قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (الشورى: ٢٨) وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (النمل: ٦٢) وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: ٦) . وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: أبشروا فقد جاءكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين! وقال ابن مسعود ﵁: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، لن يغلب عسر يسرين، ومعنى الآية أنه لما عرف العسر ونكر اليسر، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسمًا معرفًا ثم أعادته فهو هو، وإذا نكرته ثم كررته فهو اثنان. وقال بعضهم:
إن يكن نالك الزمان ببلوى
عظمت عندها الخطوب وجلت
وتلتها قوارع ناكبات
سئمت دونها الحياة وملت
فاصطبر وانتظر بلوغ مداها
فا لرزايا إذا توالت تولت
وإذا أوهنت قواك وحلت
كشفت عنك حمله فتجلت
وقال ابن عباس ﵄: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل ﵇، اتخذت منطقًا لتخفي أثرها عن سارة ثم جاء بها إبراهيم وابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلاء المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعها هناك ووضع عندها جرابًا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم ﷺ منطلقًا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها فقالت
[ ١٦٠ ]
له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم ﷺ حتى إذا كان عند الثنية بحيث لا يرونه استقبل البيت بوجهه، ثم رفع يديه ودعا بهذه الدعوات فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ (ابراهيم: ٣٧) حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ .
وجعلت أم إسماعيل ﵇ ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى نفد ما في السقاء، فعطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ: فلذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه! تريد نفسها فسمعت أيضًا فقالت: قد سمعت إن كان عندك غياث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو يقال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوطه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال النبي ﷺ: يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف لكانت عينًا معينًا. قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيت الله ﷿، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله ﷿ لا يضيع أهله.
ومنه قصة الثلاثة الذين خلفوا، وذلك أن كعب ابن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية تخلفوا عن غزوة تبوك، ونهى النبي ﷺ عن كلام الثلاثة قال: فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لنا الأرض بما رحبت فما نعرفها، وكنت أطوف في الأسواق وأشهد الصلاة مع المسلمين ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، فلما تمت خمسون ليلة من يوم نهي رسول الله ﷺ عن كلامنا، صليت صلاة الفجر وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكرها الله ﷿ قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، وما كان شيء أهم علي من أن أموت على تلك الحال، فلا يصلي علي النبي ﷺ أو يموت النبي ﷺ، فأكون بين الناس بتلك المنزلة لا يكلمني أحد ولا يصلي علي.
فأنزل الله تعالى توبتنا فسمعت صوت صارخ من أعلى الجبل: يا كعب بن مالك أبشر! فخررت ساجدًا لله تعالى وعرفت أن قد جاء الفرج، فخلعت ثوبي على الصارخ ببشراه، ووالله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما ثم أتيت النبي ﷺ فسلمت عليه وهو يبرق وجهه من السرور، وقال: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك! فقلت: يا رسول الله إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال النبي ﷺ: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك.
وروي أن إبراهيم ﵊ لما شب ودرج في موضع ربي فيه، فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا يقال أنه رأى الزهرة قال: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ*فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ (الأنعام٧٧: ٧٦) بعد طلوع الفجر ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ فلما أصبح و﴿رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ*إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ*وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ
[ ١٦١ ]
وَقَدْ هَدَانِ﴾ يعني إلى الإسلام ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ٧٦-٨٠) . قالوا: يا إبراهيم أما تخاف من آلهتنا أن تصيبك بسوء لا تقوم به إن أنت سببتها وعبتها؟ قال: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانًا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون.
وكان آزر يصنع أصنامًا يعبدها قومه ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيكسرها ويذهب بها إلى نهر لهم فيلقيها فيه على رؤوسها ويقول لها اشربي استهزاء بها وإظهارًا لقومه فساد ما هم عليه، ففشا ذلك عندهم من غير أن يبلغ ذلك إلى نمرود. فأول ما نادى في قومه أن نظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، يعني من الغيظ عليهم وعلى أصنامهم، فظنوا أنه مطعون وكانوا يفرون من الطاعون إذا سمعوا به، فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم، فدخل عليها وقد وضعوا لها طعامًا وشرابًا، فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربًا باليمين، وكسرها وقطع أيديها وأرجلها حتى جعلها جذاذًا وأراق طعامها وشرابها، وعمد إلى الفأس فعلقها في يد إلههم الكبير ثم خرج عنها وتركها جذاذًا، فلما رجع قومه من عيدهم دخلوا بيت أصنامهم، فلما رأوا ما صنع بها راعهم ذلك وأعظموه وقالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين؟ قال بعضهم لبعض: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم أي سمعناه يسبها ويستهزئ بها. فقال نمرود: فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون. فلما أتى إبراهيم ﷺ قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون. إنا قد ظلمناه بما نسبنا إليه ثم قالوا قد علموا أنها لا تضر ولا تنفع: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. قال: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئًا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون! فقال له نمرود لما سمع ذلك منه: صف لي إلهك الذي تعبد وتدعو إلى عبادته. قال إبراهيم: إن ربي الذي يحيى ويميت. قال نمرود: أنا أحيي وأميت. قال: كيف ذلك؟ قال: آخذ رجلين استوجبا القتل في حكمتي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأكون أحييته.
فقال إبراهيم ﵊: إن كنت صادقًا فأحي الذي قتلت بزعمك وأخرج روحًا من جسده من غير أن تقتله إن كنت صادقًا. وإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. فبهت عند ذلك نمرود ولم يرد إلى إبراهيم شيئًا وأمر به إلى السجن، فلبث فيه سبع سنين وجعل يدعو أهل السجن إلى الله تعالى وإلى الإسلام، حتى ظهر أمره وفشا وتبعه قوم كثير على دينه، فلما أرادوا أن يحرقوا إبراهيم وأجمع أمرهم على ذلك بنوا له جسرًا طول جداره ستون ذراعًا ووضعوه إلى سفح جبل منيف لا يرام ولا يرقى، وبلطوا الجدار فلا يمشي فيه شيء إلا زلق عنه وأذن مؤذن نمرود: أيها الناس احتطبوا لنار إبراهيم ولا يتخلفن عنها ذكر ولا أنثى ولا حر ولا عبد ولا شريف ولا وضيع، ومن تخلف عن ذلك ألقي في تلك النار. فعملوا في ذلك أربعين ليلة حتى إن المرأة منهم تنذر على نفسها نذرًا إن رجع غائبها أو أفاق عليلها لتحتطبن لنار إبراهيم، حتى إذا كمل ذلك قذفوا به إلى النار حتى إنه كان يسمع وهج النار على المسافة البعيدة، فلما بلغ ذلك وضع إبراهيم في كفة المنجنيق.
قال وهب بن منبه ﵁: بلغني أن السماء والأرض والبحار وما فيها ضجوا إلى الله تعالى ضجة واحدة وقالوا: يا ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غيره فأذن لنا في نصرته. فأوحى الله تعالى إليهم: إن استغاث بكم فانصروه وأعينوه، وإن دعاني فأنا
[ ١٦٢ ]
وليه وناصره. فلما وضع في كفة المنجنيق وقذفوه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، اللهم إنك تعلم إيماني بك وعداوة قومي فيك فانصرني عليهم ونجني من النار فأوحى الله تعالى إلى النار أن كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم. فأطاعت النار ربها ﷿، ولو لم يقل وسلامًا لمات من شدة البرد. ولبث إبراهيم ﵇ في النار سبعة أيام فظن قومه أنه قد أحرق.
ثم قال نمرود: انظروا ماذا فعل إبراهيم فإني رأيت الليلة في نومي أن جدار هذا الجسر قد انهدم، وخرج إبراهيم يمشي وذاب النحاس الذي سد به باب الجسر واحترق الجدار فصار رمادًا، فاطلعوا على إبراهيم ﷺ فوجدوه صحيحًا سليمًا، وخرج الناس ينظرون إليه على تلك الحالة. فلما رآهم خرج يمشي حتى قعد إلى أمه وهي في الجمع، وأقبلت سارة وكانت أول من آمن به حتى جلست إليه وقالت: يا إبراهيم إني آمنت بالذي جعل النار عليك بردًا وسلامًا، فقالت لها أم إبراهيم: احذري القتل على نفسك. فقالت: إليك عني فإني لا أخاف شيئًا وقد آمنت برب إبراهيم. وحول إبراهيم جمع من الناس لا يحصى عددهم يأتمرون به ليجددوا له عذابًا، فأرسل الله ريحًا عاصفًا فنسفت رماد تلك النار في وجوههم وعيونهم ففروا عنه، وقام إبراهيم ﷺ داعيًا إلى الله تعالى ومذكرًا به.
وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: إن نبي الله سليمان ﵇ انطلق إلى الحمام ومعه جني يقال له صخر، ولم يكن سليمان ﵇ يدخل الخلاء بخاتمه، فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة ونزع ملك سليمان ﵇ منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان فجاء فجلس على كرسيه وتسلط على جميع ملك سليمان غير نسائه، فجعل يقضي بين الناس والناس ينكرون قضاياه حتى قالوا: لقد فتن نبي الله سليمان. ومكث سليمان على ذلك أربعين يومًا، ثم أقبل سليمان على حالته تلك وهو جائع تائع حتى انتهى إلى شاطئ البحر فوجد صيادين فاستطعم أحدهم من صيده وقال له: أنا سليمان. فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشج وجهه. قال فجعل يغسل وجهه على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم على ضربه إياه، ثم أعطوا سليمان سمكتين مما قد تغير عندهم ونتن، ولم يشغله ما كان فيه من الضرب عن أن يقوم إلى الشاطئ البحر فشق بطونهما وغسلهما فوجد خاتمه في بطن أحدهما، فأخذه فلبسه فرد الله تعالى عليه ملكه وبهاءه، وجاءت الطير فحامت عليه فعرف القوم أي الصيادون أنه سليمان ﵊، فجاءوا يعتذرون إليه.
وروى وهب بن منبه ﵁ أن الله تعالى وهب لإبراهيم إسحاق، فلما كان ابن سبع سنين أوحى الله إلى إبراهيم ﵊ أن يذبحه وأن يجعله قربانًا، فكتم إبراهيم ذلك عن ابنه وأمه وجميع الناس، وأسره إلى خليل له يقال له العازر، وكان أول من آمن به من قومه يوم رمي في النار، فقال له: إن الله تعالى قد رفع اسمك في الملأ الأعلى على جميع أهل البلاد حتى كنت أرفعهم بلية، ليرفعك الله بقدر ذلك في أعلى المنازل والفضائل، وقد علمت أن الله تعالى لم يبتهلك بذلك ليفتنك ولا ليضلك، فلا يسوءن ظنك بالله وأعوذ بالله أن يكون ذلك حتمًا مني على الله تعالى أو تسخطًا لحكمه الذي حكم على عباده، ولكن هذا أحسن الظن بالله تعالى. فإن عزم ربك على ذلك فكن عند أحسن علمه بك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فتعزى إبراهيم ﵊ بقوله واشتد له رأيه بصيرته وانطلق بإسحاق فلما صعد الجبل ومعه السكين والحبل وأداة القربان فقال له إسحاق: يا أبت أرى معك أداة القربان ولا أرى معك قربانًا. قال إبراهيم: القربان يا بني بعين ربك ينظر إليه فإن شاء رحم أباك، فلم يفطن إسحاق. فلما ولفى رأس الجبل قال إبراهيم: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك وأجعلك
[ ١٦٣ ]
قربانًا يرفعك إليه ويتقبلك فانظر ماذا ترى. فتهلل وجه إسحاق واستبشر فقال له والده: والله لقد فجعتك يا بني بأمر ما فجع به والد ولده، وإني لأرى من سرورك بذلك وشكرك لربك أمرًا أرجو به العافية والفرج. فقال له: يا أبت لم يكن شيء من الدنيا أحب إلي من البر بك وبأمي وقد حرمنيه ربي فإذا أردت ذبحي فاشدد وثاقي فإني أخاف حين يفارقني عقلي، وأجد ألم الحديد أن يتحرك مني عضو فيؤذيك، وأنا أكره أن أختم بذلك عملي، فإذا فرغت من شأني فأقرئ أمي السلام وقل لها لا تجزعي فقد أكرم الله لك ابنك في حياتك! فلما فرغ من وصيته عمد إبراهيم ﵊ إليه فعصبه بعمامته ما بين منكبيه إلى الكعبين، ثم كبه لوجهه وكره أن يستقبل وجهه كي لا تدركه له رحمة إذا هو تشحط في دمه، ثم أدخل يده تحت حلقه فلما أراد أن يمرها على حلقه انقلبت السكين، فأوجس إبراهيم في نفسه ثم أعاد ثانية فلما أراد أن يجر السكين انقلبت السكين، ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ*قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ*إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ*وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠٤-١٠٧) هذا فداء ابنك قد فداه الله تعالى لك به، فنظر إبراهيم خلفه فإذا بكبش قد لوى قرنه الأيمن على ساق شجرة، فأخذه ووجهه إبراهيم ﵊ إلى مكة، وكانت قبلته يومئذ فذبحه إبراهيم وقصه إسحاق، فلما فرغا منه قرباه قربانًا فرفعه الله تعالى إليه وتقبله.
وقال أبو هريرة ﵁: لما صار يوسف ﵇ إلى مصر واسترق بعد الحرية جزع جزعًا شديدًا، وجعل يبكي الليل والنهار على أبويه وإخوته ووطنه وما ابتلى به من الرق، فأحيى ليلة من الليالي يدعو ربه تعالى، وكان من دعائه أن قال: رب أخرجتني من أحب البلاد إلي وفرقت بيني وبين إخوتي وأبوي ووطني، فاجعل لي في ذلك خيرًا وفرجًا ومخرجًا من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب، وحبب إلي البلاد التي أنا فيها وحببها إلى كل من يدخلها وحببني إلى أهلها وحببهم إلي، ولا تمتني حتى تجمع بيني وبين أبوي وإخوتي في يسر منك ونعمة وسرور، تجمع لنا به بين خيري الدنيا والآخرة إنك سميع الدعاء.
فأتى يوسف ﵇ في نومه فقيل له: إن الله تعالى قد استجاب لك دعاءك وأعطاك مناك، وورثك هذه البلاد وسلطانها، وجمع إليك أبويك وإخوتك وأهل بيتك، فطب نفسًا واعلم أن الله تعالى لا يخلف وعده. وبدعاء يوسف ﵇ صارت مصر محبوبة لكل من دخلها فلا يكاد يخرج منها. قال قتادة: ما سكنها نبي قبله. ولما جمع الله تعالى شمله وتكاملت النعم عليه، اشتاق إلى لقاء ربه فقال: رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين.
ولما وجه سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد إلى العراق ليطلق أهل السجون ويقسم الأموال، ضيق على يزيد بن أبي مسلم، فلما ولي يزيد بن عبد الملك الخلافة ولى يزيد بن أبي مسلم إفريقية، وكان محمد بن يزيد واليًا عليها، فاستخفى محمد بن يزيد فطلبه يزيد بن أبي مسلم وشدد في طلبه، فأتي به في شهر رمضان عند المغرب، وكان في يد يزيد بن أبي مسلم عنقود عنب، فقال له يزيد حين دنا منه: يا محمد بن يزيد! قال: نعم. قال: أما والله لطالما سألت الله أن يمكنني منك بغير عهد ولا عقد. فقال محمد: وأنا والله طالما سألت الله أن يجيرني منك وأن يعيذني. قال يزيد: فوالله ما أجارك ولا أعاذك، وإن سابقني ملك الموت إلى قبض روحك سبقته، والله لا آكل هذه الحبة حتى أقتلك! فأقام المؤذن الصلاة فوضع يزيد العنقود وتقدم يصلي، وكان أهل إفريقية قد أجمعوا على قتله، فلما ركع ضربه رجل بعمود على رأسه فقتله وقيل لمحمد بن يزيد: اذهب حيث شئت! فسبحان من قتل الأمير وأحيا الأسير سنة الله التي قد دخلت في عباده، طلوع الحياة من شفار
[ ١٦٤ ]
الموت وحضور الموت من معدن الحياة.
وروي أن سلطان صقلية أرق ذات ليلة ومنع النوم فأرسل إلى قائد البحر وقال: أنفذ الآن مركبًا إلى إفريقية يأتوني بأخبارها. فعمر القائد المركب وأرسله لحينه، فلما أصبحوا إذا بالمركب في موضعه لم يبرح فقال له الملك: أليس قد فعلت ما أمرتك به؟ قال: نعم امتثلت أمرك وأنفذت المركب ورجع بعد ساعة، وسيحدثك مقدم المركب فجاء مقدم المركب ومعه رجل فقال الملك: ما منعك أن تذهب حيث أمرت؟ قال: ذهبت في المركب فبينما أنا في جوف الليل والبحارون يجذفون، فإذا أنا بصوت يقول: يا الله يا الله يا غياث المستغيثين! يكررها مرارًا فلما استقر صوته في أسماعنا ناديناه مرارًا: لبيك لبيك! وهو ينادي: يا الله يا الله يا غياث المستغيثين! ونحن نجيبه لبيك لبيك! وتوجهنا نحو الصوت فألفينا هذا الرجل غريقًا في آخر رمق من الحياة، فأخرجناه من البحر وسألناه عن حاله فقال: كنا مقلعين من إفريقية فغرقت سفينتنا منذ أيام، وما زلت أسبح حتى وجدت الموت فلم أشعر إلا بالغوث من ناحيتكم، فسبحان من أسهر سلطانًا وأرق جبارًا في قصره لغريق في البحر وظلمة الوحشة حتى استخرجه من تلك الظلمات الثلاث: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الوحشة، لا إله إلا أنت سبحانك يا أرحم الراحمين! وأخبرني رجل كان إمام المسجد الجامع بالإسكندرية قال: كنت بصقلية أيام فتنة العدو، فزحفت إلينا في البحر سفن تقارب ثلثمائة سفينة وأرست في الساحل، فرأينا أمرًا مهولًا وفينا الشيخ الصالح الزاهد العابد ابن السميطار، فلجأ الناس إليه واستجمعوا حوله يتبركون به وينتظرون الفرج على يديه، قال فنظر إلى السماء حينًا ثم سجد وعفر خديه بالأرض يقلبهما يمينًا وشمالًا، قال فوالله ما برحنا حتى هبت ريح مزقتها كل ممزق فلم يجتمع منها اثنان.
وأخبرني أبو القاسم بن هائل رحمه الله تعالى قال: كنت في طريق الحجاز فعطش الناس في مفازة تبوك، فنفذ الماء ولم يوجد إلا عند صاحب لي جمال، فجعل يبيعه بالدنانير بأرفع الأثمان فجاء رجل كان موسومًا بالصلاح عليه قطعة نطع يحمل ركوة، ومعه شيء من دقيق فتشفع بي إلى الجمال أن يبيعه الماء بذلك الدقيق، فكلمته فأبى علي ثم عاودته فأبى. قال: فبسط الرجل النطع ونثر عليه الدقيق ثم رمق السماء بطرفه وقال: إلهي أنا عبدك وهذا دقيقك ولا أملك غيره، وقد أبى أن يقبله. ثم ضرب بيده النطع وقال: وعزتك وجلالك لا برحت حتى أشرب! فوالله ما تفرقنا حتى نشأ السحاب وأمطر في الحين فشرب الماء ولم يبرح. فكان كما قال النبي ﷺ: رب ذي طمرين لا يؤبه له مطروح بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
وأخبرني شيخ ممن كان يصحب العلماء بالقيروان يقال له جرير قال: أخبرني عبد الكافي الديباجي قال: رأيت بالقيروان آية عظيمة، وذلك أن رجلًا جاء بصبي له قد أسكت منذ أيام لا يتكلم، فدخل به إلى الفقيه أبي بكر بن عبد الرحمن وقال له: إن ابني هذا قد أسكت منذ أيام ولم يتكلم، فادع الله أن يفرج ما نزل به، قال فدعا الشيخ ساعة ثم مسح على وجه الصبي فاستفاق الصبي فقال له: قل لا إله إلا الله. فقال الصبي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله! ثم التفت إلى الرجل وقال: اكتم هذا علي إلى الموت، ثم التفت إلى جاريته وقال: اكتمي هذه علي إلى الموت وأنت حرة لوجه الله تعالى. فلما كان يوم توفى الشيخ أبو بكر واجتمع الناس لجنازته وتكاثرت الأمم قام الرجل فاستنصت الناس فسكتوا فقال: يا أهل القيروان اسمعوا قصتي مع هذا الشيخ وساق الحديث كما ذكر.
وحدثني هذا الشيخ قال: نزلت عندنا بالقيروان قصة لم يسمع بمثلها في السالفين، وذلك أن بعض الجزارين أضجع كبشا ليذبحه، فتخبط بين يديه وأفلت منه وذهب، فقام الجزار يطلبه
[ ١٦٥ ]
وجعل يمشي إلى أن دخل إلى خربة، فإذا فيها رجل مذبوح يتشحط في دمه ففزع وخرج هاربا. وإذا صاحب الشرطة والرجالة عندهم خبر القتيل، وجعلوا يطلبون خبر القاتل والمقتول، فأصابوا الجزار وبيده السكين وهو ملوث بالدم والرجل مقتول في الخربة، فقبضوه وحملوه إلى السلطان فقال له السلطان: أنت قتلت الرجل؟ قال: نعم! فما زالوا يستنطقونه وهو يعترف اعترافا لا إشكال فيه، فأمر به السلطان ليقتل فاخرج للقتل، واجتمعت الأمم ليبصروا قتله، فلما هموا بقتله اندفع رجل من الحلقة المجتمعين وقال: يا قوم لا تقتلوه فأنا قاتل القتيل! فقبض وحمل إلى السلطان فاعترف وقال: أنا قتلته! فقال السلطان قد كنت معافى من هذا فما حملك على الاعتراف؟ فقال: رأيت هذا الرجل يقتل ظلما فكرهت أن ألقى الله بدم رجلين، فأمر به السلطان فقتل ثم قال للرجل الأول: يا أيها الرجل ما دعاك إلى الاعتراف بالقتل وأنت بريء؟ فقال الرجل: فما حيلتي رجل مقتول في الخربة وأخذوني وأنا خارج من الخربة وبيدي سكين ملطخة بالدم، فإن أنكرت فمن يقبلني وإن اعتذرت فمن يعذرني؟ فخلى سبيله وانصرف مكرما.
ولما وزر فخر الملك بن نظام الملك لسنجار الملك، وكان لفخر الملك ابن عم يقال له شهاب الملك، وكان يخاف منه على منزلته فقال فخر الملك لسنجار: لا حياة لي معك إلا أن تقتل ابن عمي شهاب الملك! فأبى سنجار فما زال يراجعه إلى أن أمر به فحبس في بلد يقال لها بيهوا، وكان والي ذلك البلد يكرمه لجلالته وجلالة أهل بيته، وأخلى له دارا في القلعة مشرفة. ثم جعل فخر الملك يفسد قلب سنجار ويحمله على قتل شهاب الملك إلى أن أرسل سنجار إلى واليه بقتل شهاب الملك فاستعظم الوالي قتله وأخره أياما، ثم لم يجد بدا من قتله فعزم على قتله في يوم الجمعة، فبينا شهاب الملك يتطلع من طاقات الدار إذا بفارس يركض، فأوجس في نفسه خيفة منه وقال: هذا يريد يقتلني! فوصل الفارس وقال: مات فخر الملك. فخلى سبيل شهاب الملك، وزرا سنجار مكان فخر الملك، فسبحان الفعال لما يريد.
وأخبرني أبو الفضل المعتز بمصر قال: كان بمصر ملوك آل حمدان وكان الرئيس ناصر الدولة، وكان يشكوا وجع القولنج فأعي الأطباء ولم يوجد له شفاء. ثم إن السلطان دس على قتله فأرصد له رجلا معه خنجر، فلما جاء في بعض دهاليز القصر وثب عليه الرجل وضربه بالخنجر، فجاءت الضربة أسفل من خاصرته فأصاب طرف الخنجر المعاء الذي فيه القولنج، فخرج ما فيه من الخلط ثم عافاه الله تعالى وصح وبرئ كأحسن ما كان.
ولقد كنت بالإسكندرية ونزلت سفن العدو وبساحل مدينة برقة، فأخذوا مركبا للمسلمين وقتلوا بعضهم وأسروا بعضهم، فأخذ رجل منهم وشد كتافه من خلفه فلما انتهبوا السفينة عمد إليه بعض الأعلاج فرفسه فألقاه في البحر وطعنه برمح كان معه، فلم يخط نصل الرمح حبل الكتاف فقطعه، وانحلت يد الرجل فسبح حتى لحق بالساحل سليمًا ووصل للإسكندرية في عافية.
وحدثني بعض الشاميين أن رجلا خبازا بينما هو يخبز في تنوره بمدينة دمشق، إذا عبر رجل يبيع المشمش قال فاشترى منه وجعل يأكله بالخبز الحار، فلما فرغ سقط مغشيا عليه فنظروه فإذا هو ميت، فجعلوا يتربصون به ويحملون إليه الأطباء فيلتمسون دلائله ومواضع الحياة منه، فقضوا بأنه ميت فغسل وكفن وحمل إلى الجبانة. فلما خرجوا به من باب المدينة استقبلهم رجل طبيب يقال له البيرودي، وكان طبيبا ماهرا حاذقا بالطب، فسمع الناس يلهجون بقصته فقال لهم: حطوه حتى أبصره قال: فحطوه وجعل يقلبه وينظر في أمارات الحياة التي يعرفها، ثم فتح فمه وسقاه شيئا وقال: حقنة حقنة. فاندفع ما هنالك يسيل وإذا الرجل قد فتح
[ ١٦٦ ]
عينيه وتكلم وعاد كما كان إلى دكانه.
وكان الرجل يمشي ببغداد فبينما هو يمشي في الطريق وإذا بدار قد وقعت عليه فخرت كالجبل العظيم، وإذا في الحائط طاقة فما أخطأت رأسه، وصارت الدار كوما وخرج الرجل من الطاقة سالما. وحدثني أبو القاسم الحضرمي قال: كنت باليمن في أرض آل الصليحي، فوشى بي واش إلى السلطان فأمر بقتلي، فأخرجت وقدمت للقتل وبركني السياف ثم قال: مد لي رقبتك! فمددت عنقي لقضاء الله ﷿. فقال لي السياف: اشتد! قلت: دونك يا هذا فبينما نحن كذلك إذا بصائح من داخل القصر: لا تقتلوه. فخلوا سبيلي.
وجرت بقرطبة قصة غريبة في أيام المنصور ابن أبي عامر، وذلك أن رجلًا يعرف بقاسم بن محمد الشبليشي شهد عليه بالزندقة، فحبسه المنصور مدة مع جماعة من الأدباء وكلهم معروفون بالإنهماك والزندقة، وكانوا من وجوه قرطبة، وكان ينادي عليهم في كل جمعة يوقفون في أثر الصلاة بباب الجامع الأعظم، من كانت عنده شهادة فيهم فليؤدها، فثبت على قاسم عند القاضي سجل بشهادات الشهود بأنواع منكرة، تتضمن الزندقة والكفر، فطلعوا إلى القصر وعقد مجلس عظيم واستفتى الفقهاء فيه فأوجبوا قتله. فأشخص قاسم فحضر وحضر أبوه واستحضر ابنان صغيران لقاسم، ولبسوا ثياب الحداد وحمل أبوه معه نعشًا وحمالين، وجعل أبوه والصبيان يبكون على باب القصر، وأحضر لضرب رقبته سياف يعرف بابن الحبشي، ودفعت له أسياف من القصر فجعل يروزها ويلمس شفارها وأبوه وابناه ينظرون إليه.
فاتفق حضور أبي الفقيه عمرو الإشبيلي على كره منه وكان يأبى الحضور فاستفتوه فقال: يا هؤلاء إن الدماء لا تسفك إلا بالحق الواضح دون الشبه، احسبوا بن الشبليشي فروجًا بماذا تذبحوه؟ فقال القاضي ابن السري: بما ثبت عندي وأمعنت النظر فيه، فقال الفقيه: أوقفني عليه فأوقفه عليه فقال: أخبرني بمن تقتله من هؤلاء الشهود؟ فقال: بهذا وهذا حتى عد خمسة. فقال الفقيه: فبجميعهم تقتله؟ قال: نعم. قال: فلو شهد منهم اثنان خاصة أكنت تقتله؟ قال: لا إنما قوى بعضهم بعضًا وزكى أكثرهم عندي. فالتفت الفقيه إلى الفقهاء المشاورين فقال: يا هؤلاء بالدعائم تقتل المسلمون عندكم وتسفك دماؤهم، فلست أرى قتله ولا أشير به! فرجع الفقهاء إلى قوله ولم يردوا عليه شيئًا بعدما أفتوا بقتله منذ ستة أشهر، فأنفض الجمع وشيم السيف فذهب البشير إلى ابن أبي عامر فأخبره بالمجلس، فقال ابن أبي عامر: مضيتم تقتلون ابن الشبليشي فدفنتم القاضي، قد استشهدنا للدين ولا قاتل لمؤجل، فحبس أيامًا ثم أطلق فكان ابن ذكوان الفقيه يقول للقاضي في مثل هذا قال القائل: إذا سئلت بماذا عرفت الله تعالى؟ قال: بنقضه عزائمي. ومعنى الدعائم على لسان الفقيه هم الشهود الذين لو انفرد منهم اثنان لم يثبت الحكم بهما ولا يقبلا فيه. فإذا كثروا قوى بعضهم بعضًا فلا يثبت الحكم بهم.
وفي نقيض هذا حدثنا القاضي أبو مروان الداني بطرطوشة، وقد ولي قضاءها فتذكرنا يومًا فقال: نزلت قافلة بقرية خربة من أعمال دانية، فأووا إلى دار خربة هناك ليستكنوا فيها من الرياح والأمطار، فاستوقدوا نارهم وسووا عيشهم وقرب تلك الدار حائط مائل قد أشرف على الوقوع، فقال رجل منهم لأهل القافلة: يا هؤلاء لا تقعدوا تحت هذا الحائط ولا تدخلوا هذه البقعة. فأبوا إلا دخلوها وبات الناهي متبرئًا خارجًا عنهم لم يقرب ذلك المكان، ثم أصبحوا في عافية وحملوا دوابهم، فبينما هم كذلك إذ دخل الرجل المحذر الدار ليصطلي ببقية النار فخر الحائط عليه فمات مكانه.
وبلغني عن بعض الفقهاء أن جيشًا من الجيوش كان
[ ١٦٧ ]
بجزيرة صقلية ناهضًا من مكان إلى مكان فقعدوا ساعة لبعض شأنهم، فإذا عقرب تدب فضربها بعض الأجناد بمقرعة كانت معه ثم رفع المقرعة إلى نحو عنقه، فإذا بالعقرب قد تشبثت بأهداب المقرعة وهو لا يشعر فلدغته في عنقه فقضى مكانه.
وأخبرني القاضي أبو الوليد الباجي عن أبي ذر قال: كنت أقرأ على الشيخ أبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين ببغداد جزءًا من الحديث في حانوت رجل يبيع العطر، فبينا أنا جالس معه في الحانوت إذ جاءه رجل من الطوافين ممن يبيع العطر في طبق يحمله على يده، فأعطاه عشرة دراهم وقال له: ادفع إلي أشياء سماها من العطر، فأخذها في طبقه ومضى فسقط الطبق من يده فتفرق جميع ما كان فيه. فبكى الطواف وجزع حتى رحمناه فقال أبو حفص لصاحب الحانوت: لعلك تجبر له بعض هذه الأشياء. فقال: نعم، ونزل فجمع ما يجتمع منها وجبر له بعض ذلك، فأقبل الشيخ على الطواف يصبره ويقول له: لا تجزع فأمر الدنيا أيسر من ذلك.
فقال الطواف: لا تظن أيها الشيخ أن جزعي لما ضاع، لقد علم الله تعالى مني أني كنت في القافلة الفلانية، فضاع لي هميان فيه أربعمائة دينار أو أربعة آلاف درهم، الشك من أبي ذر، ومعها فصوص قيمتها مثل ذلك فما جزعت لضياعها ولكن طلع لي الليلة مولود فاحتجت في البيت إلى ما تحتاج إليه النفساء، ولم يكن عندي غير هذه العشرة الدراهم فأشفقت أن أشتري بها حوائج النفساء، فأبقى بغير رأس مال ولا أقدر على التكسب، فقلت أشتري بها شيئًا وأطوف به صدر نهاري، فعسى أستفضل شيئًا أسد به رمق أهلي ويبقى رأس المال، أتصرف فيه فلما قدر الله ﷿ بضياعه جزعت فقلت: لا عندي ما أرجع به إليهم ولا ما أكتسب به، وعلمت أنه لم يبق لي إلا الفرار منهم، وإن تركتهم على هذه الحالة يهلكون بعدي، فهذا الذي أوجب جزعي.
قال الشيخ أبو ذر: وكان رجل من شيوخ الجند جالسًا على باب دار يستوعب الحديث، فقال للشيخ أبي حفص: أنا أرغب إذا أتممتم أمره أن تدخل معه عندي، وقام فظننا أنه يريد أن يعطيه شيئًا. قال: فدخلنا عليه فأذن لنا فقال الجندي للطواف: لقد عجبت من جزعك فأعد علي قصتك، فأعاد عليه فقال الجندي: وكنت في تلك القافلة؟ قال: نعم وكان بها من أعيان الناس فلان وفلان، فعلم الجندي صحة قوله فقال له: وما علامة الهميان وفي أي موضع سقط منك؟ فوصف له المكان والعلامة. فقال له الجندي: لو رأيته كنت تعرفه؟ قال: نعم. فأخرج الجندي هميانًا ووضعه بين يديه فقال: هذا همياني وعلامة صحة قولي أن فيه من الأحجار ما صفته كذا وكذا، ففتح الهميان فوجد الأحجار على ما ذكر فقال الجندي: خذ مالك بارك الله لك فيه! فقال الطواف: هذه الأحجار قيمتها مثل الدنانير وأكثر، فخذ أنت الدنانير فنفسي طيبة بذلك! فقال الجندي: ما كنت لآخذ على أمانتي شيئًا فدخل الطواف وهو من الفقراء وخرج وهو من الأغنياء، ثم بكى الجندي بكاء شديدًا وانتحب فقال له أبو حفص: على علام تبكي، وقد أدى الله تعالى أمانتك وقد بذل لك مالًا كثيرًا، وإن شئت عرضنا عليه أن يعيده عليك؟ فقال ما أبكي لذلك وإنما أبكي لأني أعلم أنه قد حان أجلي وأنه ما بقي لي أمل أؤمله ولا أمنية أتمناها إلا أن يأتيني الله بصاحب هذا الهميان فيأخذ ماله، فلما قضى الله ﷿ ذلك بفضله ولم يبق لي أمل علمت أنه قد حان أجلي. قال الشيخ أبو ذر: فما انقضى شهر حتى توفي الرجل وصلينا عليه.
قال القاضي: وحدثني أبو القاسم بن حبيش بالموصل قال: لقد جرت هاهنا في هذه الدار وهذا الحانوت، وأشار إليهما قصة عجيبة. كان يسكن هذه الدار رجل من التجار ممن يسافر إلى الكوفة في تجارة الخز، فبينما هو يحمل الخز في خرجه على حماره وفيه جميع ماله إذ نزلت القافلة، فأراد إنزاله عن الحمار فثقل عليه فأمر إنسانًا
[ ١٦٨ ]
هناك فأعانه على إنزاله ثم جلس ليأكل، فاستدعى ذلك الرجل ليأكل معه فأجابه وأكل معه، ثم سأله عن حاله فأخبره أنه رجل خرج من الكوفة لأمر أزعجه دون زاد، فقال له الرجل: كن رفيقي وتعينني على سفري ويكون طعامك عندي. فقال الرجل: أني حريص على خدمتك محتاج إلى طعامك. فسار معه في طريقه فخدمه على أحسن حال حتى وصلا تكريت، فنزلت الرفقة خارج المدينة ودخلت الناس لقضاء حوائجهم.
فقال الرجل للخادم: أحفظ رحلنا حتى أدخل فأقضي حاجتنا ثم دخل وقضى حوائجه فأبطأ هناك ثم خرج فلم يجد الرفقة ولا وجد صاحبه، فظن أنه لما رحلت الرفقة رحل معهم فلم يزل يسعى حتى وصل الرفقة بعد الجهد، فسألهم عن حماره وصاحبه فقالوا: ما جاء معنا ولا رأيناه ولكنه وضع الأسباب على الحمار ودخل المدينة على أثرك وظنناك أمرته بذلك. فكر الرجل راجعًا إلى تكريت فلم يجد له أثرًا ولا وقع له على خبر، فيئس منه وسار إلى الموصل مسلوب المال فوافاها نهارًا جائعًا عريانًا فقيرًا مجهودًا، فاستحى أن يدخل نهارًا فيشمت العدو ويحزن الصديق، فبقي حتى أمسى ثم دخل فدق باب داره فقيل له: من هذا؟ فقال: فلان، يعني نفسه. فأظهروا سرورًا عظيمًا لحاجتهم إليه وقالوا: الحمد لله الذي جاء بك في هذا الوقت على ما نحن فيه من الضرورة والحاجة والفاقة، حملت جميع مالك وطال سفرك واحتاج أهلك وهي نفساء قد ولدت لك في هذا اليوم ولدًا، والله وجدنا ما نشتري به شيئًا للنفساء، ولقد كانت هذه الليلة طاوية على حالها، فتحيل لنا على دقيق ودهن وتسرج به علينا فلا سراج عندنا فزاده ذلك غمًا وكره أن يخبرهم بحاله فيحزنهم وأخذ وعاء للدهن وجرابًا للدقيق وخرج إلى هذا الحانوت، وكان فيه رجل يبيع الدقيق والزيت والعسل ونحوه، وقد أغلق دكانه وأطفأ مصباحه ونام، فناداه فأجابه وعرفه وشكر الله على سلامته.
فقال التاجر لصاحب الحانوت: اقدح زنادًا أزن لك الدراهم في دقيق وزيت وعسل احتجت إليه الساعة، وكره أن يخبره بتأخير الثمن فيمتنع منه، فقدح البياع للزناد واستصبح فقال له التاجر: زن لي من الدقيق كذا ومن الزيت كذا، ومن العسل كذا ومن السمن كذا ومن الملح كذا ومن الحطب كذا، ما يرمق به الحال تلك الليلة.
فبينما هو كذلك إذ حانت منه التفاتة إلى قعر الحانوت فرأى فيه خرجه الذي هرب به صاحبه، فلم يملك أن وثب إليه والتزمه وألقى يده في أطواق صاحب الحانوت وجذبه إلى نفسه وقال له: يا عدو الله أين مالي؟ فقال له صاحب الحانوت: يا فلان؟ فوالله ما علمتك متعديًا ولا أعلم أني جنيت عليك ولا على سواك فما هذا؟ قال: خرجي فر لي به خادم خدمني بجميع مالي وبحماري! فقال له: ما لي علم غير أن رجلًا ورد علي بعد العشاء واشترى مني عشاؤه وأعطاني هذا الخرج، فجعلته في حانوتي وديعة وهذا الحمار في دار جارنا الرجل والرجل في المسجد نائم.
فقال له: احمل معي الخرج وامض معي إلى الرجل، فرفع الخرج معه وألقاه على عاتقه ومشى معه إلى المسجد، وإذا الرجل نائم في المسجد فرفسه برجله فقام الرجل مذعورًا فقال له: ما لك؟ فقال: أين مالي يا خائن؟ فقال: هو ذا على عاتقك والله ما تغادر منه ذرة! قال: فأين الحمار؟ قال هو عند ذا الجائي معك. فنهض إلى داره فوجد متاعه سليمًا واستخرج الحمار من الموضع الذي كان فيه، ووسع على أهله وأخبرهم بقصته فازدادوا فرحًا وسرورًا وتبركًا بذلك المولود.
ولما وفى موسى ﵊، لصهره شعيب ﵊، الأجل الذي أجلاه لرعي موسى غنم شعيب ﵊ عوضًا عن مهر ابنته، أخذ موسى ﵊ زوجته وكر راجعًا من مدين، فلما وافى موسى الوادي المقدس عند جانب الطور أحبنهم الليل
[ ١٦٩ ]
بظلمته فأمسوا نائمين، فبينما هم كذلك إذ ضرب زوجته الطلق وكانت حاملًا، وليس عندهم ما تحتاج إليه النفساء من الغداء والدواء، وما يصلح به شأنهم فبقوا في ضيق من الحال وقلة من الحيلة، فخرج موسى ﵊ يلتفت وينظر يمينًا وشمالًا يلتمس فرجًا لما أمسوا فيه من الضرر، ﴿إِذْ رَأى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ (طه: ١٠) . فلما أتاها أضيق ما يكون ذرعًا وأحرجه قلبًا وأيئسه من رفق نودي من شاطئ الوادي الأيمن: ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ (القصص: ٣٠) .
وهكذا لطائف الحق ﷾ مع من سلم لأمره ورجا فضله وتكلم بالهدى والبشرى، يفسح الله تعالى له أمله ويعطيه فوق ما سأله: هذا موسى خرج يقتبس نارًا فنودي بالنبؤة. وعن هذا قال علماؤنا ليس في خصال الخير وإن جلت ولا في أنواع الأعمال وإن عظمت أعلى من حسن الظن بالله تعالى؛ ونظمه بعض الشعراء فقال:
أيها العبد كن لما لست ترجو
من نجاحٍ أرجى لما أنت راجي
إن موسى مضى ليقبس نارًا
من شعاع قد لاح والليل داجي
فأتى أهله وقد كلم الل
هـ وناجاه وهو خير مناجي
وروي أن العدو نزل بساحل إفريقية في عدد كثير من المراكب ففني ماؤهم وعطشوا وأيقنوا بالهلاك، فنفر المسلمون إليهم في عدد كثير من تلك الحصون والسواحل، فمنعوهم النزول لاستقاء الماء، فأرسلوا إلى المسلمين أن يخلوهم لاستقاء الماء فأبوا، فتضاعف عطشهم حتى كادوا يهلكون، ففتحوا أناجيلهم ونشروا صلبانهم وأخذوا في الدعاء والاستسقاء والتضرع إلى الله تعالى، فلم يلبثوا أن أرعدت والتفت السماء بأرزاقها ثم انجلت وأرخت ماء كثيرًا، فبسط القوم أنطاعهم وجفانهم وآلتهم فشربوا وملئوا أوانيهم، فضج المسلمون عند ذلك وقالوا: هؤلاء كفار أعداء الله ورسوله قد أخلصوا إلى ربهم وأنابوا إليه وسألوه ما يحيون به رمقهم، فأغاثهم فنحن أحق بالدعاء والتضرع إلى الله ﷾ وأولى بالإجابة منهم. فأخذ المسلمون في الدعاء والابتهال والصلاة إلى الله ﷿ في أن يريهم آية تقوى بها قلوب الضعفاء، ويزيد شكر أهل المعرفة والأولياء، فبينما هم كذلك إذ أرسل الله تعالى عليهم ريحًا فبددتهم ومزقتهم كل ممزق، وكسرت مراكبهم ولم يجتمع منهم اثنان.
ومن عجائب صنع الله تعالى في هذا الباب أن رجلًا من ديار بكر جاء إلى بيت المقدس، وزار قبر الخليل ﵇ وأكل من ضيافته، فطارت حبة عدسة من الطعام في خيشومه ورام خروجها بكل حيلة، فأعجزته حتى تركته مضنى ثم رجع إلى بلاده، فبينما هو جالس إذ عطس فطارت العدسة في الأرض، فإذا طائر قد التقطها لوقتها وبرئ الرجل، فسبحان من جعل أنف هذا الرجل حرزًا لقوت هذا الطائر على بعد الشقة وطول المدة، وكان ذلك سببًا لبرئه.
وأما أنا فلما هممت بالرحيل من بلدي إلى المشرق في طلب العلم، وكنت لا أعرف التجارة ولا لي حرفة أرجع إليها، فجزعت من الخروج وكنت أقول: إني إن ذهبت نفقتي ماذا أفعل؟ وكان أقوى الآمال في نفسي أن أحفظ البساتين بالأجرة وأدرس العلم بالليل، ثم استخرت الله تعالى فرحلت وكانت معي نفقة وافرة في همياني على وسطي، وكنت أسمع المسافرين يقولون: من نام بالليل في الفيافي ومعه نفقته على وسطه فليحلها، فإن اللصوص إذا كاثرت الخلق يبتدرون أوساطهم. فخرجت من بلاد السويدية إلى أنطاكية وهي إذ ذاك حرم للروم،
[ ١٧٠ ]