قالت حكماء العرب والعجم: مثل مضار السلطان في جنب منافعه مثل الغيث الذي هو سقيًا لله تعالى، وبركات السماء وحياة الأرض ومن عليها، وقد يتأذى به المسافر ويتداعى له البنيان وتكون فيه الصواعق، وتدر سيوله فيهلك الناس والدواب والذخائر، ويموج له البحر فتشتد بليته على أهله، ولا يمنع ذلك الخلق إذا نظروا إلى آثار رحمة الله تعالى في الأرض التي أحيى والنبات الذي أخرج، والرزق الذي بسط والرحمة التي نشر أن يعظموا نعمة ربهم
[ ٤٨ ]
ويشكروها، وبلغوا ذكر خواص الأذية التي دخلت على خواص الخالق.
ومثاله أيضًا مثال الرياح التي يرسلها الله تعالى نشرًا بين يدي رحمته، فيسوق بها السحاب ويجعلها إلقاحًا للثمرات وأرواحًا للعباد، يتنسمون منها ويتقلبون فيها، فتجري بها مياههم وتقد بها نيرانهم وتسير بها في البحر أفلاكهم، وقد تضر بكثير من الناس في برهم وبحرهم وتخلص إلى أنفسهم فيشكر بها الشاكرون، وقد يتأذى بها كثير من الناس فلا يخرجها ذلك عن منزلتها من أقوام عماده وتمام نعمته.
ومثاله أيضًا مثال الشتاء والصيف اللذين جعل الله تعالى حرهما وبردهما صلاحًا للحرث والنسل، ونتاجًا للأنعام والثمر يجمعها البرد بإذن الله تعالى ويخرجها الحر بإذن الله تعالى، فتصبح على اعتدال إلى غير ذلك من منافعهما، وقد يكون الأذى في حرهما وبردهما وشمسهما وزمهريرهما، وهما مع ذلك لا ينسبان إلا إلى الصلاح والخير وقد غمر صلاحهما أذيتهما.
ومثاله أيضًا مثل الليل الذي جعله الله تعالى سكنًا ولباسًا ونومًا وراحة وسباتًا، وقد يستوحش له أخو الفقر ويسارع فيه أهل الدعارة والفساد واللصوص، وتعدو فيه السباع وتنشر فيه المهام والحية وذوات السموم القاتلة، ثم لا ينسى العباد نعمة الله عليهم به ولا يزري صغير ضره بكبير نفعه. ومثاله أيضًا مثال النهار الذي جعله الله ضياءً ونورًا ونشورًا واكتسابًا، وقد تكون فيه الحروب والغارات والتعب والنصب والشخوص والخصومات، فيستريح الخلق منه إلى الليل ثم يتبين للعباد نعمة الله عليهم وهكذا كل جسيم من أمور الدنيا يكون ضرره خاصًا ونفعه عامًا فهو نعمة عامة، وكل شيء يكن نفعه خاصًا فهو بلاء عام، ولو كانت نعم الدنيا صفوًا من غير كدر وميسورها من غير عسير، لكانت هي الجنة التي لا تعب فيها ولا نصب. قال الشاعر:
لا ترج شيئًا خالصًا نفعه
فالغيث لا يخلو من العيب