ومن أعجب العجاب دوام الملك مع الكبر والإعجاب! اعلموا أن الكبر والإعجاب يسلبان الفضائل ويكسبان الرذائل، لأن الكبير يكون بالمنزلة والعجب يكون بالفضيلة، والمتكبر يجل نفسه عن رتبة المتعلمين، والمعجب يستكثر فضله عن استزادة المتأدبين، وحسبك من رذيلة تمنع من استماع النصح وقبول التأديب، فالكبر يكسب المقت ويمنع من التألف، وكل كبر ذكره الله تعالى في القرآن فمقرون بالشرك، ولذلك قال النبي ﷺ للعباس: أنهاك عن الشرك بالله والكبر كأنه يحتجب في تعصب منهما. وقال أزدشير بن بابك: ما الكبر إلا فضل حمق لم يدر صاحبه أين يذهب به فصرفه إلى الكبر. وقال الأحنف بن قيس: ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه، ولم تزل الحكماء تتحامى الكبر وتأنف منه. قال الشاعر:
فتى كان عذب الروح لا من خصاصة ولكن كبرًا أن يقال به كبر!
ونظر أفلاطون إلى رجل جاهل معجب بنفسه فقال: وددت أني مثلك في ظنك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة. وقالت الحكماء: وقد يدوم الملك مع معظم النقائص، فرب فقير ساد قومه ورب أحمق ساد قبيلته. منهم الأقرع بن حابس الذي قال فيه النبي ﷺ: ذلك الأحمق المطاع وقالوا: لا يدوم الملك مع الكبر، وحسبك من رذيلة تسلب السيادة. وأعظم من ذلك أن الله تعالى حرم الجنة على المتكبرين، فقال ﷾: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ (القصص: ٨٣)، فقرن الكبر بالفساد فمنعنا من دخول الجنة. وقال ﷿: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (الأعراف: ١٤٦) .
وقال بعض الحكماء: ما رأيت متكبرًا إلا تحول داؤه في عيني أني أتكبر عليه. واعلم أن الكبر يوجب المقت، ومن مقته رجاله لم يستقم حاله، ومن أبغضته بطانته كان كمن غص بالماء، ومن كرهته الحماة تطاولت إليه الأعداء. وأما الإعجاب فيحمله على الاستبداد بالرأي وترك مشاورات الرجال. ومن الصفات التي لا تقوم معها المملكة: الكذب والغدر والخبث والجور والسخف. وقال حكماء العرب والعجم: ست خصال لا تغتفر من السلطان: الكذب والخلف والحسد والجراءة والبخل والجبن، فإنه إذا كان كذابًا لم يوثق بوعده ولا بوعيده، فلم يرج خيره ولم يخف شره، ولا بهاء لسلطان لا يرهب. وقالت الحكماء: خراب البلاد وفساد العباد مقرونان بإبطال الوعد والوعيد من الملوك.
والكذب أسقط
[ ٥٦ ]
الأخلاق وأغلب شيء على صاحبه، وأحرى أن لا ينزع عنه لضراوته. وقيل لأعرابي: لم لا تكذب؟ قال: لو تعززت به ما تركته وهو نوع من الفحش وضرب من الدناءة، وأصله استعذاب المنا وهو أضغاث فكر الحمقى. ومن بليته أنه يحمل على صاحبه ذنب غيره، وإذا سمعت كذبة طائحة نسبت إليه. وقال الشاعر:
حسب الكذوب من المها نة بعض ما يحكى عليه
فإذا سمعت بكذبة من غيره نسبت إليه
وقال غيره:
لا يكذب المرء إلا من مهانته أو عادة السوء أو من قلة الأدب
لبعض جيفة كلب خير رائحة من كذبة المرء في جد وفي لعب
ولآخر:
لي حيلة فيمن ينم وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة
ومما روي أن قيصر ملك الروم كتب إلى كسرى أنوشروان في آخر كتاب: أخبرني بم دام لك الملك؟ فأجابه: دام الملك بست خصال: ما هزلنا في أمر ولا نهي، وما كذبنا في وعد ولا وعيد، وما قابلنا إلا على قدر الذنب لا على قدر غضبنا، واستخدمنا ذوي العقول، وولينا ذوي الأصول، وفضلنا على الشباب الكهول. فلما قرأها قيصر قام وقعد ثلاث مرات وقال: يحق لمن كانت هذه سياسته أن تدوم له رياسته. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ (النحل: ١٠٥) .
وأما الحسد فإنه إذا كان حسودًا لم يشرف أحدًا، وإذا ضاعت الأشراف هلكت الأتباع ولا تصلح الناس إلا على أشرافهم. وقال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وأما البخل فإذا كان بخيلًا لم يناصحه أحد ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة، وليس للملك أن يبخل لأن بيوت الأموال في يديه. وأما الجبن فإنه إذا كان جبانًا اجترأ عليه عدوه وضاعت ثغوره، وإذا كان جريئًا غضوبًا والقدرة من ورائه هلكت الرعية. وليس للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته. ولما دخل أسقف نجران على مصعب بن الزبير فكلمه بشيء أغضبه، ضرب وجهه بالقضيب فأدماه، فقال الأسقف: إن شاء الأمير أخبرته بما أنزل الله تعالى على عيسى ﵇ فلا يغضب بعدها. قال: هات! قال: لا ينبغي للإمام أن يكون سفيهًا ومنه يلتمس الحلم، ولا جائرًا ومنه يلتمس العدل.
وقال الأوزاعي: يهلك السلطان بالإعجاب والاحتجاب. فأما الإعجاب فقد ذكرناه، وأما الاحتجاب فهو أدخل الخلال في هدم السلطان وأسرعها خرابًا للدول، فإنه إذا احتجب السلطان فكأنه قد مات، لأن الحجب موت حكمي فتعبث بطانته بأرواح الخلائق وحريمهم وأموالهم، لأن الظالم قد أمن أن لا يصل المظلوم إلى السلطان. ومعظم ما رأينا في أعمارنا وسمعنا من دخول المفاسد على الملوك في حجبهم عن مباشرة الأمور، ولا تزال الرعية ذا سلطان واحد ما وصلوا إلى سلطانهم، فإذا احتجب فهناك سلاطين كثيرة.
يا أيها المغرور المحتجب، احتجبت عن الرعية بالحجاب والأبواب، وجعلت دونهم جبالًا مشيدة وحظائر بالحجارة والماء والطين مانعة، وباب الله مفتوح للسائلين ليس هناك حاجب ولا بواب. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٥٧) . وقال معاوية: ليس بين أن يملك السلطان رعيته أو تملكه إلا الحزم أو التواني، وكماله أمران: شدة في ير إفراط ولين في غير امتهان. وسئل بزرجمهر: أي الملوك أحزم؟ فقال: من ملك جده هزله وقهر لبه هواه، وأعرب عن ضمير فعله، ولم يخدعه رضاه عن سخطه ولا غضبه عن كيده. وقال بعض الحكماء: زوال الدول في اصطناع بعض السفل، ومن طال عدوانه زال سلطانه. وقالوا: من لم يستظهر باليقظة لم تنفعه الحفظة. وقال يحيى بن خالد: أحسن ما وجدت في طراز الحكم من البلاغة: البخل والجهل مع التواضع خير من السخاء والعلم مع الكبر. فيا لها حسنة غطت على سيئتين، ويا لها
[ ٥٧ ]
سيئة غطت على حسنتين!