قد ذكرت في كتاب الأسرار حقيقة العقل وأقسامه ومحله وأحكامه بما لا مزيد عليه. ونذكرها ها هنا منافعه ومداركه ولباب ما تحرر من القول فيه: إنه الاستشهاد بالشاهد على الغائب، فمن كان في طوقه أن يستدل بما شاهده على ما غاب عنه، كان معه عقل ويسمى عاقلًا عند الموحدين، وبه يتوجه التكليف عليه، وذلك كمن نظر إلى قصر قد كمل بنيانه وحصنت أركانه، وجعل فيه من الآلات ما يكتفي به ساكنوه، فأشرف عليه إنسان فرأى بيوتًا مقطوعة وأبوابًا منصوبة، وفرشًا مفروشة وزرابي مبثوثة وموائد موضوعة، وصحافًا مصفوفة وأرائك منضودة وحجالًا مسدلة، وطشوتًا وأباريق وبيوت ماء وميازيب تصب الماء، وتحتها بلاليع لغيض الماء وطيقان للضياء الواقع، ومداخن للدخان الخارج ومنافس للرياح والهواء، إلى سائر ما يستعده العقلاء للإنتفاع.
ثم فكر هل هذا القصر بما حواه صنعة قادر صانع عالم حي، أو اتفق لنفسه وتركب على صورته بلا صانع؟ فيستقر في عقله بالضرورة استحالة وجوده من غير صانع، وأنه يفتقر إلى صانع صنعه، وهذا علم يهجم على العقول لا يفتقر إلى نظر واستدلال. وإنما كثرت لك هذه الأمثلة لأن ما في الإنسان من الأعضاء ولطيف الصنعة والعجائب أكثر مما في القصر بأضعاف مضاعفة، فإذا نظر إلى ما في نفسه فرأى ما فيها من العجائب والتركيب، ومنفعة كل عضو وتخصيصه إما بجلب نفع أو دفع ضر، فأمعن نظره في عضو واحد مثلًا وهو فمه، فيرى في
[ ٦٥ ]
أوله أسنانًا تشبه القوس تصلح للقطع، وفي آخره طواحين مضرسة تصلح للطحن، وشدقيه كأنهما ثقال الرحى يمنعان أن ينهرق الطعام إلى خارج، ولسان يرد ما انفلت من الطعام إليه على الطواحين، ثم يلي ذلك بلعوم يصلح لازدراد هذا الطحين، علم بأدنى تأمل أن هذه الخلقة ما انفعلت بنفسها اتفاقًا بل هي مفتقرة إلى قصد قاصد وجعل جاعل. وعلى هذا النمط لو ذهبنا نذكر منفعة كل عضو لوقفت على العجب ولكن تركناه كراهية التطويل.
وعلى هذا المعنى نبه الكتاب المهيمن، فقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الذريات: ٢١) . وبهذه العبرة تستقل العقول بإثبات الصانع، وتستغني عن النظر في الجواهر والأعراض. فالعلم المفيد لإثبات الصانع في الشاهد مثل البناء والنجار والخياط وأشباههم بعد النظر في صنائعهم على اضطرار، والعلم المثبت للصانع سبحانه عند النظر في حدث العالم على استدلال اعتبارًا للغائب بالشاهد، إذ لا فرق في العقول بين صنعة وصنعة في اقتضاء صانع، وإنما كان العلم في الشاهد ضروريًا لأن الإنسان لم يزل يرى البناء يبني والخياط يخيط والنجار ينجر الخشب، ولم تر العقلاء القديم ﷾ يخلق ويخترع وإنما استفادوه من النظر في الشاهد.
فإن قيل: فأي العلمين أقوى في النفوس وأثبت في العقول عند النظر في السرير واقتضائه النجار أو العلم بالإله عند النظر في السموات والأرضين وما بينهما؟ فالجواب: إن هذا يستدعي تفصيلًا وتدقيقًا وليس هذا الكتاب موضعًا لذلك، فحينئذ يعلم أن معه عقلًا غريزيًا ونسميه عاقلًا ونوجه التكليف عليه، وهو العقل التكليفي. وإذا ثبت هذا فاعلم أن الله تعالى خلق الخلق على أربعة أنحاء: ملائكة وآدميين وشياطين وبهائم. فأما الملائكة فعقول بلا شهوات ولا هوى، وأما البهائم فشهوات بلا عقول، وأما الشياطين والجن فركب الله فيها العقول والشهوات والهوى، وهكذا ركب في بني آدم العقل والهوى والشهوة، فغلبت شهوات الشياطين وهواهم عقولهم، فقطعوا أوقاتهم بالأخلاق المذمومة بالكبر والعجب والمقت والفخر والدعوى، والحسد والأذية وسائر الأخلاق المهلكة، وأما البهائم فقطعت أوقاتها في شهوات البطن والفرج.
وأما الآدميون فركب فيهم عقول الملائكة وأخلاق الشياطين وشهوات البهائم، فمن غلب عقله هواه منهم فكأنه من عالم الملائكة كالأنبياء والرسل والأولياء والأصفياء وقليل ما هم. وأما من كان عقله مغلوبًا بهواه وشهواته، فإن كان ذلك من المباحات من المطاعم والمشارب والملابس والمراكب والنساء، والخيل المسومة والأنعام والحرث، فأكل وتمتع بعد أن كسبه من حله فهذا من عالم البهائم، وإنما ألحقناه بعالم البهائم لأنه لا تكليف على البهائم، وكذلك من هذه المباحات لا حرج في الاستمتاع بها بعد أن يكون كسبها من حله، وإن كان الغالب عليه أخلاق الشياطين من الكبر والعجب والحسد والغش إلى سائر الأخلاق المذمومة، فهذا من عالم الشياطين. وإن اجتمع في الشخص إفراط الشهوات واتباع الهوى والأخلاق المذمومة فيكون آدميًا في صورته، شيطانًا في خلائقه، بهيمة في شهواته، فلا يصلح للصحبة. وإذا ثبت هذا فاعلم أن هذا العقل الغريزي أطول رقدة من العين وأحوج إلى الشحذ من السيف.