اعلموا أرشدكم الله أن منزلة الشيطان من الرعية بمنزلة الروح من الجسد، فإذا صفت الروح من الكدر سرت إلى الجوارح سليمة، فقرت في جميع أجزاء الجسد فأمن الجسد من التغيير، فاستقامت الجوارح والحواس وانتظم أمر الجسد. وإن تكدرت الروح وفسد مزاجها فيا ويح الجسد! فيسري إلى الحواس والجوارح فتصير الحواس والجوارح كدرة منحرفة عن الاعتدال، فأخذ كل عضو وحاسة بقسطه من الفساد، فمرضت الجوارح وتعطلت فتعطل نظام الجسد وجر إلى الفساد والهلاك.
ومثال السلطان أيضًا مثل النار، ومثال الخلق مثل الخشب، فما كان منها معتدلًا لم يحتج إلى النار، وما كان منها متأودًا احتاج إلى النار ليقام أوده ويعدل عوجه، فإن أفرط النار احترق الخشب قبل أن يستقيم أوده، وإن قصر النار لم يكن الخشب قابلًا للاعتدال فيبقى متأودًا، وإذا كانت النار معتدلة اعتدل الخشب، كذلك السلطان في أطواره إن أفرط أهلك الخلق، وإن فرط لم يستقيموا وإن اعتدل اعتدلوا.
ومثاله أيضًا مثال عين خرارة في أرض خوارة، فإن حلا مشربه وعذب طعمه وسلمت من الكدر والفساد أوصافه، تخلج في الأرض فابتلعته صافيًا صرفًا ثم شربته عروق الأشجار فاغتذت به كذلك، فغلظ سوقها وفرعت أغصانها وامتدت أفنانها، ثم أخرجت أوراقها وأبرزت أزهارها ثم قذفت
[ ٤٩ ]
ثمارها، فجاءت على أتم طباعها كبرًا وطعمًا ولونًا ورائحة، فتقوت بها العباد وأكلت حطامها البهائم والحشرات، وسقط عليها الطير فأحرز كل منها قوته، واستقام النظام. وإن كان في حواشي الأرض ما يدق عن الإنبات والنفع ويكدي عن الزكاة والريع، أو كان فيه من الشجر ما يندر حمله ويقل ريعه، أعطى كل ذلك الغاية من نفسه وأطلع ما في قواه ولم يغادر ممكنًا إلا وافاه، وإن كان في العين كدر أو فساد أو ملح شربتها الأشجار كذلك، ففسد مزاجها وأضر الجزء الفاسد بالطيب، فرقت سوقها وضعفت أغصانها وتغيرت أوراقها، وقلت أزهارها وثمارها ودخل الفساد على جميع ذلك، فجاءت الثمرة وهي نزر قدرها ردىء طعمها كاسف لونها، فدخل بذلك من النقص على جميع الحيوان مثل ما دخل عليهم من المنافع في الأولى، ولهذا قال الرسول ﵇: إن الضب ليموت في حجره هزالًا من ظلم بني آدم، يعني إذا كثرت المعاصي في الأرض حبست في السماء غياثها ومنعت الأرض نباتها، فهلك الهوام والدواب والحشرات.