وهو مشتمل على خمس فصول: الأول يشتمل على أخبار وقعت إلينا بعد فراغنا من الكتاب فألحقناها. والثاني يشتمل على حكم لحكيم الفرس خاصة. والثالث يشتمل على حكم الحكيم الهند خاصة. والرابع يشتمل على حكم لحكيم العرب خاصة. والخامس يشتمل على حكم محمودة مجموعة منتخبة، رسمنا ذلك لننظر في عقول القوم وأغراضهم ومنتهى مرامهم، من كتاب جاويدان جرد الفارسي: ثلاث لا يصلح فسادهن بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في العقول. وثلاث لا يستفسد صلاحهن بنوع من المكر والحيل: العبادة في العلماء، والعقول في
[ ١٨٥ ]
المستبصرين، والسخاء في ذوي الأخطار، وثلاث لا يشبع منهن: الحياة والعافية والمال.
وقال ابن لقمان لأبيه: يا أبت ما الداء العياء؟ قال: رعونة مولودة. قال: فما الجرح الدوي؟ قال: المرأة السوء! قال: فما الحمل الثقيل؟ قال: الغضب. ولما قرأ هذه الحكاية أبو عباد الكاتب، وكان ظريفًا في أحباره قال: لكن والله الغضب أخف علي من ريشة، وكان أسرع الناس غضبًا فقيل له: إنما عنى لقمان أن احتمال الغضب ثقيل. فقال: لا والله لا يقوى أحد احتمال الغضب إلا الجمل. وغضب يومًا على بعض أصحابه فرماه بدواة فشجه، فجعل الدم يسيل فقال أبو عباد: صدق الله ﷿ حيث قال: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: ٣٧) فبلغ ذلك المأمون فاستدعاه وقال له ويلك! ألا تحسن أن تقرأ آية من كتاب الله ﷿؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأقرأ من كل سورة ألف آية فضحك المأمون وأمر بإخراجه. وقيل لأنوشروان: ما العقل؟ قال: القصد في كل الأمور. قيل: فالمروة؟ قال: ترك الربية. قيل: فما السخاء؟ قال: أتنصف من نفسك. قيل: فما الحمق؟ قال: الإغراق في الذم والحمد.
وقيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟ قال: سوء الظن. فقال بعضهم في قوله الحزم سوء الظن قال: إنما أراد سوء الظن بنفسه لا بغيره. قيل: فما الصواب؟ قال: المشورة. قيل: فما الذي يجمع القلوب على المودة؟ قال: كف بذول وبشر جميل. قيل: فما الاحتياط؟ قال: الاقتصاد في الحب والبغض. وقال معاوية لزياد حين ولاه العراق: يا زياد ليكن حبك وبغضك قصدًا فإن الغيرة كامنة، واجعل للرجوع والنزوع بقية من قلبك، واحذر صولة الإنهماك فإنها تؤدي إلى المهالك. وهو مثل قول علي بأبي طالب ﵁: أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما. وابغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما. ومن ذلك قول الأول:
وأحبب حبيبك حبًا رويدًا
فليس يفوتك أن يصرما
وقال آخر:
ولا تيئسن الدهر من حب كاشح
ولا تأمنن الدهر صرم حبيب
وسئل بزر جمهر عن العقل فقال: ترك ما لا يعني. فسئل: فما الحزم؟ قال: انتهاز الفرصة. قيل: فما الحلم؟ قال: العفو عند المقدرة. قيل: فما الشدة؟ قال: ملك الغضب. قيل: فما الخرق؟ قال: حب مغرق وبغض مفرط. وقيل لبعض الملوك، وقد بلغ في المنزلة والقدرة ما لم يبلغه أحد من ملوك زمانه: ما الذي بلغ بك هذه المنزلة؟ قال: عفوي عند قدرتي وليني عند شدتي، وبذلي الإنصاف ولومي نفسي وإبقائي في الحب والبغض مكانًا لموضع الاستبدال. وقال الإسكندر لبعض الحكماء وقد أراد سفرًا أرشدني لأحزم أمري. قال: لا تملكن قلبك محبة الشيء ولا يستولين عليك بغضه، واجعلها قصدًا فإن القلب كاسمه يتقلب وله خاصية تنزع وترجع، واجعل وزيرك التثبت وسميرك التيقظ، ولا تقدم إلا بعد المشورة فإنها نعم الدليل، وإذا فعلت ذلك ملكت قلوب رعيتك ملك استعباد، قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه
ولا القلب إلا أنه يتقلب
وقيل لبعض الحكماء: ما الدليل الناصح؟ قال: غريزة العقل مع الطبع. قيل: فما القائد المشفق؟ قال: حسن المنطق. قيل: فما العياء المعي؟ قال: تطييعك من لا طبع له. وقال الفضل بن مروان: سألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم فقال: بذل عرفه وجرد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا يهضم جنده ولا يحرج رعيته سهل النوال حزن النكال، الرجاء والخوف
[ ١٨٦ ]
معقودان في يده. قلت: فكيف حكمه؟ قال: يرج الظلم ويردع الظالم ويعطي كل ذي حق حقه، فالرعية اثنان راض ومغتبط. قلت: فكيف هيبتهم له، قال يتصور في القلوب فتغضي له العيون.
قال: فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائي إليه وإقبالي عليه، وكانت الرسل تنزل عندي فقال لترجمانه: ما الذي يقول الرومي؟ قال: يصف له ملكهم ويذكر سيرته. فكلم الترجمان بشيء فقال لي الترجمان: أنه يقول أن ملكهم ذو أناة عند المقدرة وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة وذو عقوبة عند الاحترام، قد كسا رعيته جميل نعمته وقصرهم بعنيف عقوبته، فهم يتراءونه ترائي الهلال خيالًا ويخافونه مخافة الموت نكالًا، وقد وسعهم عدله وردعتهم سطوته وبأسه، فلا يمتهنه مرحه ولا يوثقه عقله. إذا أعطى أوسع وإذا عاقب أوجع، فالناس اثنان راج وخائف، فلا الراجي خائب الأمل ولا الخائف بعيد الأجل.
قلت: فكيف رهبتم له؟ قال: لا ترفع إليه العيون أجفانها ولم تتبعه الأبصار إنسانها، كأن رعيته قطًا فرقت عليها صقور صوائد. فحدث المأمون بهذين الحديثين فقال لي: كم قيمتها عندك؟ قلت: ألفا درهم. قال: يا فضل إن قيمتها أكثر من الخلافة، أما علمت حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: قيمة كل امرئ ما يحسن أفتعرف أحدًا من الخطباء البلغاء أن يصف أحدًا من الخلفاء الراشدين المهديين بمثل هذه الصفة؟ قلت: لا. قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار معجلة، واجعل العدة مادة بيني وبينهما على العود، فلولا حقوق الإسلام وأهله لرأيت إعطاءهما ما في بيوت المال الخاصة والعامة دون ما يستحقانه.
وقال الفضل بن سهل: كان عندي رسول ملك الروم، وكان يحدثني عن أخت الملك يقال لها خاتون قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها علينا بحرارة المصائب وصنوف الآفات، ففزع الناس إلى الملك فلم يدر ما يجيبهم به. فقالت له خاتون: يا أيها الملك إن الحزم علق لا يخلق جديده ولا يمتهن عزيزه، وهو دليل الملك على استصلاح رعيته وزاجر له عن استفسادها، وقد فزعت رعيتك إليك لفضل العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزاء، ولا ينقصه العود بالإحسان إليهم ملكًا، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصى ولا بركوب الدلالة من الدال، ولا بحسن الرعاية من الراعي ولم تزل في نعمته لم تغيرها نقمة، وفي رضى لم يكدره سخط إلى أن جرى القدر بما عمي البصر وذهل عنه الحذر، فسلب الموهوب والسالب هو الواهب، فعد إليه بشكر النعم وعذبه من فظيع النقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلن الحياء من التذلل للمعز المدل شركًا بينك وبين رعيتك، فتستحق مذموم العاقبة، ولكن مرهم ن ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار بالله بكنه القدرة، وبتذلل الألسن في الدعاء بمحض الشكر له تعالى، فإن الملك ربما عاقب عبده ليرجعه عن سيئ فعل إلى صالح عمل، وليبعثه على دؤب شكر يحوز به أفضل أجر.
فأمرها الملك أن تقوم فيهم وتنذرهم بهذا الكلام ففعلت، فرجع القوم عن بابه. وقد علم الله تعالى منهم قبول الوعظ في الأمر والنهي فحال الحول عليهم وما بينهم مفتقد نعمة كان قد سلبها، وتوارت عليهم الزيادات بجميل الصنيع، فاعترف الملك لها بالفضل فقلدها الملك بعده وجمع الرعية على الطاعة لها في المحبوب والمكروه. فهذا فعل الله تعالى بأعدائه وضرائر نعمه، لما شكروه أعاد لهم من نعمه ما كان قد استرجع وزادهم من فضله ما تمنوه، فكيف بمن يوحدونه ويؤمنون به لو صدقت نياتنا وضمائرنا؟ وقال
[ ١٨٧ ]
الواقدي: توفي رسول بعض الملوك بدمشق في خلافة هشام بن عبد الملك فوجد في جيبه لوح من ذهب مكتوب فيه: إذا ذهب الوفاء نزل البلاء، وإذا مات الاعتصام عاش الإنتقام، وإذا ظهرت الخيانات امتحقت البركات.
وقال الوضاحي: وجه أنوشروان رسولًا إلى الملك قد أجمع على محاربته وأمره أن يتعرف سيرته في نفسه ورعيته، فرجع إليه فقال: وجدت عنده الهزل أقوى من الجد والكذب أكثر من الصدق والجور أرفع من العدل. فقال أنوشروان: رزقت الظفر به سر إليه وليكن عملك في محاربته بما هو عنده أضعف وأقل وأوضع، فإنك منصور وهو مخذول. فسار إليه فقتله واستولى على مملكته. وقال بزرجمهر: المزح آفة الجد والكذب عدو الصدق والجور مفسدة، فإذا استعمل الملك الهزل ذهبت هيبته، وإذا استصحب الكذب استخف به، وإذا بسط الجور فسد سلطانه. وكان نقش خاتم رستم وهو أحد ملوك الفرس: الهزل مبغضة والكذب منقصة والجور مفسدة. وقتل لبعض أصحاب اسفنديار رجل من الترك، فأصيب في عنقه لوح من ذهب مكتوب فيه: آفة الشدة التهيب وآفة المنطق الحياء وآفة كل شيء الكذب.
وقيل لبعض الحكماء: ما قيمة الصدق؟ قال: الخلد في الدنيا. قيل: فما قيمة الكذب؟ قال: موت عاجل. قيل: فما قيمة العدل؟ قال: ملك الأبد. قيل: فما قيمة الجور؟ قال: ذل الحياة قال: وسأل ملك الهند الإسكندر وقد دخل بلاده: ما علامة الملك ودولته؟ قال له: الجد في كل الأمور. قال: فما علامة زواله؟ قال: الهزل فيه. قال: فما سرور الدنيا؟ قال: الرضاء بما رزقت. قال: فما غمها قال: الحرص على ما لعلك لا تناله. وقال بزرجمهر: ثلاث هن سرور الدنيا وثلاث هن غمها: فأما السرور فالرضاء بالقسم والعمل بالطاعة في النعم ونفي الاهتمام بالرزق لغد، وأما الغم فحرص مسرف وسؤال مجحف، وتمنى ما يلهف.
ومر بعض الملوك بغلام يسوق حمارًا غير منبعث، وقد عنف عليه في السوق فقال: يا غلام ارفق به. فقال الغلام: أيها الملك في الرفق به مضرة عليه. قال: وما مضرته؟ قال: يطول طريقه ويشتد جوعه، وفي العنف به إحسان إليه. قال: وما الإحسان إليه؟ قال: يخف حمله ويطول أكله. قال فأعجب الملك بكلامه وقال له: قد أمرت لك بألف درهم. فقال: رزق مقدور وواهب مأجور. قال: وقد أمرت بإثبات اسمك في جيشي. فقال: كيف مؤونة ورزقت بها معونة. قال: لولا أنك حديث السن لاستوزرتك. قال: لن يعدم الفضل من رزق العقل. قال: فهل تصلح لذلك؟ قال: إنما يكون المدح والذم بعد التجربة ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها. قال فاستوزره فوجده ذا رأي صائب وفهم رحيب ومشورة تقع مواقع التوفيق.
قال: وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس، وقد نفذت يده في المشرق والمغرب وبلغ منهما ما لم يبلغه أحد قبله: اكتب إلي لفظًا موجزًا ينفع ويردع. فكتب إليه: إذا استولت بك السلامة فجدد ذكر العطب، وإذا هنتك العافية فحدث نفسك بالبلاء، وإذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية الأمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعلن لها في الإساءة إليها نصيبًا. قال ووعظ بعض الحكماء ملكًا فقال له: أيها الملك إن الدنيا دار عمل والآخرة دار ثواب، ومن لا يقدم لا يجد فأذق نفسك حلاوة عيشها بترك الإساءة إليها. واعلم أن زمام العافية بيد البلاء وأمن السلامة تحت جناح العطب، وباب الأمن مستور بالخوف فلا تكونن في حال من هذه الثلاثة غير متوقع لأضدادها ولا تجعل نفسك غرضًا لسهام الهلكة، فإن الدهر عدو بن آدم فاحترز من عدوك بغاية
[ ١٨٨ ]
الاستعداد، وإن فكرت في نفسك وعدوها استغنيت عن الوعظ.
قال وكتب الإسكندر على باب الإسكندرية أجل قريب في يد غيرك وسوق حثيث من الليل والنهار، وإذا انتهت المدة حيل بينك وبين المدة فاحتل قبل المنع واكرم أجلك بحسن صحبة السابقين، وإذا آنستك السلامة فاستوحش العطب فإنه الغاية، وإذا فرحت بالعافية فاحزن للبلاء فإليه تكون الرجعة، وإذا بسطك الأمل فاقبض نفسك عنه بذكر الأجل فهو الموعد وإليه المورد. وقال ابن الأعرابي: حدثني من رأى بين إصبهان وفارس حجرًا مكتوبًا عليه: العافية مقرونة بالبلاء والسلامة مقرونة بالعطب والأمن مقرون بالخوف. ولما ضرب أنوشروان عنق بزرجمهر لما رغب عن دين المجوسية وانتقل إلى دين المسيح ﵇، وجد في منطقته كتابًا فيه ثلاث كلمات: إذا كان المقدر حقًا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعًا فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل أحد نازلًا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.
ولما تاب الله تعالى على سلمان بن داود ﵊ ورد عليه ملكه: كتب على كرسيه: إذا صحت العافية نزل البلاء، وإذا تمت السلامة نجم العطب، وإذا تم الأمن علق الخوف. وحفر حفير بفارس فوجد فيه لوح رخام فيه أربعة أسطر محفورة: أولها أيها المعافي ابشر بالبلاء، والثاني أيها السالم توقع العطب، والثالث أيها الآمن خذ أهبة الخوف، والرابع أيها الموسر لن يبعد عنك العسر. ولما نزل أبو مسلم مدينة سمرقند أتاه اسبهندها فقال: أيها الملك إن بالقندهارس حجرًا مدفونًا فيه ثلاثة أسطر وجدت في الكتب، وإن سليمان بن داود ﵇ بعث به ودفن في هذا الموضع ووجد أنك أنت الذي تستخرجه وتعمل بما فيه. فأمر به فأخرج فإذا أول سطر فيه: الحزم انتهاز الفرصة وترك الونى فيما يخاف عليه الفوت. والسطر الثاني: الرياسة لا تتم إلا بحسن السياسة. والسطر الثالث: لم يقتل الآباء من ترك الأبناء ولم يصب من لم يحب.
فكان أبو مسلم يقول: علم جليل به تتم هذه الدولة إن لم ينزل القدر ربما يحول بيننا وبين الحذر، فلم يزل يستعمل هذا الكلام إلى أن قدم العراق فأعماه القدر عن الاستعانة بالحذر، فقتله أبو جعفر المنصور. ولما حج أبو مسلم قيل له: إن بالحيرة نصرانيًا قد أتت له مائتا سنة وعنده علم من العلم الأول، فوجه إليه فأتي به. فلما نظر الشيخ إلى أبي مسلم قال: قدمت بالكفاية ولم تأل في العناية وقد بلغت النهاية، أسلمت نفسك لمن سيسكت حسك وكأن قد عاينت رمسك. فبكى أبو مسلم فقال: لا تبك لأنك لم تؤت من حزم وثيق ولا من رأي دقيق ولا من تدبير نافع ولا من سيف قاطع، ولكن ما استجمع لا حد في أمله إلا أسرع في تقريب أجله. قال: فمتى تراه يكون؟ قال: إذا توطأ الخليفتان على أمر كان والتقدير في يد من يبطل معه التدبير، وإن رجعت إلى خراسان سلمت وهيهات، فأراد الرجوع فكتب إليه السلطان بالمضي ووجه إليه من يحثه، فلولا أن البصير يعمى إذا نزل القدر لكانت هذه دلالة تقع موقع العيان، وتبعث على التيقظ بالحذر والاحتيال في الهرب، على أن لكل نفس غاية ولكل أمر نهاية.
وقيل لجالينوس وهو حكيم الطب وفيلسوفه وفد نهكته العلة: ألا تتعالج؟ فقال: إذا كان الداء من السماء بطل الدواء، وإذا قدر الرب بطل حذر المربوب، ونعم الدواء الأجل وبئس الداء الأمل! وقال بعض الغزاة فتحنا حصنًا من بلاد الروم فرأينا فيه صورة أسد من حجر مكتوب عليه: الحيلة خير من الشدة والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب أحزم من العقل
[ ١٨٩ ]
والتفكر في العاقبة مادة الجزع. وقال أحمد بن سهل: وجه ملك الروم إلى هارون الرشيد بثلاثة أسياف مع هدايا كثيرة، وعلى سيف منها مكتوب: أيها المقاتل احمل تغنم ولا تفتكر في العاقبة فتهزم. وعلى الثاني مكتوب: إذا لم تصل ضربة سيفك فصلها بإلقاء خوفك. وعلى الثالث مكتوب: التأني فيما لا تخاف عليه الفوت أفضل من العجلة إلى أدراك الأمل. وقال الحسن ابن سهل: قرأت في كتاب جاويدان جرد: ثلاثة تبطل مع ثلاثة: الشدة مع الحيلة والعجلة مع التأني والإسراف مع القصد.
وقال الخضر بن علي: رأيت بعدن حجرًا مكتوب بالحميرية: أيها الشديد احذر الحيلة، أيها العجول احذر التأني، أيها المحارب لا تأنس بالتفكر في العاقبة، أيها الطالب موجودًا لا تقطع أملك من بلوغه. وكتب قيصر إلى كسرى: أخبرني بأربعة أشياء لم أجد من يعرفها وأخالها عندك، أخبرني ما عدو الشدة ومدرك للأمل وصديق الظفر ومفتاح الفقر؟ فكتب إليه كسرى: الحيلة عدو الشدة والصبر صديق الظفر والتأني مدرك الأمل والجود مفتاح الفقر. وقال بعض الملوك لحكيم وقد أراد سفرًا: أوقفني على أشياء من حكمتك اعمل بها في سفري. فقال له: اجعل تأنيك زمام عجلتك وحيلتك رسول شدتك وعفوك ملك قدرتك، وأنا ضامن لك قلوب رعيتك إن لم تحرجهم بالشدة عليهم أو تبطرهم بالإحسان إليهم.
وقال الخضر بن علي: قرأت في كتاب جاويدان جرد وهو أجل كتاب الفرس: الحيلة أنفع من أقوى الشدة وأقل التأني أحد من أكثر العجلة، والدولة رسول القضاء المبرم. وإذا استبد الإنسان برأيه عميت عليه المراشد وكان الجنكان أبو بزرجمهر خامل القدر وضيع الحال مفهه المنطق، فلما أتت على بزرجمهر خمس عشرة سنة حضر مجلس الملك، وقد جلست الوزراء على كراسيها والمرازبة في مجالسها وقف فحي الملك ثم قال: الحمد لله المأمول نعمه المرهوب نقمة، الدال عليه بالرغبة إليه المؤيد الملك بسعود الفلك، حتى رفع شأنه وعظم سلطانه وأنار به البلاد فعاش به العباد، وقسم له في التقدير وجوه التدبير، فرعى رعيته بفضل نعمته وحماها الموبلات وأوردها المعيشات، وزادها عن الآكلين وألفها بالرفق واللين، إنعامًا من الله تعالى عليه وتثبيتًا لما في يديه، وأسأله أن يبارك له فيما آتاه ويختار له فيما استرعاه، ويرفع قدره في السماء وينشر ذكره تحت الماء، حتى لا يبقى له بينهما مناوي ولا يجد له فيهما مداني، واستوهب له حياة لا تنغيص فيها وقدرة لا يشاد عنها، وملكًا لا بؤس فيه وعافية تديم له البقاء وتكثر له النعماء، وعزًا يؤمنه من انقلاب رعية وهجوم بلية، فإنه مولى الخير ودافع الشر.
فأمر الملك فحشى فمه بثمين الجواهر ورفيعه، ولم تدفع حداثة سنه مع نبل كلامه أن استوزره وقلده خيره وشره، فكان أول داخل وآخر خارج. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: ما لله على تعالى على العاقل نعمة بعد الإسلام أفضل من مباينة هذه السفلة بالفهم والعقل، ولو لم يكن هذا ما عرف الله تعالى إلا بالجهل. ألا ترى أن الله تعالى خاطب أولي النهي والألباب وذوي البصائر فيجب على العلية أن يحمدوا الله تعالى على مباينة هذه السفلة بالعقول والأفهام كما يحمدونه على جميع النعم. وقيل لمروان ابن محمد وهو آخر ملوك بني أمية: ما الذي صار بك إلى هذا قال: الاستبداد برأيي لما كثرت علي كتب نصر بن سيار أن أمده بالأموال والرجال. قلت في نفسي: هذا رجل يريد الاستكثار من الأموال والجند بما يظهر لي من فساد الدولة قبله، وهيهات
[ ١٩٠ ]
أن ينتقض على خراسان فانتقضت دولته من خراسان.
وقال الواقدي: قال الفضل بن سهل: لما دعي المأمون في كورة خراسان بالخلافة فجاءتنا هدايا الملوك سرورًا بمكانة من الخلافة، ووجه ملك كالبستان شيخًا يقال له ذوبان، وكتب يذكر أنه قد توجه بهدية ليس في الأرض أسنى ولا أرفع ولا أفخر ولا أنبل منها. فتعجب المأمون وقال: سل الشيخ ما معه. فسألته فقال الشيخ: ما معي شيء أكثر من علمي. قلت: وأي شيء علمك؟ قال: رأي ينفع وتدبير يقطع ودلالة تجمع. قال: فسر المأمون بذلك وأمر بإنزاله وإكرامه وكتمان أمره.
فلما أجمع على التوجه إلى العراق لقتال أخيه قال لذوبان: ما ترى في التوجه إلى العراق؟ قال: رأي وثيق وحزم مصيب وملك قريب، والسير ماض فاقض ما أنت قاض. قال له: فمن نوجه؟ قال: الفتى الأعور الطاهر الأطهر يسير ولا يعثر، قوي مرهوب مقاتل غير مغلوب. قال: وكم نوجه معه من الجند؟ قال: أربعة آلاف صوارم الأسياف، لا ينقصون فخر العدد ولا يحتاجون إلى المدد، فسر المأمون ووجه بطاهر بن الحسين قال: وفي أي وقت يخرج؟ قال: مع طلوع الفجر لك الأمر ويصير إلى النصر، نصر سريع وقتل ذريع وتفريق تلك الجموع والنصر له لا عليه ثم يرجع الأمر إليك وإليه، فظفر طاهر وكان له النصر وقتل علي بن عيسى وزير الأمين واستولى على عسكره وحاز أمواله. فأمر الملك لذوبان بمائة ألف درهم فلم يقبلها وقال: أيها الملك إن ملكي لم يوجهني إليك لأنقصك مالك فلا تجعلن ردي نعمتك تسخطًا وسوف أقبل ما يفي بهذا المال ويزيد عليه.
قال المأمون: وما هو؟ قال: كتاب يوجد بالعراق فيه مكارم الأخلاق وعلوم الآفاق، من كتب عظيم الفرس فيه شفاء النفس من صنوف الآداب ما ليس في كتاب، عند عاقل لبيب وفطن أريب، يوجد تحت إيوان كسرى بالمدائن، يقاس بالذراعين في وسط الإيوان لا زيادة ولا نقصان، فأحفر المدر واقلع الحجر، فإذا وصلت إلى الساحة فاقتلعها تجد الحاجة ولا تلزم لغيرها، فيلزمك غب ضرها. فأرسل المأمون إلى إيوان كسرى فحفروا في وسطه فوجدوا صندوقًا صغيرًا من زجاج أسود عليه قفل منه فحمل إلى المأمون. فقال لذوبان: هذه بغيتك؟ قال: نعم أيها الملك. قال خذها وانصرف. فتكلم بلسانه ونفخ في القفل فانفتح فأخرج منه خرقة ديباج، فنشرها فسقط منها أوراق فمدها مائة ورقة ولم يكن في الصندوق شيء غيرها فأخذ الأوراق وانصرف إلى منزله. قال الفضل بن سهل: فجئته فسألته فقال: هذا كتاب جاويدان جرد تأليف بنحور وزير الملك ابرازشهر، فطلبت منه شيئًا فدفع إلي منه ورقات وترجمها لي الخضر بن علي، ثم أخبرت المأمون فقال: احمل إلي الورقات. فحملتها إليه فقرأها فقال: هذا والله الكلام لا ما نحن فيه من لي ألسنتنا في فجوات أشداقنا، ولولا أن العهد حبل طرفه بيد الله تعالى وطرفه بأيدينا لأخذته منه.
فصل
من نوادر بزرجمهر حكيم الفرس قال: نصحني النصحاء ووعظني الوعاظ شفقة ونصيحة وتأديبًا، فلم يعظني أحد مثل شيبي ولا نصحني مثل فكري، ولقد استضأت بنور الشمس وضوء القمر فلم استضئ بضياء أضوء من نور قلبي، وملكت الأحرار والعبيد فلم يملكني أحد ولا قهرني غير هوائي، وعاداني الأعداء فلم أر أعدى إلي من نفسي، إذا جهلت واحترزت لنفسي بنفسي من الخلق كلهم حذرًا عليها وشفقة فوجدتها أشر الأنفس لنفسها، ورأيت أنه لا يأتيها الفساد إلا من قبلها، وزاحمتني المضائق فلم يزحمني مثل الخلق والسوء. ووقعت من أبعد البعد
[ ١٩١ ]
وأطول الطول فلم أقع في شيء أضر علي من لساني. ومشيت على الأجمر ووطئت على الرمضاء فلم أر نارًا أحر علي من غضبي إذا تمكن مني.
وطالبتني الطلاب فلم يدركني مدرك مثل إساءتي. ونظرت ما الداء القاتل ومن أين يأتيني فوجدته من معصية ربي سبحانه. والتمست الراحة لنفسي فلم أجد شيئًا أروح لها من تركها ما لا يعنيها. وركبت البحار ورأيت الأهوال فلم أر هولًا مثل الوقوف على باب سلطان جائر. وتوحشت في البرية والجبال فلم أر أوحش من قرين السوء. وعالجت السباع والضباع والذئاب وعاشرتها وعاشرتني وغلبتها فغلبتني صاحب الخلق السوء. وأكلت الطيب وشربت المسكر وعانقت الحسان، فلم أجد شيئًا ألذ من العافية والأمن، وتوسطت الشياطين والجبال فلم أجزع إلا من الإنسان السوء. وأكلت الصبر وشربت المر فلم أر شيئًا أمر من الفقر. وشهدت الحروب ولقيت الجيوش وباشرت السيوف وصارعت الأقران، فلم أر قرنًا أغلب من المرأة السوء. وعالجت الحديد ونقلت الصخر فلم أر حملًا أثقل من الدين.
ونظرت فيما يذل العزيز ويكسر القوي ويضع الشريف فلم أر أذل من ذي فاقة وحاجة، ورشقت بالنشاب ورجمت بالحجارة فلم أر أنفذ من الكلام السوء يخرج من فم مطالب بحق. وعبرت السجن وشددت في الوثاق وضربت بعمد الحديد، فلم يهدمني شيء مثل ما هدمني الغم والهم والحزن. واصطنعت الإخوان وانتخبت الأقوام للعدة والشدة والنائبة، فلم أر شيئًا أخير من الكرم عندهم، وطلبت الغنى من وجوهه فلم أر أغنى من القنوع، وتصدقت بالذخائر فلم أر صدقة أنفع من رد ذي ضلالة إلى هدى. ورأيت الوحدة والغربة والمذلة فلم أر أذل من مقاساة الجار السوء. وشيدت البنيان لأعز به وأذكر فلم أر شرفًا أرفع من اصطناع المعروف. ولبست الكسى الفاخرة فلم ألبس شيئًا مثل الصلاح. وطلبت أحسن الأشياء عند الناس فلم أر شيئًا أحسن من حسن الخلق. وسررت بعطايا الملوك حباهم فلم أسر بشيء أكثر من الخلاص منهم.
فصل
من حكم شاتاق الهندي من كتابه الذي سماه منتحل الجواهر للملك ابن قمابص الهندي: يا أيها الوالي أتق عثرات الزمان واخش تسلط الأيام ولؤم غلبة الدهر، واعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب وللأيام غدرات فكن على حذر وللأقدار بغتات فاستعد لها. والزمان منقلب متولى فاحذر تقلبه، لئيم الكرة فخف سطوته، سريع الغيرة فلا تأمن دولته، واعلم أن من لم يداو نفسه من سقام الآثام في أيام حياته، فما أبعده من الشفاء في دار لا دواء له فيها! ومن أذل حواسه واستعبدها فيما يقدم من خير لنفسه بان فضله وظهر نبله. ومن لم يضبط نفسه وهي واحدة لم يضبط حواسه وهي خمس، وإذا لم يضبط حواسه مع قلتها وذلتها صعب عليه ضبط الأعوان مع كثرتهم وخشونة جانبهم، فكانت عامة الرعية في نواحي البلاد وأطراف المملكة أبعد من الضبط، فليبدأ الملك بسلطانه على نفسه، فليس من عدو أحق من أن يبدأ بالقهر من نفسه، ثم يشرع في قهر حواسه الخمس لأن قوته الواحدة منهن دون صويحباتها قد تأتي على النفس القوية الحذرة، فكيف إذا اجتمعت خمسة أنفس على واحدة؟ واعلم أن لكل واحدة منهن شرًا ليس للأخرى فاقهرها تسلم من شرها، وإنما يهلك الحيوان بالشهوات، ألا ترى أن الفراش يكره الشمس فيستكن من حرها ويعجبه ضياء النار فيدنو منها فتحرقه؟ والظبى على نفار قلبه وشدة حرصه ينصت لسماع الملاهي فيمكن القانص من نفسه، وذباب الورد
[ ١٩٢ ]
المتتبع لطيب الروائح يطلب ما يقطر من أذن الفيل لطيب رائحته، فإنه في طيب رائحته المسك فيلهيه طيب الرائحة عن الاحتراس من تحريك الفيل أذنه، فيتولج في أصل أذنه فتقع عليه ضربة الأذن فتقتله. والسمك في البحر تحمله لذة الطعم أن يبتلعه فتحصل السنارة في جوفه فيكون في حتفه. وذكر هذا الحكيم أن خصالًا معروفة قتلت بالإفراط فيها ملوكًا معروفين فالصيد مات منه قيدة الملك، والإفراط في القمار مات منه قيشوب الملك، والإفراط في السكر مات منه مخارق الملك، وشدة الحرص مات منها
مهريق الملك، والغضب أحر سبحى الملك، والطمع وائل، والفرح واطاب، والأنفة بوليس، والتواني زمير نهر. وأخلق بخصال أهلكت ملوكًا أن يتجنبها الملوك. واعلم أن الرعية تستمطر الملك العادل استمطار أهل الجدب للغيث، وينتعشون بطلعته عليهم كانتعاش النبات بما يناله من القطر، بل الرعية بالملك العادل أتم نفعًا منها بالغيث، لأن لمنفعة الغيث وقتًا معلومًا وعدل الملك لا يتعين له وقت. ويحسن بالملك أن يشبه تصاريف تدبيره بطباع ثمانية أشياء: الغيث والشمس والقمر والريح والنار والأرض والماء والموت. فأما شبه الغيث فتواتره في أربعة أشهر من السنة ومنفعته لجميع السنة، وكذلك ينبغي للملك أن يعطي جنده وأعوانه أربعة أشهر تقدير التتمة السنة، فيجعل رفيعهم ووضيعهم في الحق الي يستوجبونه بمنزلة واحدة كما يسري المطر بين كل أكمة وشرف وغائط مستفعل ويغمر كلًا من مائه بقدر حاجته، ثم يستجبي الملك في الثمانية أشهر حقوقه من غلاتهم وخراجهم كما تجبى الشمس بحرها وحدة فعلها نداوة الغيث في أربعة أشهر الأمطار.
وأما شبه الريح فإن الريح لطيفة المداخل تسرح في جميع المنافذ حتى لا يفوتها مكان، كذلك الملك ينبغي أن يتولج في قلوب الناس بجواسيسه وعيونه لا يخفون عنه شيئًا حتى يعرف ما يأتمرون به في بيوتهم وأسواقهم. وكالقمر إذا استهل تمامه فأضاء واعتدل نوره على الخلق وسر الناس بضوئه، وينبغي أن يكون الملك ببهجته وزينته وإشراقه في مجلسه وإيناسه رعيته ببشره، فلا يخص شريفًا دون وضيع بعدله. وكالنار على أهل الدعارة والفساد. وكالأرض على كتمان السر والاحتمال والصبر والأمانة. وكعاقبة الموت في الثواب والعقاب يكون ثوابه لا يقصر عن إقامة حد ولا يتجاوزه. وكالماء في لينه لمن لا ينه، وهدمه واقتلاعه عظيم الشجر لمن جاذبه.
واعلم أنه قد يكتنف السلطان من شرار الناس والأعوان على الحاجة إليهم من يستبشع ويستكره، كالحيات تكتنف بالصندل فيقتلها الصندل بطيب رائحته وبرده، وينتفع الصندل بها إذ لا يقرب منه من يريد قطعه. وليكن فيك مع تلطفك تشديد لئلا يجترأ عليك، فإن القمر يستضاء بضوئه ويظهر له، والشمس يستظل من حرها ويستكن لها. وقد قالت العرب في مثل هذا لا تكن حلوًا فتسترط ولا مرًا فتلتفظ. اجعل لكل طبقة من أعدائك أشباههم من أعوانك يسوسونهم، فإنهم كالماء في الأذن لا حيلة في إخراجه بأرفق من الماء الذي هو من جنسه، وإذا عاديت رجلًا فلا تعاد كل جنسه، واستبق من جنسه أحدًا عسى تنتفع به، فإن السيف القاتل من جنس الدرع الواقي، ولا تطمعن في الكذوب والمطبوع على الشر أن تعطفهما بالإحسان فإنهما كالقرد كلما سمن بالطعام والحلاوة والدسم ازداد وجهه قبحًا.
وقد يرد الواحد كيد الجميع إذا كان عاقلًا، كما يرد حر شعاع الشمس إذا كان واقيًا غاية
[ ١٩٣ ]
أرمى الناس أن يقتل بسهمه واحدًا، لكن رمية عاقل زكين يقتل الجيش بأسره. والملك الشريف العاقل لا ينفذ فيه قدح أهل البغي، فمن انقطع إليه ولزمه كالجوهر المضيء بنوره لا يطفئه عصوف الرياح. من كان قابلًا لما يرد عليه في بقائه وكل قول يسمعه، كان كالسراج تميل به كل ريح لينة ثم لا يلبث إن عصفت الريح أن يطفأ. تدبير الملك الحازم في سلطانه كتعاهد صاحب البستان بستانه، يخرج قاحل عيدانه وشوك شجره، فيحيط به على ثمره وزرعه ليقيه عن الشر والفساد، كما ينتخب الملك أهل الشكيمة والشوكة فيجعلهم في أقاصيه وحدوده ردًا للمملكة. وليكن الملك أحذر ما يكون آمن ما يكون. قلت وقد صدق الشاعر:
أأمنتم ريب الزمان فنمتم
رب خوف مكمن في أمان
قال: ألا ترى أن بهرسان الملك أنامت المرأة على فراشه رجلًا فلما رام فراشه وثب عليه فقتله. وباسراج الملك قتلته امرأته بخلخال مسموم. ودروق الملك قتلته امرأته بمدية خبأتها في عقاصها، واعلم أن العدو قد علم منك مواضع الحذر وحالات الأمن، وإنما ترصده لك في حالات الأمن والمواضع التي تظن أن العدو لا يكمن فيها، فكن احذر ما تكون فيها. وسائر حكم هذا الباب قد قدمتها في تراجم كتابنا.
فصل:
قال غيره: لا ينبغي للملك أن تكون له أيام معلومة يظهر فيها فإن في ذلك خصالًا مذمومة. منها أنه قد يعوق في ذلك اليوم ممسك مهم أو بعض الكسل أو لذة مغتنمة، فيلزمه الخروج على كره. ومنها أنه إذا تخلف عن الظهور لأمر ما تطاولت الأعناق من الرعية وكثر كلامها وقالوا: مرض أو مات أو أصابته آفة، فيكسب العدو جراءة وسرورًا ويكسب الولي حزنًا وجبنًا. ومنها أنه قد واعد عدوه ليوم يلتقيان فيه، ولا ينبغي أن يكون الملك كثير التصرف عند فساد الزمان وخبث الرعية، وعن هذا قالت الحكماء: إذا كان الجمل كثير النفر كان نصيب الذئب.
فصل من نوادر كلام العرب:
من حكم أكثم بن صيفي، وهذا رجل كان له عقل وحلم ومعرفة وتجربة، وقد علق الناس عنه حكمًا لطيفة وألفوا فيها تصانيف. فمن حكمه قال: من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء، أفضل من السؤال ركوب الأهوال من حسد الناس بدأ بمضرة نفسه، والعديم من احتاج إلى لئيم. من لم يعتبر فقد خسر. ما كل عثرة تقال ولا كل فرصة تنال. لا وفاء لمن ليس له حياء. قد يشهر السلاح في بعض المزاح. من وفى بالعهد فاز بالحمد. الموت يدنو والمرء يلهو. طول الغضب يورث الوصب. رب عتق شر من رق. من اصطنع قومًا ما احتاج إليهم يومًا ما الكذب بهت والخلف مقت. من لم يكف أذاه لقي ما ساءه. الحر يتقاضى لك من نفسه واللئيم يستحسن تسويفه وحبسه.
ليس بإنسان من ليس له أخوان. أنت مزر بنفسك إن صحبت من هو دونك. عليك بالمجاملة لمن لا تدوم له مواصلة. في الأسفار يبدو الاختيار. أفسد كل حسب من ليس له أدب. أفضل الفعال صيانة العرض بالمال. ليس من خادن الجهول بذي معقول. ليس للملحف مثل الرد. من جالس الجهال فليستعد لقيل وقال. وقال: ما جلا عنك النسيان مثل البيان، ولا نفي عنك البهتان مثل البرهان. لم ينج من الموت غني لماله ولا فقير لإقلاله. إذا ما أردت طرد الحر فسمه الهوان. كثرة العلل آية النحل.
[ ١٩٤ ]
كفر النعمة لؤم وصحبة الأحمق شؤم. إن من الكرم لين الشيم. إياك والخديعة فإنها خلق اللئيم. امحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة. رب سباب قد أهاجه العتاب. الصدود آفة المقت. سبب الحرمان التواني. من سأل فوق قدره استحق الحرمان.
ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤوب. وإن من الفساد إضاعة الزاد. من حلم ساد، ومن تفهم ازداد. لا ترغب فيمن يزهد فيك. رب بعيد أقرب من قريب. المزاح يورث الضغائن. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، غثك خير من سمين غيرك. من جد المسير أدرك المقيل. استر عورة أخيك لما تعلم فيك. ولا تكثر من المزاح فتذهب هيبتك، ولا من الضحك فيستخف بك. من أكثر من شيء عرف به. كفى بالحلم ناصرًا. المنة تهدم الصنيعة. نعم الشيء الهدية بين يدي الحاجة. ربما نصح غير الناصح، وربما غش المنتصح. الكلام فيما ينفعك خير من السكوت، والسكوت عما يضرك خير من الكلام. لا يغرنك من جاهل قرابة ولا جوار ولا إلف، فإن أقرب ما يكون من النار تربًا أقرب ما يكون منها لهبًا. أرفض أهل الدناءة تلزمك المهابة.
دع مجالسة أهل الريب على كل حال، فإنك إن يسلم دينك لم تسلم من سوء المقال. الكرم شكر البلاء واللؤم كفر النعمة. أكرم الصنائع سلامة الصدور. لن تسلم من الناس حتى يسلموا منك، من عدم الإيمان لم تزده الرواية فقها. الحزن مفسدة العقل ومقطعة الحيلة. كثرة النوم إماتة القلب. شدة الحذر تدل على ضعف اليقين. محادثة الحمقى والسفهاء تورث سوء الخلق. الدليل على الحمق إعجاب المرء بعقله. من لم يسمع الحديث فارفع عنه مؤنته. من حدث من لا يفقه كمن قدم مائدة لأهل القبور. من قطع عليك الحديث فلا تحدثه فليس بصاحب أدب. ومن عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يقبل صدقه، من وصل من يحسده قوى عدوه وقصر بنفسه. اغفر زلة صديقك. من غضب من غير شيء رضي من لا شيء. من غضب على من لا يقدر عليه طال حزنه. الرجل عبد هواه.
لولا جهل الجاهل ما عرف عقل العاقل. من خاف ربه كف ظلمه. كسل الفقير هلاكه. شح الغني فضيحته. من لم يتورع في كلامه ظهر فجوره. كل شيء لا يوافق الأحمق فاعلم أنه الصواب. إذا غلبتك امرأتك فجاهدها فإنها عدوك. من لم يعرف الخير من الشر فألحقه بالبهائم، من طلب ما عند البخيل مات جوعًا. جار الرجل الجواد كمجاور البحر لا يخاف العطش، وجار البخيل في المفازة هالك. إذا لم تنتفع بمصادقة الأحياء فأت أهل القبور. من عادى من فوقه أبغضه من تحته. الرزق مقسوم والحريص محروم. من كثر كلامه على المائدة غش بطنه، وأبغضه أصحابه. العلم زين ومنفعة والجهل شين ومضرة، الجاهل يستعظم الشر والعاقل يمنع نفسه من الشر. من لم يرتخ للثناء فليس له نصيب في المودة.
إذا كان لك جار أو صديق لا تنتفع به فصور مثاله في الحائط فإنه أزين للحائط وأخف للمؤنة. العاقل يرغب في الأدب والجاهل يهرب منه. العاقل إذا فاته الأدب لزم الصمت. لا تستنطق من تكذبه. العاقل يتهم رأيه في نفسه والجاهل يقيم على جهله. من لم يملك عقله لم يملك نفسه. من أظهر محاسنه ودفن مساويه كمل عقله. من غلب هواه عقله له افتضح. من استشار عدوه في صديقه أمره بقطيعته. مصادقة الكرام غنيمة ومصادقة اللئام ندامة. لا تدخل على صديقك التهمة فيرجع لك عن النصيحة. إذا انقطع رجاؤك من صديقك فألحقه بعدوك.
من طلب
[ ١٩٥ ]
مراضاة الإخوان من غير شيء فليصادق أهل القبور. العاقل ليس في مصادقته مخادعة. رأس مال الأحمق المخادعة وفائدته الغضب، والحليم رأس ماله الصمت وفائدته الحلم. إذا جهل عليك الأحمق فالبس له سلاح الرفق واللطف. صديق كل امرئ عقله وعدو كل امرئ حمقه. من أنزل نفسه عاقلًا أنزله الناس جاهلًا. من قنع بكذب الثناء عليه ظهر للناس رقاعته. السكوت عن الأحمق جوابه. السكوت يزين الأحمق والكلام يشينه. من استطال عليك بملبسه وتحلى بفضله، فلا أكثر الله في الناس مثله. الجواد محبب والبخيل مبغض. إذا حملت للبخيل مؤنة أبدى لك الحرمان والعداوة. البخيل يمنع ما عنده ويبخل على الجواد بجوده. من طلب حاجة فهو شر منه. من بذل للبخيل صلته ورفع عنه مؤنته دامت له مودته. ضيف البخيل آمن من التخمة. من طلب من اللئيم حاجة كان كمن طلب السمك في المفازة. عدة الكريم نقد وعدة اللئيم تسويف الكريم يواسي إخوانه في دولته واللئيم يقطعهم. لا تخضع للئيم فإنه لا يعطيك شيئًا.
إنما الصديق الذي يبذل لك ماله عند الحاجة ونفسه عند البلية، ويحفظك عند المغيب وينفعك عند الرجاء. إذا صادقت الوزير فلا تخشى الأمير. من لم ينصحك في المصادقة فعاده. من غشك في العداوة فلا تلمه. من كان الناس عنده سواء لم يكن له أصدقاء. من صادق الإخوان بالمكر كافؤه بالغدر. من لم يواس الإخوان في دولته خذل عند مأمنه. إياك أن تبغي مودة من يحسدك فأنه لا يقبل إخاءك. من حسدك على علمك لم يستمع حديثك. الحاسد يفرح بزلتك ويعيب صوابك. إذا رأيت من يحسدك ويسرك أن تسلم منه فعم عليه أمورك. من صبر على مودة الكاذب فهو مثله. كل شيء شيء ومودة الكاذب لا شيء. من بدأك بجهله فكافئه بحلمك تغمه. أول المرؤة طلاقة الوجه، والثانية التودد، والثالثة الفصاحة.
الفاجر لا يبالي بما قال والورع يتعاهد كلامه من شغل مشغولًا فقد أظهر ثقله. من صبر على شغل سوء فقد نظر إلى سجنه بعينه. من لم يغلب الحزن بالصبر طال غمه. من استطال على الناس بلسانه بغير سلطان فليصبر على الذل والهوان. لا تحتقر الفقير الثري ولا ترغب في الغني الدني. من تشبه بالسراة وغلبت عليه الدناءة فلا تكرمه. من أغضبته أنكرته. من أغنيته أعطفته. من تعرض لصاحب الدولة انقلب بهزيمة من صانع بماله لم يحتشم من طلب حاجته. من صاحب الكتاب ملوه ومن عاداهم أنكروه. من شمخ عليك بأنفه وطمح ببصره، ولم يدخل عليك فضله فلتهن عليك سلبته. السفيه يقطع مودة لم تزل ويكتسب عداوة لم تكن. حمل المروءة ثقيل. من سالم الناس غنم. خذلان الجار لؤم. رجال البلاء قليل احفظ إخوانك تذل أعداؤك. ما أجمل الصبر على ما لا بد لك منه. المحروم من طال نصبه، وكان لغيره نشبه لا قوي أقوى ممن قوي على نفسه، ولا عاجز أعجز ممن عجز عنها. الخير في غير أهله غريب. ما أضعف قوة من يغالب من لا يغلب.