وهذا باب سلكت فيه ملوك الطوائف والهند والصين والسند، وبعض ملوك الروم خلاف سيرة الأنبياء والمرسلين ﵈ والخلفاء الراشدين، فكانت الملوك تدخر الأموال وتحجبها عن الرعية وتعدها اليوم كريهة، على ما بينا في الباب قبله. وكانت الرسل والخلفاء من بعدهم تبذل الأموال ولا تدخرها وتصطنع الرعية وتوسع عليها، فكانت الرعية هم الأجناد والحماة. وهذه سيرة نبينا محمد ﷺ، وقد علمتم أن جوعه كان أكثر من شبعه، وأنه مات ودرعه مرهون في صاع من شعير عند يهودي، وكذلك الخلفاء الراشدون بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابنه الحسن وعمر بن عبد العزيز. وكان النبي ﷺ لما فتح الله عليه بلاد اليمن، كانت تجبى إليه الأموال فيفرقها ليومها، وقد توضع في المسجد وتفرش الأنطاع عليها ويفرقها من الغد ولم يكن له بيت مال.
وروى أبو داود في السنن أن النبي ﷺ صلى العشاء الآخر، ثم دخل حجرته وخرج مسرعًا وبيده خريقة فيها ذهب فقسمه، ثم قال: ما ظن آل محمد لو أدركه الموت وهذا عنده؟ ولم يكن للنبي بيت مال ولا للخلفاء الراشدين بعده، وإنما كانت الخلفاء تقسم الأموال التي جبيت من حلها بين المسلمين، وربما كان يفضل منها فضلات فتجعل في بيت، أو يكون بالناس عنها غنى في ذلك الوقت فتجعل في بيت، فمن حضر من غائب أو احتاج من حاضر قسم له حظه، ثم يفرق حتى لا يبقى في البيت منه درهم، كما روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أشرف على بيت فيه مال فقال: يا بيضاء يا حمراء ابيضي واحمري وغري غيري! ثم أمر فقسم ما فيه بين المسلمين، وأمر قنبرًا أن يكنسه ويرشه، ثم دخل فصلى فيه.
ثم إن كثيرًا من الملوك ساروا في الأموال على هذه السيرة من ملوك الإسلام وملوك الروم، ومعظم ما أهلك بلاد الأندلس وسلط عليها الروم أن الروم التي كانت تجاورها لم يكن لهم بيوت أموال، وكانوا يأخذون الجزية من سلاطين الأندلس ثم يدخلون الكنيسة، فيقسمها سلطانهم على رجاله بالطاس ويأخذ مثل ما يأخذون، وقد لا يأخذ منها شيئًا، وإنما كانوا يصطنعون بها الرجال، وكانت سلاطيننا تحجب الأموال وتضيع الرجال، فكان للروم بيوت رجال وللمسلمين بيوت أموال، فبهذه الخلة قهرونا وظهروا علينا. وكان من يذهب هذا المذهب ولا يدخر الأموال تضرب فيه الأمثال. ويقال: عدو الملك بيت المال وصديقه جنده، فإذا ضعف أحدهما قوي الآخر، فإذا ضعف بيت المال ببذله للحماة قوي الناصر واشتد بأس الجند فيقوى الملك، وإذا قوي بيت المال وامتلأ بالأموال قل الناصر وضعفت الحماة، فضعف الملك فوثب عليه الأعداء.
وقد شاهدنا ذلك في بلاد الأندلس مشاهدة، وإذن كان الدفاع في الرجال لا في الأموال، وإنما يدافع بالأموال بواسطة الرجال فلا شك أن بيت رجال خير من بيت مال. وقد قال بعض الملوك لابنه: يا بني لا تجمع الأموال لتقوى بها على الأعداء، فإن في جمعها تقوية للأعداء. يعني إذا جمعت المال أضعفت الرجال، فيطمع فيك الصديق ويثب عليك العدو وإنما مثل الملك في مملكته مثل رجل له بستان فيه عين معينة، فإن هو قام على البستان فأحسن تدبيره وهندس أرضه وغرس أشجاره وحظر على جوانبه، ثم أرسل الماء فاخضر عوده وقويت أشجاره
[ ١٢٤ ]
وأينعت ثماره وزكت بركاته، فكانوا جميعًا في أمان من الضيعة لا يخافون فقرًا ولا شتاتًا، وإن هو رغب في غلته وجبايته ولم ينفق فيه ما يكفيه ولا ساق إليه من الماء ما يرويه رغبة في الغلة وضنًا بالمال، ضعفت عمارته ورقت أشجاره وقلت ثماره وذهبت غلته، ومحق الدهر ما جنى من غلته فافتقر القوم وهلكوا وتشتتوا.
ومثال الملك في جمع المال ليتقوى به على الأعداء مثال طائر ينتف ريشه ويمص أصوله، ويأكل ما نعم منها فلذ له طيبها وأعجبه خصب جسمه على ذلك، فلم يزل كذلك حتى خف ريشه فسقط إلى الأرض فأكلته الهوام والحشرات. ورأيت في أخبار بعض الملوك أن وزيره أشار عليه بجمع الأموال واقتناء الكنوز وقال: إن الرجال وإن تفرقوا عنك اليوم فمتى احتجتهم عرضت عليهم فتهافتوا عليك، فقال الملك: هل لذلك من دليل؟ قال: نعم هل بحضرتنا الساعة ذباب؟ قال: لا. فأمر بإحضار جفنة فيها عسل فحضرت، فتساقط عليها الذباب لوقتها فاستشار السلطان بعض أصحابه في ذلك فنهاه عن ذلك وقال: لا تغير قلوب الرجال فليس في كل وقت أردتهم حضروا قال: هل لذلك من دليل؟ قال: نعم إذا أمسينا سأخبرك. فلما أظلم الليل قال للملك: هات الجفنة بالعسل. فحضرت ولم تحضر ذبابة واحدة.
وقد روينا عن سيرة بعض السلاطين في أرض مصر، وكان قد ملكها وكان اسمه بلد قوزانه، كان يجمع الأموال ولا يحفل بالرجال، فقيل له: إن أمير الجيوش بالشام يتواعدك وكائنه قادم عليك، فاستعد الرجال وأنفق فيهم الأموال، فأوما إلى صناديق موضوعة عنده وقال: الرجال في الصناديق، فغزا أمير الجيوش ذلك الملك في مصر وقتله وتسلم الصناديق والملك، فكان رأيه رأيًا فاسدًا لأن رجالًا يقيمهم لوقته ويصطنعهم لحاجته، إنما يكونون أجنادًا مجمعين وشرذمة ملفقين، ليس فيهم غنى ولا عندهم دفاع ولا ممارسة للحروب.
ومن السير المروية في هذا الباب أنه لما فتحت العراق جيء بالمال إلى عمر. فقال صاحب بيت المال: أأدخله بيت المال؟ قال: لا ورب الكعبة لا يؤوى تحت سقف بيت حتى نقسمه! فغطى في المسجد بالأنطاع وحرسه رجال من المهاجرين والأنصار. فلما أصبح نظر إلى الفضة والذهب والياقوت والزبرجد والدر يتلألأ فبكى، فقال له العباس أبو عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين والله ما هذا يوم بكاء ولكنه يوم شكر وسرور! فقال: إني والله ما ذهبت حيث ذهبت ولكنه والله ما كثر هذا في قوم إلا وقع بأسهم بينهم. ثم أقبل على القبلة ورفع يديه وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجًا، فإني أسمعك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٢) ثم قال: أين سراقة بن مالك بن جعشم؟ فأتي به وكان أشعر الذراعين دقيقهما فأعطاه سواري كسرى وقال: البسهما. ففعل ذلك فقال: قل الله أكبر. قال: الله أكبر. ثم قال: قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة رجلًا أعرابيًا من بني مدلج، ثم قلبهما وقال: إن الذي أدى هذا الأمين! فقال له رجل: أنا أخبرك أنت أمين الله تعالى وهو يؤدون إليك ما أديت إلى الله، فإذا رتعت رتعوا قال: صدقت وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي صلى الله عليه وسلمقال لسراقة ونظر إلى ذراعيه: كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ ولم يجعل له إلا السوارين.
ولما ولي أبو بكر الصديق جاءه مال من العمال، فصب في المسجد وأمر فنادى: من كان له عند النبي ﷺ دين فليحضر. قال أبو أيوب الأنصاري: فقلت حينئذ:
[ ١٢٥ ]
يا خليفة رسول الله إن النبي ﷺ قال لي: لو جاءني مال أعطيتك هكذا وهكذا، وأشار بكفيه فسكت أبو بكر فانصرفت ثم عاودته فقلت: إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني. فقال: ما أبخل عنك اذهب فخذ! فذهبت فحفنت حفنة قال: عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة دينار. قال: عد مثليها فعددت مثليها فانصرفت بألف وخمسمائة دينار. وأبو أيوب من أغنياء الأنصار وهو نزيل النبي ﷺ. دل الحديث على أن بيت المال للغني والفقير. ودل أيضًا على أنه لا يجب أن يساوى فيه بين جميع المسلمين بل ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. والدليل عليه أن النبي ﷺ قال له العباس: أعطني من هذا المال الذي عندك. قال: اذهب فخذ. فبسط ثوبه وحثى فيه فلما جاء ليحمله عجز عنه فقال: يا رسول الله احمله علي. قال: لا! قال: مر من يحمله علي. قال: لا! فنثر منه ثم جاء ليحمله فعجز عنه فقال: يا رسول الله احمله علي. قال: لا! قال: مر من يحمله علي. قال: لا! فنثر منه ثم حمله على عاتقه فأتبعه النبي ﷺ بصره حتى غاب عنه.
فصل
قال الحسن بن علي الأسدي: أخبرني أبي قال: وجدت في كتاب قبطي باللغة الصعيدية مما نقل بالعربية أن مبلغ ما كان يستخرج لفرعون يوسف ﵇ من أموال مصر بحق الخراج، مما يؤخذ من وجوه الجبايات لسنة واحدة على العدل والإنصاف والرسوم الجارية من غير اضطهاد ولا مناقشة، وبعد وضع ما يجب وضعه لحوادث الزمان نظرًا للمعاملين وتقوية لحالهم من الذهب العين، أربعة وعشرون ألف ألف وأربعمائة ألف دينار. من ذلك ما ينصرف في عمارة البلاد كحفر الخلجان والإنفاق على الجسور وسد الترع وإصلاح السبل، وفي تقوية من يحتاج إلى التقوية من غير رجوع عليه بها لإقامة العوامل والتوسعة في البدار، وغير ذلك من الآلات وأجرة من يستعان به لحمل البذر، وسائر نفقات تطريق الأرض ثمانمائة ألف دينار.
ولما ينصرف في أرزاق الأولياء المرسومين بالسلاح وحملته من الشاكرية والغلمان وأشياعهم، وعدة جميعهم مع ألف كاتب مرسومين بالدواوين سوى أتباعهم من الخزان، ومن يجري مجراهم وعدتهم مائة ألف وإحدى عشر ألف رجل من العين، ثمانية آلاف دينار. ولما يصرف للأرامل والأيتام فرضًا لهم من بيت المال، وإن كانوا غير محتاجين حتى لا يخلو أمثالهم من بر فرعون، أربعمائة ألف دينار. ولما يصرف في كهنة برايهم وسائر بيوت صلواتهم مائتا ألف دينار.
ولما يصرف في الصدقات وينادي منادي برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة إلا حضر، فيحضر لذلك من يحضر فلا يرد واحدًا والأمناء جلوس، فإذا رأوا إنسانًا لم يجر رسمه أفرد بعد قبض ما يقبضه حتى إذا فرق المال واجتمع من هذه الطائفة عدد، دخل أمناء فرعون إليه وهنوه بتفرقة المال ودعوا له بطول البقاء ودوام العز والسلامة، وأنهوا إليه حال تلك الطائفة فيأمر بتغيير شعثها بالحمام واللباس، ثم يمد السماط فيأكلون بين يديه ويشربون ويستعلم من كل واحد سبب فاقته، فإن كان ذلك من آفة الزمان رد عليه مثل ما كان له وأكثر، وإن كان عن دعوة سوء رأي وتدبير غير مستقيم ضمه إلى من يصرف عليه ويأخذه بالأدب والمعرفة، إلى أن يصلح من العين مائتي ألف دينار.
ولما يصرف في نفقات فرعون الراتبة لسنته مائتا ألف دينار، تكون النفقات على ما تقدم تفصيلها تسعة آلاف ألف وثمانمائة ألف دينار، ويحصل بعد ذلك ما يتسلمه يوسف الصديق ﵇ ويحصله لفرعون في بيت المال لنوائب الزمان أربعة عشر ألف ألف دينار وستمائة ألف دينار.
وقال أبو رهم: كانت أرض مصر أرض مدبرة حتى إن الماء ليجري من تحت منازلها وأفنيتها فيحبسوه كيف شاءوا ويرسلوه كيف شاءوا، وذلك قول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ (الزخرف: ٥١) وكان ملك مصر عظيمًا لم يكن في الأرض ملك أعظم منه وكانت الجنات بحافتي النيل لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزروع كذلك من أسوان إلى رشيد.
وكانت أرض مصر كلها
[ ١٢٦ ]
تروى من ستة عشر ذراعًا لما دبروا في جسورها وحافاتها، والزرع من بين الجبلين من أولها إلى آخرها وذلك قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ*وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ*وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ (الدخان٢٧: ٢٥) والمقام الكريم المنابر، وكان بها ألف منبر. وقال عبد الله بن عمر: استعمل فرعون هامان على حفر خليج سردوس، فأخذ في حفره وتدبيره فجعل أهل القرى يسألونه أن يجري الخليج تحت قريتهم ويعطوه مالًا، وكان يذهب به من قرية إلى قرية من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى القبلة، ويسوقه كيف أراد وإلى حيث قصد، فليس بمصر خليج أكثر عطوفًا منه، فاجتمع له من ذلك أموال عظيمة جزيلة، فحملها إلى فرعون وأخبره الخبر فقال له فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبيده ويفيض عليهم من خزائنه وذخائره ولا يرغب فيما في أيديهم، رد على أهل القرى ما أخذت منهم، فرد عليهم أموالهم. فهذه سيرة من لا يعرف الله ولا يرجو لقاءه ولا يخاف عذابه ولا يؤمن بيوم الحساب، فكيف تكون سيرة من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويوقن بالحساب والثواب والعقاب؟ وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥)
قال: هي خزائن مصر، وكانت أربعين فرسخا في مثلها، ولم يطع يوسف فرعون ويخلفه وينوب عنه إلا بعد أن دعاه إلى الإسلام فأسلم، فحينئذ قال: اجعلني على خزائن الأرض. ولما استوثق أمر مصر ليوسف الصديق ﵇ وكمل، وصارت الأشياء إليه وأراد ربك أن يغوضه على صبره لما لم يرتكب محارمه، وجاءت سنو الغلاء والجوع مات العزيز وذهبت الذخائر، وافتقرت زليخا وعمي بصرها وجعلت تتكفف الناس فقيل لها: لو تعرضت للملك لعله يرحمك ويغنيك، فطالما حفظتيه وأكرمتيه! ثم قيل لها: لا تفعلي لأنه ربما يتذكر منك ما كان منك إليه من المراودة والحبس، فيسيئ إليك ويكافئك على ما كان منك إليه. فقالت: أنا أعلم بحمله وكرمه وجلست له على رابية في طريقه يوم خروجه، وكان يركب في زهاء مائة ألف من عظماء قومه وأهل مملكته.
فلما أحست به قامت ونادت: سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم! فقال يوسف: ومن أنت؟ قالت: أنا التي كنت أخدمك على صدور قدمي وأرجل جمتك بيدي واكرم مثواك بجهدي، وكان مني ما كان وذقت وبال أمري وذهبت قوتي وتلف مالي، وفني عمري وعمي بصري وصرت أسأل وأتكفف، فمنهم من يرحمني ومنهم من لا يرحمني، بعد أن كنت مغبوطة أهل مصر كلها صرت مرحومتهم بل محرومتهم، هذا جزاء المفسدين! فبكى يوسف ﵇ بكاء شديدًا وقال لها: هل بقي في قلبك من حب شيء؟ فقالت: والذي اتخذ إبراهيم خليلًا لنظرة إليك أحب إلي من ملء الأرض ذهبا وفضة! فمضى يوسف وأرسل إليها رسولًا وقال لها: إن كنت أيما تزوجناك وإن كنت ذات بعل أغنيناك فقالت لرسول الملك: أنا أعرف أنه يستهزئ بي، هو لم يردني أيام شبابي وجمالي فكيف يقبلني وأنا عجوز عمياء فقيرة؟ فأمر بها يوسف ﵇ فجهزت فتزوجها، وأدخلت عليه فصف يوسف قدميه وقام يصلي ودعا الله باسمه الأعظم، فرد الله تعالى عليها شبابها وجمالها وبصرها كهيئتها يوم راودته، فواقعها فإذا هي بكر فولدت له إفراثيم بن يوسف وميشا بن يوسف، وطاب في الإسلام عيشهما حتى فرق الدهر بينهما. فيجب للقوي أن ينسى الضعيف وللغني أن لا ينسى الفقير، فرب مطلوب يصير طالبًا ومرغوب يصير راغبًا، ومسؤول يصير
[ ١٢٧ ]
سائلًا وراحم يصير مرحومًا فهذا يوسف الصديق ﵇ انظر إلى ضعفه في يدي أخوته يوم الجب ثم ضعفهم بين يديه يوم الصواع. وهذه زليخا ملكة مصر وسيدة أهلها عادت تتكفف في الطرقات.
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ (الأعراف: من ١٣٧) وكان يوسف بعد هذا يجوع ويأكل خبز الشعير ولا يشبع فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين. وقد رأيت أن أتحفك بمنقبة في مثلها يتنافس العقلاء ويرغب فيها الملوك والوزراء، وذلك أني لما كنت بالعراق وكان الوزير نظام الملك الغالب على ألقابه خوجه بزرك ﵀، قد وزر لأبي الفتح ملك الترك ملك شاه بن البارسلان، وكان قد وزر لأبيه من قبله فقام بدولتهما أحسن قيام، فشد أركانهما وشيد بنيانهما واستمال الأعداء ووالى الأولياء، واستعمل الكفاة وعم إحسانه العدو والصديق والمبغض والحبيب والبعيد والقريب، حتى ألقى الملك بجرانه وذل الخلق لسلطانه.
وكان الذي مهد له ذلك بإذن الله تعالى وتوفيقه أنه أقبل بكليته على مراعاة حملة الدين، فبنى دور العلم للفقهاء وأنشأ المدارس للعلماء، وأسس الرباطات للعباد والزهاد وأهل الصلاح والفقراء، ثم أجرى لهم الجرايات والكسى والنفقات، وأجرى الخبز والورق لمن كان من أهل العلم مضافا إلى أرزاقهم، وعم بذلك سائر أقطار مملكته، فلم يكن من أوائل الشام وهي بيت المقدس إلى سائر الشام الأعلى وديار بكر والعراقين، وخراسان بأقطارها إلى سمرقند من وراء نهر جيحون مسيرة زهاء مائة يوم، حامل علم أو طالبه أو زاهد أو متعبد في زاويته إلا وكرامته شاملة له سابغة عليه. فكان الذي يخرج من بيوت أموله في هذه الأبواب ستمائة ألف دينار في كل سنة، فوشى به الوشاة إلى أبي الفتح الملك وأوغلوا صدره عليه وقالوا: إن هذا المال المخرج من بيوت الأموال يقام به جيش يركز رايته في سور قسطنطينية.
فخامر ذلك قلب أبي الفتح الملك فلما دخل عليه قال: يا أبت بلغني أنك تخرج من بيوت الأموال كل سنة ستمائة ألف دينار إلى من لا ينفعنا ولا يغني عنا. فبكى نظام الملك وقال: يا بني أنا شيخ أعجمي لو نودي علي فيمن يزيد لم أحفظ خمسة دنانير، وأنت غلام تركي لو نودي عليك عساك تحفظ ثلاثين دينارًا وأنت مشتغل بلذاتك ومنهمك في شهواتك، وأكثر ما يصعد إلى الله معاصيك دون طاعتك، وجيوشك الذين تعدهم للنوائب إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيوف طولها ذراعان وقوس لا ينتهي مدى مرماه ثلثمائة ذراع، وهم مع ذلك مستغرقون في المعاصي والخمور والملاهي والمزمار والطنبور.
وأنا أقمت لك جيشًا يسمى جيش الليل إذا نامت جيوشك ليلًا قامت جيوش الليل على أقدامهم صفوفًا بين يدي ربهم، فأرسلوا دموعهم وأطلقوا بالدعاء ألسنتهم، ومدوا إلى الله أكفهم بالدعاء لك ولجيوشك فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون وبدعائهم تثبتون وببركتهم تمطرون وترزقون، تخرق سهامهم إلى السماء السابعة بالدعاء والتضرع. فبكى أبو الفتح الملك بكاء شديدًا ثم قال يا أبت شاباش يا أبت شاباش أكثر لي من هذا الجيش! ومن مناقب هذا الرجل وفضائله أن رجلًا قصده يقال له أبو سعيد الصوفي فقال له: يا خوجه أنا أبني لك مدرسة ببغداد مدينة الإسلام لا يكون في معمور الأرض مثلها، يخلد بها ذكرك إلى أن تقوم الساعة،.
[ ١٢٨ ]
قال: فافعل. فكتب إلى وكلائه ببغداد أن يمكنوه من الأموال، فابتاع بقعة على شاطئ دجلة وخط المدرسة النظامية وبناها أحسن بنيان، وكتب عليها اسم نظام الملك وبني حولها أسواقًا تكون محبسة عليها، وابتاع ضياعًا وخانات وحمامات ووقفت عليها، فكملت لنظام الملك بذلك رياسة وسؤدد وذكر جميل طبق الأرض خبره، وعم المشارق والمغارب أثره، وكان ذلك في سني عشر الخمسين وأربعمائة من الهجرة.
ثم رفع حساب النفقات إلى نظام الملك فبلغ ما يقارب ستين ألف دينار، ثم نمى الخبر إلى نظام الملك من الكتاب وأهل الحساب أن جميع ما أنفق نحو تسعة آلاف دينار، وأن سائر الأموال احتجها إلى نفسه وخانك فيها فدعاه نظام الملك إلى إصبهان للحساب. فلما أحس أبو سعيد بذلك أرسل إلى الخليفة أبي العباس يقول له: هل لك في أن أطبق الأرض بذكرك وأنشر لك فخرًا لا تمحوه الأيام؟ قال: وما هو؟ قال: أن تمحو اسم نظام الملك عن هذه المدرسة وتكتب اسمك عليها وتزن له ستين ألف دينار فأرسل إليه الخليفة يقول: أنفذ من يقبض المال. فلما استوثق منه مضى إلى إصبهان فقال له نظام الملك إنك رفعت لنا نحوًا من ستين ألف دينار وأحب أن تخرج الحساب. فقال له أبو سعيد: لا تطل الخطاب، إن رضيت فبها وإلا محوت اسمك المكتوب عليها وكتبت عليها اسم غيرك فأرسل معي من يقبض المال.
فلما أحس نظام الملك بذلك قال: يا شيخ قد سوغنا لك جميع ذلك ولا تمح اسمنا. ثم إن أبا سعيد بنى بتلك الأموال الرباطات للصوفية واشترى الضياع والخانات والبساتين والدور، ووقف جميع ذلك على الصوفية فالصوفية إلى يومنا هذا في رباط أبي سعيد الصوفي وأوقافه يتقلبون ببغداد. ففي مثل هذه المناقب فليتنافس المتنافسون ولمثلها فليعمل العاملون، فإن فيها عز الدنيا وشرف الآخرة وحسن الصيت وخلود جميل الذكر، فإنا لم نجد شيئًا يبقى على الدهر إلا الذكر حسنًا كان أو قبيحًا. وقد قال الشاعر:
ولا شيء يدوم فكن حديثًا
جميل الذكر فالدنيا حديث
فانتهز فرصة العمر ومساعدة الدنيا ونفوذ الأمر، وقدم لنفسك كما قدموا وتذكر بالصالحات كما ذكروا وادخر لنفسك كما ادخروا. واعلم أن المأكول للبدن والموهوب للمعاد والمتروك للعدو، فاختر أي الثلاثة شئت والسلام. وفي مثله يقول أبو القاسم الحريري صاحب المقامات:
مالك من مالك إلا الذي
قدمت فابذل طائعًا مالكًا
تقول أعمال ولو فتشوا
رأيت أعمالك أعمى لكا
وكان ابن أبي داود الوزير واسع النفس مبسوط اليدين، يعطي الجزيل ويستقل الكثير ولا يرد سؤالًا ويبتدي بالنوال، فقال له الواثق أمير المؤمنين يومًا: قد بلغني بسط يدك بالعطاء وهذا يتلف بيوت الأموال. فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: يا أمير المؤمنين ذخائر أجرها واصل إليك ومفاتيح شكرها موصول بك، وإنما لي من ذلك محبتي في إيصال الثناء إليك! فقال الواثق بالله: أنت جد بالعطاء وأكثر الشكر والثناء والله أعلم.