. وقالوا: الوالي من الرعية كالروح من الجسد لا حياة له إلا بها، وكالرأس من الجسد لا بقاء له إلا به، وبعد الوالي من إصلاح الرعية مع إفساد نفسه كبعد الجسد من البقاء بعد ذهاب الرأس. والسلطان خليق أن يعود نفسه الصبر على من خالف رأيه من ذوي النصيحة والتجرع لمرارة قولهم، ولا ينبغي أن يحسد الولاة إلا على حسن التدبير، ولا أن يكذب لأن أحدًا لا يقدر على استكراهه، ولا أن يغضب لأن الغضب والقدرة لقاح الشر والندامة، ولا أن يبخل لأنه أقل الناس خوفًا من الفقر، ولا أن يحقد لأن قدره جل عن المجازاة، ولا ينبغي للوالي أن يستعمل سيفه فيما يكتفى فيه بالسوط، ولا سوطه فيما يكتفى فيه بالحبس، ولا حبسه فيما يكتفى فيه بالجفا والوعيد.
وقال معاوية: إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا مدوها خليتها وإذا خلوها مددتها. ونحو هذا قول الشعبي: كان معاوية كالجمل الطب، والجمل الطب هو الحاذق بالمشي لا يضع يده إلا حيث تبصر عينه. وينبغي له أن يعلم رعيته أنه لا يصاب خيره إلا بالمعونة له على الخير، ولا ينبغي له أن يدع تفقد لطيف أمور الرعية
[ ٦١ ]
اتكالًا على نظره في جسيمها، فإن للطيف موقعًا ينتفع به. وقد آتى الله ملك الدنيا سليمان بن داود ﵉، ثم تفقد الطير فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ لأن التهاون باليسير أساس الوقوع في الكثير. وقد قال الشاعر:
لا تحقرن سبيًا كم جر شرًا سبيب!
وقالوا: أصل الأشياء كلها شيء واحد ولا يدع مباشرة جسيم أمره، فللجسيم موضع إن غفل عنه تفاقم، ولا يلزم نفسه مباشرة الصغير أبدًا فيضع الكبير. وقال زياد لحاجبه: وليتك حجابتي وعزلتك عن أربع: المؤذن للصلاة، وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد سخنه فسد، وصارخ الليل لشر دهاه، وصاحب البريد فإن التهاون بالبريد ساعة يخرب عمل سنة. وكان أبو العباس السفاح يقول: لأستعملن اللين حتى لا ينفع إلا الشدة، ولأكثرن من الخاصة ما أمنتهم على العامة،، ولأغمدن سيفي حتى يسله الحق، ولأعطين حتى لا أرى للعطية موضعًا. وقال أزدشير لما كمل ملكه وأباد أعداءه: إنه لم يحكم حاكم على العقول كالصبر، ولم يحكمها محكم كالتجربة، وليس شيء أجمع للعقل من خوف وحاجة يتأمل بها صفحات حاله. وكان عمر يقول: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف والقوة في غير عنف.
وقال الأصمعي: قال لي الرشيد: هل تعرف كلمات جامعات لمكارم الأخلاق، يقل لفظها ويسهل حفظها، وتكون لأغراضها لفقًا ولمقاصدها وفقًا، تشرح المنبهم وتوضح المستعجم؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، دخل أكثم بن صيفي حكيم العرب على بعض الملوك، فقال له: إني سائلك عن أشياء لا تزال في صدري معتلجة، وما تزال الشكوك عليها والجة، فأنبئني بما عندك فيها. فقال: أبيت اللعن؟ سألت خبيرًا واستنبأت بصيرًا، والجواب يشفعه الصواب فسل عما بدا لك. قال: ما السؤدد؟ قال: اصطناع المعروف عند العشيرة واحتمال الجريرة. قال: فما الشرف؟ قال: كف الأذى وبذل الندا. قال: فما المجد؟ قال: حمل المغارم وابتناء المكارم. قال: فما الكرم؟ قال: صدق الإخاء في الشدة والرخاء. قال: فما العز؟ قال: شدة العضد وثروة العدد. قال: فما السماحة؟ قال: بذل النائل وحب السائل. قال: فما الغنى؟ قال: الرضا بما يكفي وقلة التمني. قال: فما الرأي؟ قال: لب تعينه تجربة. فقال له الملك: أوريت زناد بصيرتي وأذكيت نار خبرتي، فاحتكم. قال: لكل كلمة هجمة. قال: هي لك؟ قال الأصمعي: قال لي الرشيد: ولك بكل كلمة بدرة. فانصرفت بثمانين ألفًا.
وكان قس بن ساعدة يفد على قيصر فيكرمه، فقال له يومًا: ما أفضل العقل؟ قال: معرفة الرجل بنفسه. قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف الرجل عند علمه. قابل: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه. قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قضي به الحقوق.