قال الله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇ ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ (يوسف: ٥)
فلما أفشى يوسف ﵇ رؤياه بمشهد امرأة يعقوب، أخبرت إخوته فحل به ما حل. وفي الحديث: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود. واعلم أن كتمان السر من الخصال المحمودة في جميع الخلق ومن اللوازم في حق الملوك، ومن الفرائض الواجبة على الوزراء وجلساء الملوك والأتباع. قال علي ﵁: سرك أسيرك، فإن تكلمت به صرت أسيره. واعلم أن أمناء الأسرار أشد تعذرًا وأقل جودا من أمناء الأموال، وحفظ الأموال أيسر من كتم الأسرار، فإن أحراز الأموال منيعة بالأبواب والأقفال، وأحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق ويشيعها كلام سابق، وعبء الأسرار أثقل من عبء الأموال، وإن الرجل ليستقل بالحمل الثقيل يحمله ويمشي به ويثقله، ولا يستطيع كتم السر. وإن الرجل يكون سره في قلبه فيلحقه من القلق والكرب ما لا يلحقه بحمل الأثقال، فإذا أذاعه استراح قلبه وسكن جأشه، وكأنما ألقى عن نفسه جبلا.
قال عمر بن عبد العزيز ﵁: القلوب أوعية والشفاه أقفالها والألسن مفاتحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره. ومن أعجب الأمور أن الأموال كلما كثرت خزانها كانت أوثق لها إلا السر فإنه كلما كثرت خزانه كان أضيع له، وكم من إظهار سر أراق دم صاحبه ومنع من بلوغ مأربه، ولو كتمه أمن من سطوته، وقال أنوشروان، من حصن سره فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته والسلامة من السطوات. وقال بعض الحكماء: سرك من دمك، فلا تجره في غير أوداجك، فإذا تكلمت به فقد أرقته. وكان لعثمان بن عفان ﵁ كاتب اسمه حمران، وهو مولاه، فاشتكى عثمان فقال: اكتب العهد بعدي لعبد الرحمن بن عوف. فقال حمران لعبد الرحمن البشرى! فقال عبد الرحمن: لك البشرى بماذا؟ فأخبره الخبر فانطلق عبد الرحمن فأخبر عثمان الخبر. فقال عثمان: أعاهد الله أن لا يساكنني حمران أبدا! ونفاه إلى البصرة فلم يزل بها حتى قتل عثمان ابن عفان.
واعلم أن كتمان الأسرار يدل على جواهر الرجال، وكما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها فلا خير في إنسان لا يملك سره. ويروى أن رجلًا أودع سره عند رجل فقال له: أفهمت؟ قال: بل جهلت. فقال: أحفظت؟ قال: بل نسيت. وقيل لبعضهم: كيف كتمك للسر؟ فقال: أجحد المخبر وأحلف للمستخبر. قال الشاعر:
ولو قدرت على كتمان ما استملت
مني الضلوع على الأسرار والخبر
لكنت أول من ينسى سرائره
إذ كنت من نشرها يومًا على خطر
قال شيخنا: ومن أحسن شيء سمعته في كتمان السر ما أنشده بعض فقهاء البصريين بالبصرة فقال:
[ ١٠٣ ]
ولها سرائر في الضمير طويتها
نسي الضمير بأنها في طيه
وفي معناه:
ومستودعي سرًا كتمت مكانه
عن الحس خوفًا أن ينم به الحس
وخفت عليه من هوى النفس شهرة
فأودعته من حيث لا تبلغ النفس
وقال العتبي: أسر معاوية إلى عثمان بن عنبسة حديثًا، قال فقلت لأبي: إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثًا أفما حدثك به؟ قال: لا. من كتم حديثه كان الخيار إليه، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تجعل نفسك مملوكًا بعد أن كنت مالكًا! قلت: يا أبت أفيدخل هذا بين الرجل وابنه؟ قال: لا يا بني ولكن أكره أن تعود لسانك إفشاء السر. قال: فحدثت به معاوية قال: أعتقك أخي من ورق الخطا. وقيل لبعض الملوك: ما أصعب الأشياء على الإنسان؟ قال: أن يعرف نفسه ويكتم سره. وقال قيس بن الحطيم:
أجود بمكنون التلاد وإنني
بسرك عمن سالني لضنين
إذا جاوز الاثنين سر فإنه
يبث وتكثير الوشاة ممين
وإن ضيع الأقوام سرًا فإنني
كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ضننته
مكان سويداء الفؤاد مكين
قال شيخنا: قلت الناس يقولون أراد بالاثنين المودع والمودع، ولا يبعد أن يريد به الشفتين. وكان يقال: أصبر الناس من صبر على كتمان سره فلم يبده لصديقه فيوشك أن يصير عدوا. وقد روى في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة. قلت: وإذا كانت أمانة حرمت فيها الخيانة كالأمانة في الأموال. وقال أبو بكر ابن حزم: إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله، فلا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره، وقال هشام بن عروة: ما من رجل ينتقص من أمانته إلا نقص إيمانه وقال جعفر بن عثمان:
يا ذا الذي أودعني سره
لا ترج أن تسمعه مني
لم أجره قط على فكرتي
كأنه لم يجر في أذني
وكان عمرو بن العاص يقول: ما أفشيت من سري إلى رجل فأفشاه علي فلمته إذ كان صدري به أضيق. وقال الأحنف بن قيس: يضيق صدر أحدهم بسره حتى يحدث به غيره ثم يقول اكتمه علي! ومن أمثال الفرس: إذا أفشيت إلي سرك وأوصيتني أن لا أبوح بالسر فهلا أوصيت بهذا نفسك؟ وفي منثور الحكم: انفرد بسرك ولا تودعه حازمًا فيزل ولا جاهلًا فيخون. وأنشدوا:
إذا المرء أفشى سره بلسانه
ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
فصدر الذي يستودع السر أضيق
وفي منثور الحكم: من أفشى سره كثر عليه المتآمرون. قال الشاعر:
وسرك ما كان عند امرئ
وسر الثلاثة غير الخفي
وقال آخر:
ولا تنطق بسرك كل سر
إذا ما جاوز الاثنين فاشي
وقال غيره:
تبوح بسرك ضيقًا به
وتبغي لسرك من يكتم
وكتمان سرك فيما تخاف
وفيما تحاذره أخرم
إذا ذاع سرك من مخبر
فأنت إذا لمته ألوم
وقال آخر:
إذا ما ضاق صدرك عن حديث
وأفشته الرجال فمن تلوم؟
وإن عاتبت من أفشى حديثي
وسري عنده فأنا الملومنن
[ ١٠٤ ]