اعلم أرشدك الله تعالى أنه تولى الأعمال أهل الحزم والكفاية والصدق والأمانة، وتكون التولية للغنى لا للهوى، وملاك الولايات كلها وأساسها إن لا تولى الأعمال طالبًا لها ولا راغبًا فيها. وروى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ ومعي رجل، فلما سلمنا عليه قال صاحبي: يا رسول الله استعملني. فقال النبي ﷺ: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده. فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما علمت ما في نفسه. وقد روى عن بزرجمهر أنه قيل له: ما بال ملك آل ساسان صار أمره إلى ما صار إليه؟ قال: لأنهم قلدوا كبار الأعمال صغار الرجال. والله در عمرو بن العاص حيث قال: موت ألف من العلية أقل ضررًا من ارتفاع واحد من السفلة. وقال رجل من أصحاب النبي ﷺ لرجل قد أذاه: أدركتك دولة إمرة الصبيان! وقال المعلى بن أيوب: غضب المأمون على بعض أصحابه غضبًا شديدًا فقال له: لا أماتك الله أو يبلغك دولة السفلة! وقال المستوعر الأكبر وقد كان عمر في الجاهلية ثلثمائة سنة:
وما سقطت يومًا من الدهر أمة
من النذل إلا أن يسود دميمها
إذا ساد فيها الفساد بعد ذل لئيمها
تصدى لها ذل وقد أديمها
وما قادها للخير إلا مجرب
عليم بإقبال الأمور كريمها
وما كل ذي لب يعاش بفضله
ولكن لتدبير الأمور حكيمها
اعلموا أن معظم ما يدخل على الدول من الفساد هو من تقليد الأعمال أهل الحرص عليها. لأنه لا يخطبه إلا لص في ثوب ناسك وذئب في مسلاخ عابد، أو حريص على جمع الدنيا نابذ لدينه ومروته، فيبتغي عرض الحياة الدنيا وقد سبق المثل: الحرص على الأمانة دليل على الخيانة، يتخذون عباد الله خولا وأموالهم دولا، وإذا اهتضمت حقوق المسلمين وأكلت أموالهم فسدت نياتهم وقلت طاعتهم، فانتقضت الأمور ودب الفساد إلى الممالك، وقد ذكرنا في أول الكتاب الآثار في كراهية الولايات، وقال المأمون ما فتق علي قط فتق في مملكتي إلا وجدت سببه جور العمال.
ولما قدم رسول ملك غزنة على عضد الدولة بويه الديلي، وقضى الرسالة وأراد الانصراف قال لعضد الدولة: ما أقول لأخيك؟ قال: قل له جئتك من عند سلطان يظلم وحده. فإن قيل: فما معنى قول يوسف ﵇: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥)
. قلنا: يوسف ﵊ كان نبيًا من أنبياء الله تعالى، واثقًا بنفسه بالأمانة والكفاية بين يدي من لا يتحقق بواطن أسرار ولا يعلم خصائصه وفضائله، ويرى الأمور والأعمال والولايات ضائعة في أيدي من ليس لها أهلًا، ويجوز مثل هذا اليوم لمن حصل بين يدي جبار لا يعلم منزلته ولا ما عنده من الخصال والفضائل أن يذكر له بعض ما يعلم من نفسه ليعلم قدره فيسلم بذلك من شره. وعن هذا قال بعض أصحاب الشافعي ﵁ إذا كان القضاء في يد من لا يصلح له وجب أن يخطبه من يصلح له وكان ذلك فرضًا عليه. وفقهاء الأمصار على خلاف ذلك الرأي، ويحتمل أن يكون يوسف ﵇ قد أوحى الله إليه بما يصير أمره إليه من الملك والعدل ونشر كلمة الإسلام، فلهذا نبه على نفسه.
ومن عجيب ما يروى في هذا الباب أن لقمان الحكيم كان عبدًا أسود نوبيا غليظ الشفتين مصفح القدمين لامرأة من بني الحسحاس، وكان جليسًا لداود ﵇، فأتاه جبريل ﵇ بالنبوة من عند الله تعالى الذي يصطفي لنبوته من يشاء فقال لقمان:
[ ١٤١ ]
يا جبريل إن أجبرني ربي فسمعًا وطاعةً، وإن خيرني الحكمة، فرضي الله تعالى قوله وأعطاه الحكمة، وصرفت الرسالة إلى داود ﵇، وكان داود يقول: طوبى لك يا لقمان! أوتيت الحكمة وأوتي داود البلية! وروى أنه جالس داود ﵇، وداود يعمل الدروع، فأقام حولًا ينظر صنعة الدروع ولا يعرف ما تصلح له ولا يسأله عن ذلك، فلما تم حول لبس داود الدرع وقال: درع حصينة ليوم حرب! فقال لقمان: الصمت حكمة وقليل فاعله.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا بعث عاملًا اشترط عليه خمسًا: لا يركب البراذين ولا يلبس الرقيق ولا يأكل النقى ولا يتخذ حاجبًا، ولا يغلق بابًا عن حوائج الناس وما يصلحهم ويقول له: إني لا أستعملك على أنشازهم ولا أعراضهم، وإنما أستعملك لتصلح بهم وتقضي بينهم بالعدل. وروى عباية بن رفاعة قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن سعد بن أبي وقاص اتخذ قصرًا وجعل عليه بابًا وقال: انقطع الصوت فأرسل عمر بن الخطاب ﵁ محمد بن مسلمة وكان عمر ﵁ إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما هو بعثه، فقال له: أنت سعد فأحرق عليه بابه! فقدم الكوفة فلما أتى الباب أخرج زنده واستورى نارًا ثم أحرق الباب، فأتى سعد الخبر ووصف له بصفته وعرفه، فخرج إليه سعد فقال له محمد: إنه قد بلغ أمير المؤمنين أنك قلت انقطع الصوت. فحلف سعد بالله تعالى ما قال ذلك فقال له محمد: نفعل الذي أمرنا به ونؤدي عنك ما تقول.
ثم ركب راحلته، فلما كان ببطن البرية أصابه من الخمص والجوع ما الله به أعلم، فأبصر غنمًا فأرسل غلامه بعمامته فقال: اذهب فابتع شاة. فجاء الغلام بالشاة وهو يصلي فأراد ذبحها فأشار إليه أن يكف. فلما قضى صلاته قال: انظر فإن كنت مسميتها مملوكة فاردد الشاة وخذ العمامة، وإن كنت حرة فاردد الشاة فذهب فإذا هي مملوكة، فرد الشاة وأخذ العمامة فأخذ بخطام ناقته وجعل لا يمر ببقلة إلا خطفها حتى آواه الليل إلى قوم، فأتوه بخبز ولبن وقالوا: لو كان عندنا شيء خلاف هذا أتيناك به، قال: بسم الله كل حلال أذهب السغب خير من مأكل السوء، حتى قدم المدينة ونزل بأهله فابترد من الماء ثم راح، فلما أبصر عمر بن الخطاب ﵁ قال له: لولا حسن الظن بك ما رأينا أنك أديت. وذكروا أنه أسرع السيرة فقال قد فعلت وهو يعتذر إليك ويحلف بالله ما قال. فقال له عمر ﵁: هل آمر لك بشيء؟ قال: قد رأيت مكانًا إن تأمر لي فقال عمر ﵁: إن أرض العراق أرض رقيقة، وإن أهل المدينة يموتون حولي من الجوع، فخشيت أن آمر لك بشيء يكون لك بارده ولي الحار.
وروى زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل مولى له يدعى هنيا على الحما فقال له: يا هنى اضمم جناحك عن المسلمين واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة وإياك ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع ونخل، ورب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببينة فيقول: يا أمير المؤمنين أفتكارهم أنا لا أبالك في الماء؟ يأتيني ببينة فيقول: يا أمير المؤمنين فأنا تارك لك الماء والكلأ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والفضة. وأيم الله إنهم ليرون أني ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عنهم من بلادهم شبرًا! ومر عمر بن الخطاب ﵁ يومًا ببناء يبني بحجارة وجص فقال: لمن هذا فذكروا له أنه لعامل من عماله على البحرين فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها! وقاسمه ماله. وكان يقول: لي على كل خائن أمينان الماء والطين. وكان أنوشروان يكتب في عهد العمال: سس خيار الناس بالمحبة،
[ ١٤٢ ]
وامزج للعامة الرغبة بالربة، وسس سفلة الناس بالإخافة وقال سليمان بن داود ﵇: كما يصلح الهمز للفرس والرسن للحمار، كذلك يصلح القضيب لظهر الجهال. وفي الأمثال القديمة من لم يصلح باللين أصلحه التليين، ومن يعتدل عدل. وقال هلال بن أساف: استعمل النبي ﷺ المقداد على سرية، فلما رجع قال له النبي صلى الله عليه: كيف رأيت الإمارة أبا معبد؟ قال: خرجت يا رسول الله ولا أرى أن لي فضلًا على أحد من القوم، فأرجعت إلا وكأنهم عبيد لي. قال: كذلك الإمارة أبا معبد، إلا من وقاه الله شرها قال: والذي بعثك بالحق نبيًا لا أعمل على عمل أبدًا.
وقيل لعمر بن الخطاب ﵁: ما يمنعك أن تفشي العمل في الأفاضل من أصحاب النبي ﷺ؟ فقال: هم أجل من أن أدنسهم بالعمل. وقال إبراهيم بن أدهم ﵁: كان عمر إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسفارهم، وعن من يعرف من أهل البلاد وعن أميرهم، وهل يدخل عليه الضعيف وهل يعود المريض؟ فإن قالوا نعم حمد الله تعالى، وإن قالوا لا كتب إليه أن أقبل. ومثل السلطان إذا ولى العمال الظالمين مثل من يسترعى غنمه الذئاب، ومثل من يربط الكلب العقور ببابه. وإن العامة لتشتم الحجاج بن يوسف والخاصة تلوم عبد الملك بن مروان لأنه هو الذي استرعاه الرعية؟ وفيه قيل:
ومن يربط الكلب العقور ببابه
فعقر جميع الناس من رابط الكلب.
وكان العلاء بن أيوب لما ولى فارس من قبل المأمون يكتب عهد العامل، فيقرأه على من يحضره من أهل ذلك العمل ويقول: أنتم عيوني عليه فاستوفوه منه، ومن تظلم إلي منه فعلي إنصافه ونفقته جاثيًا ورائحًا، ويأمر العامل أن يقرأ عهده على أهل عمله في كل جمعة، وأن يقول لهم هل استوفيتم؟