قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (صّ: ٢٦) . جاء في التفسير: من اتباع الهوى أن تحضر الخصمين بين يديك، فتود أن يكون الحق للذي لك منه خاصة، وبهذه الخصلة سلب سليمان بن داود ملكه؛ قال ابن عباس: كان الذي أصاب سليمان بن داود ﵉ أن ناسًا من أهل جرادة امرأته، وكانت من أعز نسائه عليه، تحاكموا إليه مع غيرهم فأحب أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدًا. ومن ذلك آية الملوك التي أنزلها الله تعالى في السلاطين لما اقتضته من السياسة العامة التي فيها بقاء الملك وثبوت الدول. قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: ٤٠) . ثم سمى المنصور وأوضح شرائط النصر فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا﴾ (الحج: ٤١) . فضمن الله تعالى النصر للمملوك وشرط عليهم أربع شرائط كما ترى، فمتى تضعضعت قواعدهم أو انتقض عليهم شيء من أطراف ممالكهم، أو ظهر عليهم عدو أو باغي فتنة أو حاسد نعمة، أو اضطربت عليهم الأمور أو رأوا أسباب الغير فليلجئوا إلى الله تعالى، ويستجيروا من سوء أقداره بإصلاح ما بينهم وبينه ﷾، بإقامة الميزان بالقسط الذي شرعه الله تعالى لعباده، وركوب سبيل العدل والحق الذي قامت به السماوات والأرض، وإظهار شرائع الدين ونصر المظلوم والأخذ على يد الظالم، وكف يد القوي عن الضعيف ومراعاة الفقراء والمساكين، وملاحظة ذوي الخاصة
[ ٣٩ ]
والفقراء المستضعفين، وليعلموا أنهم قد أخلوا بشيء من الشروط الأربع التي شرطت في النصر.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع مكلكم مسؤول عن رعيته، فجعل النبي ﷺ كل ناظر في حق غيره راعيًا له. واللفظ مأخوذ من الرعاية والمراعاة، فماذا تقدم لرعاية غيره من يأكله فهو الهلاك كما قال الشاعر:
وراعي الشاء يحمي الذئب عنها
فكيف إذا الذئاب لها رعاء؟
وروى مسلم في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ما من امرئ يلي أمر المسلمين، ثم لم يجتهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة. وقال معقل بن يسار: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من عبد استرعاه الله تعالى رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة. وروى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة! وقال أبو ذر: قلت أمرني رسول الله. قال: إنها أمانة وإنها حسرة وندامة يوم القيامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.
وروى البخاري أن النبي ﷺ قال: تجدون من خير الناس أشد الناس كراهة لهذا الأمر حتى يقع فيه. وفي الحديث: من ولي من أمر المسلمين شيئًا ثم لم يحطهم بنصحه كما يحوط أهل بيته، فليتبؤ مقعده من النار. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث إلى عاصم أن يستعمله على الصدقة، فأبى وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كان يوم القيامة يؤتى بالوالي فيقذف على جسر جهنم، فيأمر الله ﷾ الجسر فينتفض به انتفاضة فيزول كل عظم منه عن مكانه، ثم يأمر الله تعالى العظام فترجع إلى أماكنها ثم يسائله، فإن كان لله تعالى مطيعًا أخذ بيده وأعطاه كفلين من رحمته، وإن كان لله تعالى عاصيًا خرق به الجسر فهوى به في جهنم مقدار سبعين خريفًا. فقال عمر: سمعت من النبي ﷺ ما لم أسمع؟ قال: نعم. وكان سلمان وأبو ذر حاضرين، فقال سلمان: إي والله يا عمر! ومع السبعين سبعون خريفًا في واد يلتهب التهابًا. فقال عمر بيده على جبهته: إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن يأخذ بما فيها؟ فقال سلمان: من سلب الله أنفه وألصق خده بالأرض.
وروي أن العباس قال: أمرني يا رسول الله فأصيب وأستريش. فقال له: يا عباس يا عم النبي، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، ألا أحدثكم عن الإمارة؟ أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها حسرة يوم القيامة. وروى أبو داود في السنن قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إن أبي عريف على الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العرافة من بعده. فقال النبي ﷺ: العرفاء في النار! وروى الساجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال لي النبي ﷺ: أشد الناس عذابًا يوم القيامة الإمام الجائر.
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: سمعت رسول الله النبي ﷺ يقول: ليس من وال ولا قاض إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله تعالى على الصراط، ثم تنشر الملائكة سيرته فيقرؤنها على رؤوس الخلائق، فإن كان عدلًا نجاه الله تعالى
[ ٤٠ ]
بعدله، وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضة صار بين كل عضو من أعضائه مسيرة سنة، ثم ينخرق به الصراط فما يلقى قعر جهنم إلا بحر وجهه. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: إن القاضي لينزل في جهنم في مزلقة أبعد من عدن. وقالت عائشة ﵂: سمعت النبي ﷺ يقول: يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يقض بين اثنين في تمرة.
وروى الحسن البصري أن النبي ﷺ دعا عبد الرحمن بن سمرة ليستعمله فقال: يا رسول الله خر لي. قال: اقعد في بيتك! وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: ليودن أقوام يوم القيامة لو وقعوا من الثريا ولم يكونوا أمراء على شيء، فكم من متخوض في مال الله ومال رسوله له النار غدًا يوم القيامة. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة: إمام ظالم غشوم وغالٍ في الدين مارق منه، وقال أبو هريرة ﵁: ما من أمير يؤمر على عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولًا نجاه عمله أو أهلكه. وقال طاوس لسليمان بن عبد الملك: هل تدري يا أمير المؤمنين من أشد الناس عذابًا يوم القيامة؟ قال سليمان: لا أدري. قال طاوس: أشد الناس عذابًا يوم القيامة من أشركه الله في ملكه، فجار في حكمه. فاستلقى سليمان على سريره وهو يبكي، فما زال يبكي حتى قام عنه جلساؤه.
وقال حذيفة بن اليمان: من اقتراب لساعة أن تكون أمراء فجرة وقراء كذبة وأمناء خونة، وعلماء فسقة وعرفاء ظلمة. وقال عبيد بن عمير: ما ازداد رجل من السلطان قربًا إلا ازداد من الله بعدًا، ولا كثرت أتباعه إلا كثرت شياطينه، ولا كثر ماله إلا كثر حسابه. وفي الحديث عن النبي ﷺ: القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل قضى بغير علم فهو في النار، ورجل قضى بعلم فجار فهو في النار، ورجل قضى بالحق فهو في الجنة؛ رواه يزيد عن النبي ﷺ وقال ابن سيرين: جاء صبيان إلى عبيدة السليماني يتخايرون إليه في ألواحهم فلم ينظر فيها، وقال: هذا حكم ولا أتولى حكمًا أبدًا، وتخاير غلمان إلى ابن عمر فجعل ينظر في كتابتهم فقال: هذا حكم ولا بد من النظر فيه.
والمصنفون يرسلون كتبهم حديثًا مرفوعًا رواه أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين. وفي أخبار القضاة أن قاضيًا قدم إلى بلد، فجاء رجل له عقل ودين فقال له: أيها القاضي أبلغك قول النبي ﷺ: من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين؟ قال: نعم. قال: فبلغك أن أمور المسلمين ضائعة في بلدنا فجئت تحيزها؟ قال: لا. قال: أفأكرهك السلطان على ذلك؟ قال: لا. قال: فاشهد أني لا أطأ لك مجلسًا ولا أؤدي عندك شهادة أبدًا. وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ قال في بعض خطبه: إن الملك إذا ملك زهده الله في ملكه ورغبه فيما في أيدي الناس، وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل ويسخط على الكثير، جدل الظاهر حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحا ظله، حاسبه الله فأشد حسابه وأقل عفوه.
وذكر السلطان أعرابي فقال: والله لئن عزوا في الدنيا بالجور لقد ذلوا في الآخرة بالعدل، وبقليل فإن رضوا من كثير باق، وإنما يكون الندم حيث لا ينفع الندم. وقال أبو بكر بن أبي مريم: حج قوم فمات صاحب لهم بأرض فلاة فلم يجدوا ماء. فأتاهم رجل فقالوا: دلنا على الماء، قال: احلفوا لي ثلاثة وثلاثين يمينًا أنه لم يكن صرافًا ولا مكاسًا ولا عريفًا ولا بريدًا، ويروى ولا عرافًا، وأنا أدلكم على الماء. فحلفوا له ثلاثة وثلاثين يمينًا، فدلهم على الماء. ثم قالوا: عاونا على غسله، قال: احلفوا لي ثلاثة وثلاثين يمينًا
[ ٤١ ]
كما تقدم ذكره، فحلفوا له فأعانهم على غسله، ثم قالوا: تقدم فصل عليه. قال: لا حتى تحلفوا لي أربعًا وثلاثين يمينًا كما تقدم، فحلفوا له فصلى عليه. ثم التفتوا فلم يروا أحدًا، فكانوا يرون أنه الخضر ﵇.
قال ابن مسعود ﵁: قال النبي ﷺ: أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًا أو قتله نبي، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين. وقال أبو ذر: قال لي النبي ﷺ: ستة أيام أعقل يا أبا ذر ما أقول لك. قال: فلما كان في اليوم السابع قال: أوصيك بتقوى الله في أمر سرك وعلانيتك، وإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحدًا وإن سقط سقوطك، ولا تأوين أمانة ولا تأوين يتيمًا ولا تقضين بين اثنين. وقال أبو ذر أيضًا: قال لي رسول الله ﷺ: يا أبا ذر أحب لك ما أحب لنفسي وإني أراك ضعيفًا فلا تتأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم.
وروى أبو ذر أيضًا قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي وقال: يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. وروى علي بن أبي طالب ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأنا حديث السن، فقلت: يا رسول الله إنك تبعثني إلى قوم شيوخ ذوي أسنان ولا علم لي بالقضاء. فقال: إن الله ﷾ هاد قلبك ولسانك، فإذا جلس الخصمان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنك إذا سمعت ذلك عرفت كيف تقضي.
فإن قال قائل: كيف نهى أبا ذر عن القضاء وأمر عليًا به مع ما فيه من التغرير، وما روي أن من قدم للقضاء فقد ذبح بغير سكين، وفيه البعد من حضرته وترك التيمن بمشاهدته وتعلم سننه وشرائع دينه والتخلق بأخلاقه وشيمه، وأيهما أفضل: المثول بين يديه والكون بحضرته ومشاهدته والصلاة خلفه أو القضاء في غيبته والبعد عنه؟ قلنا: إنما نهى أبا ذر عن القضاء لمعنى فيه يقصر به عن رتبة القضاء، مما كان ضده في علي ﵁ من استجماع شرائط القضاء وقوته عليه. ألا تراه قال لأبي ذر: إني أراك ضعيفًا، ثم قال في آخره: إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، فاستدللنا بهذا على أن من استجمعت فيه شرائط القضاء وكان قويًا على إنفاذه لم يدخل تحت النهي. ومما يعد ضعفًا عن القضاء طلبه إياه إذا لم يدر عواقبه.
وقد وصف الله سبحانه المتسرعين إلى الأمانة بالجهل، فقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ٧٢) . أي ظلومًا لنفسه جهولًا بعاقبة أمره، والدليل على صحة هذا التأويل قول النبي ﷺ: القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار. قلت: فهذان الرجلان ضعيفان عن مرتبة القضاء، أحدهما بفسقه وظلمه، والآخر بجهله.
وقد عابت جهلى بني إسرائيل طالوت فقالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال؟ فعابوه بخصلتين: الفقر وأنه ليس من سبط المملكة، فقال لهم النبي ﷺ: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء. فبين شروط الولاية والممالك وأنها تفتقر إلى العلم الذي به يحكم، وإلى القوة التي بها تنفذ الأحكام دون ما ظنه بنو إسرائيل. وأما قولك أيهما أفضل: القضاء في غيبته أو الحضور بين يديه والكون في حضرته؟ فالجواب: إن أوامره فرض لا يعصى بتركه، والكون في حضرته مستحب بعد الهجرة ولا يعصى بتركه، فعلمنا بهذا أنه إنما بعث عليًا للقضاء لأنه
[ ٤٢ ]