فأول ذلك أنك إذا نظرت إلى تغيير أشكالك وتبدل صورتك، واحمرار وجهك وانتفاخ أوداجك وذهاب حيائك، وسقط كلامك وفحش ما يخرج من فيك، لأمسكت عن الغضب. وطالما كنت تستحي أن تتكلم بين الجلساء باليسير الجائز فعدت تهدر بالكثير الفاحش، ولو أن من غضب تذكر إذ صحى وسكن غضبه انقلاب صورته وتغيير وجهه، واضطراب شفتيه وارتعاد أطرافه وسقط كلامه وفحوى خطابه، والتفاف لسانه وخفة عقله وطيشه وثوبه من مجلسه كأنه نمر، وسرعة التفاته يمينًا وشمالًا كأنه قرد، وعدم فهمه لما يسمع كأنه بهيمة،، وقلة التفاته إلى من يعظه وينصحه كأنه أحمق. ومن شؤم الغضب وعظيم بليته أنه قد يقتل النفوس ويسلب الروح.
وكان سبب موت الوليد بن عبد الملك أنه وقع بينه وبين أخيه سليمان كلام، فعجل عليه سليمان بأمر يلحق أمه ففتح فاه ليجيبه، وإذا بجنبه عمر بن عبد العزيز فأمسك على فيه ورد كلمته، وقال: يا ابن عبد الملك، أخوك وابن أمك وله السبق عليك! فقال: يا أبا حفص قتلتني! قال: وما صنعت بك؟ قال: رددت في جوفي أحر من الجمر! ومال لجنبه فمات.
ولعمري إنه قد يزيد على الجفاء. ومنها أن ينتقل عن الحالة التي كان عليها إلى غيرها. كانت الفرس تقول: إذا غضب القائم فليجلس، وإذا كان جالسًا فليقم، وهذا المذهب كان يؤخذ المأمون به. ويروى أن رجلًا شكى إلى النبي ﷺ القسوة فقال: اطلع في القبور واعتبر بالنشور. وكان بعض ملوك الطوائف إذا غضب ألقى بين يديه مفاتيح ترب الملوك، فيزول غضبه. وكان عكرمة يقول في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (الكهف: ٢٤)، يعني إذا غضبت، فإنه إذا ذكر الله خاف منه فيزول غضبه.
وفي التوراة مكتوب: يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، ولا أمحقك فيمن أمحق. ومنها أن يذكر نفرة القلوب عنه وسقوط منزلته عند أبناء جنسه، ووصفهم لقبائحه وطيشه وسخفه، فيكون ذلك سببًا لزوال غضبه. ومنها أن يتذكر انعطاف القلوب وانطلاق الألسنة بالثناء عليه وميل النفوس إليه، وإن الحلم عز وزين وأن
[ ٨٧ ]
السفه ذل وشين. وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ما ازداد رجل بعفو إلا عزًا، فاعفوا يعزكم الله. وقال بعض الحكماء: من تذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباده. وكتب بعض ملوك الفرس كتابًا ودفعه إلى وزيره وقال له: إذا غضبت فناولنيه. وفيه مكتوب: ما لك والغضب إنما أنت بشر، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء! وكان معاوية كثيرًا ينشد:
إنا إذا مالت دواعي الهوى
وأنصت السامع للقائل
واعتلج الناس بألبابهم
نقضي بحكم عادل فاضل
نخاف أن تسفه أحلامنا
فيحمل الدهر على الحامل
وقال بعض الحكماء: إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذلة العذر. وقال الشاعر:
وإذا ما اعترتك في الغضب الع
زة فاذكر مذلة الاعتذار
وقال آخر:
زررنا على غير الفواحش قمصنا
ولم نستجز إلا الذي هو أجوز
وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي إلا عفوت عني! فعفا عنه لما ذكره قدرة الله تعالى عليه. وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أسارى بني الأشعث: إن الله أعطاك ما تحب من الظفر، فأعط الله ما يحب من العفو. وقال المأمون لعمه إبراهيم بن المهدي، وكان مع أخيه عليه: إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك، إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل لألزم حرمتك! فقال: يا أمير المؤمنين، إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو، فإن عاقبت فلك نظير وإن عفوت فلا نظير لك! وأنشأ يقول:
البر منك وطي العذر عندك لي
فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتج عندك لي
مقام شاهد عدل غير متهم
وقال بعض الحكماء: الغضب على من لا تملك عجز وعلى من تملك لؤم. ومنها أن يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذلة الانتقام، وشرع القصاص في بدنه بين يدي من لا يرحمه، فإن ذلك مما يزعه عن الغضب.