كتب أرسطا إلى الإسكندر: املك الرعية بالإحسان تظفر منهم بالمحبة، فإن طلب ذلك منهم بالإحسان هو أدوم بقاء منهم بالاعتساف. واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتتخطاها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أنه إذا عدل السلطان ملك قلوب الرعية، وإذا جار لم يملك منهم إلا التصنع والرياء. وفي سير المتقدمين: قلوب الرعية خزائن ملوكها، فما أودعوها من شيء فليعملوا أنه فيها. واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول قدرت على أن تفعل، فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل. وليس هذا خلاف ما روي عن معاوية أن رجلًا أغلظ له، فحلم عليه فقيل له: أتحلم على مثل هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا، وذلك تفسير قوله فاجتهد أن لا تقول يعني إذا عدلت تكلموا بشيء.
وهذه السيرة أحسن من سيرة أزدشير، لما رفع إليه جماعة من بطانته قد فسدت نياتهم، فوقع: نحن معاشر الملوك إنما نملك للأجساد لا النيات، ونحكم بالعدل لا بالرضى ونفحص عن الأعمال لا عن السرائر. قلت: وإنما تحسن هذه السيرة لمن عجز عن الأولى، لأن ملك الأجساد قد يكون بالعدل، وأين هذا من قوله وقد رفع إليه: إنك ركبت أمس في عدة قليلة وتلك حالة لا يؤمن اغتيال الأعداء فيها! فوقع: من عم إحسانه أمن أعداءه وما أحسن ما قال عبد الملك بن مروان: يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرائح على فراخه ينفي عنها القذر، ويباعد عنهم الحجر ويكنهم من المطر، ويحميهم من الضباب ويحرسهم من الذئاب، يا أهل الشام أنتم الجنة والرداء وأنتم العدة والفداء! وقالت العجم: أسوس الملوك من قاد رعيته إلى طاعته بقلوبها. ولا ينبغي للوالي أن يرغب
[ ١١٨ ]
غي الكرامة التي ينالها من العامة كرهًا، ولكن في التي يستحقها بحسن الأثر وصواب التدبير. وقال عمر بن عبد العزيز: إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرًا من العدل، فأخاف أن لا تحمله قلوبهم فاخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلى هذا. وقال معاوية لزياد: من أسوس الناس أنا وأنت؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما جعل الله رجلًا حفظ الناس بسيفه كمن سمع الناس وأطاعوا له باللين. وروى أن سليم مولى زياد فخر بزياد عند معاوية فقال معاوية: اسكت! فما أدرك صاحبك بسيفه إلا أدركت أكثر منه بلساني!