قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩) . يغني إذا علم القاتل والفاتك أنه
[ ١٥٧ ]
يقتص منه أحجم ولم يقدم على الفعل، فيكون في ذلك سبب حياته وحياة الذي هم به وروى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من كانت عنده لأخيه مظلمة فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه؛ وهذا حديث صحيح رواه البخاري: فإن قيل: يعارضه قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤) . فكيف يؤخذ الظالم بذنب ركبه المظلوم؟ قلنا: معنى الآية أنه لا يعاقب أحد بذنب أحد ابتداء، وأما في مسألتنا فمظلمة بقيت عنده وليس له وفاء بها فهو الذي اكتسب هذا الوزر وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ (العنكبوت: ١٣) .
وروى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة منه لمنزله في الدنيا. وروى أن النبي ﷺ قال قبل موته: من كانت له عندي مظلمة فليأت حتى أقصه من نفسي. فقام سواد بن غزية فقال: يا رسول الله إنك ضربتني على بطني ليلة العقبة فأوجعتني! فقال النبي ﷺ: دونك فاقتص. فقال يا رسول الله إنك ضربتني وأنا مكشوف البطن، فكشف النبي ﷺ بطنه، فإذا هي كالقباطي يعني ثياب مصر، فأكب عليه يقبله فقال: يا سواد ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله دنا لقاء هؤلاء المشركين فأردت أن يكون آخر العهد بك أن أقبل بطنك. فهذا رسول الله ﷺ يقص من نفسه، مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لعلمه أن الله تعالى لا يدع القصاص في المظالم بين العباد، لأن الله تعالى أعدل من أن يدع مظلمة لأحد عند نبي ولا غيره.
وفي الحديث: يقول الله تعالى يوم القيامة: أنا ظالم إن فاتني ظلم ظالم. ويروى أن داود عليه السلم يقدمه خصمه إلى الله تعالى يوم القيامة فيقضي له عليه، فيدفعه إلى أوريا ثم يستوهبه الله تعالى من أوريا، ثم يعوض أوريا على ذلك الجنة. وقال حبيب: دخل عثمان بن عفان ﵁ فوجد غلامه يعلف ناقة له، وإذا في علفها شيء فأخذ بأذنه فعركها ثم ندم فقال للغلام: قم فاقتص مني! فأبى الغلام فلم يزل به حتى قام فأخذ بأذنه ثم قال له: اعرك اعرك، وهو يقول شد شد حتى عرف عثمان أنه بلغ منه ثم قال: واهًا لقصاص الدنيا قبل قصاص الآخرة! وروى عوف بن عبد الله أن النبي ﷺ دعا خادمًا فلم يجيه أو كان نائمًا، فقال النبي صلى الله لولا القصاص لأوجعتك ضربًا. وروى ابن وهب في موطاه عن ابن شهاب قال: وقد أقاد النبي ﷺ والخليفتان بعده ﵄ من أنفسهم ليستن بهم، ولم يتعمدوا حيفًا وكانوا سلاطين.
وفي صحيح مسلم: روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، فيأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من خطاياهم فطرحت عليه ثم ألقي في النار، قال مالك ﵀: وبلغني أن أبا بكر الصديق ﵁ لما ولي الخلافة ضرب رجلًا ثم ندم وقال: مالي ولهذا ألا رددتها عليهم؟ فسمعته عائشة ﵂ فأرسلت إلى
[ ١٥٨ ]
عمر ﵁، فجاءه عمر فقال له: إني قد ضربت رجلًا وقد كنت معافى من هذا أن أضرب أحدًا، فقال له عمر ﵁ كذلك الإمام. قال: فما المخرج؟ قال: أن نأتي الرجل فنسأله أن يجعلك في حل. فأتياه فاستحلاه.
دلت الآثار على أن الأمير والمأمور في القصاص سواء، إذا جنى أحدهما على الآخر، وإن الأمير إذا ظلم المأمور زال تأمره عليه في ذلك المعنى، وكان الأمير في ذلك المعنى كبعض المؤمر عليهم حتى يتحاكموا إلى السلطان الأعظم. وكان عمر ﵁ يقول: إنما بعثت أمرائي ليعلموا الناس دينهم ويقسموا بينهم فيئهم ويعدلوا فيهم، ولم أبعثهم ليضربوا أبشارهم ويحلقوا أشعارهم، فمن ظلمه أميره فلا إمرة له عليه، ذروني حتى آخذ له بحقه. فقال عمرو بن العاص: الله الله يا أمير المؤمنين! إن أدب رجل رجلًا من رعيته يقتص له منه؟ فقال عمر: أنا أقتص منه. وقد رأيت النبي ﷺ يقص من نفسه.
فأما القصاص بين البهائم فاختلف الناس في جشرها وفي جريان القصص بينها. فكان ابن عباس ﵄ يقول حشرها موتها قال: وحشر كل شيء الموت إلا الجن والإنس فإنهما يوفيان يوم القيامة. وقال معظم المفسرين: إنها تحشر ويقتص منها. وقال أبي بن كعب: تحشر البهائم. وقال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب. وقال أبو هريرة ﵁: ما من دابة في الأرض إلا ستحشر يوم القيامة، ثم يقتص لبعضها من بعض ثم يقال لها: كوني ترابًا واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ الأنعام: ٣٨. وقال أبو الحسن الأشعري: لا يقطع بإعادة البهائم والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة، ويجوز أن يعادوا ويدخلون الجنة، ويجوز أن لا يعادوا.
والدليل على ثبوت الإعادة في الجملة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (التكوير: ٥) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام: ٣٨) . وروى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى إن الشاة الجلحاء لتقاد من الشاة القرناء. وقال أبو ذر ﵁: انتطحتا شاتان عند النبي صلى الله علي وسلم فقال: أتدري فيم انتطحتا؟ قلت: لا أدري، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما، فقال أبو ذر ﵁: لقد تركنا النبي ﷺ وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا. وقال أبو ذر: إن الحجر ليسأل عن نكبة إصبع الرجل.
وفي الحديث الصحيح في مسلم والبخاري وغيرهما أن النبي ﷺ قال: ليأتي أحدكم على رقبته بعير لها رغاء، على رقبته بقرة لها خوار، على رقبته شاة تيعر ثم يبسط لها بقاع قرقر فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، كلما مرت عليه أولاها عادت أخراها والحديث وارد في مانع الزكاة. قال أبو الحسن: لا تجري المقاصصة بين البهائم لأنها غير مكلفة ولا يجري عليها القلم. قال: وما ورد في ذلك من الأخبار نحو قول النبي ﷺ (يقتص للجماء من القرناء ويسأل العود لم خدش العود) فعلى سبيل المثل والإخبار عن شدة التقصي في الحساب وأنه لا بد أن يقتص للمظلوم من الظالم. وأبى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني. قال في الجامع الجلي: يجري القصاص بينها، قال: ويحتمل أنها كانت تعقل هذا القدر في دار الدنيا فلهذا جرى فيه القصاص. قلت: وكلام الأستاذ له وجه في الصحة لأن البهيمة تعرف النفع والضر، فتنفر من العصا وتقبل العلف، وينزجر الكلب إذا زجر ويستأسد إذا شلي، والطير والوحش يفر من الجوارح استدفاعًا لشرها، ثم إنهم لم يجر عليهم القلم في الدنيا وإنما يرفع القلم عنها في الأحكام.
فإن قيل: القصاص انتقام وهو جزاء على جناية وقعت مخالفة للأمر، والبهائم ليست بمكلفة ولا لها عقول ولا جاءها رسول، والعقول عندكم لا يجب بها شيء على العقلاء فضلًا عن البهائم وفي هذا انفصال عن قول الأستاذ أبي إسحاق إنها
[ ١٥٩ ]
كانت تعقل هذا القدر إذ لا يجب بالعقل شيء ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الاسراء: ١٥) . فالجواب: إنها ليست مكلفة لأنه من ضرورة التكليف أن يعلم الرسول والمرسل، وذلك من خصائص العقلاء وهم الثقلان، فإذا لم يكونوا مكلفين كانوا في المشيئة يفعل الله بهم ما أراد، كما سلط عليهم في الدنيا الإستسخار والذبح فلا اعتراض عليه، ولله تعالى أن يفعل في ملكه ما أراد من تنعيم وتعذيب، وإذا جاز أن يؤلم البهيمة ابتداء جاز أن يؤلمها بعد جنايتها. والآية محمولة على من يعلم الرسول والمرسل، ويجوز أن الله تعالى خلق لها العلم الضروري بالعلم من ذلك، ثم إن لم يجر عليها القلم في الدنيا فإنما رفع عنها في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به.
وقد روى البخاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم ﵇. فهذه عجماه عوقبت على سوء صنيع جنسها. وفيه دليل على أن الله تعالى يعذب بملكه لا بالمعصية. وقد ضرب موسى ﵇ الحجر الذي فر بثوبه وبنوا إسرائيل ينظرون عورته؛ رواه البخاري عن النبي ﷺ قال: فضربه بعصاء والحجر يفر وموسى يقول ثوبي حجر ثوبي حجر! قال أبو هريرة: فوالذي نفسي بيده إنه ندب الحجر ستة أو سبعة. وروى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (البقرة: ٢٤) . إنها الحجارة التي نكبت الناس في الدنيا وروي أن المسيح ﵇ مر بجبل فسمع أنينه فسأله عن ذلك، فقال: سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فلا أدري أكون من تلك الحجارة أم لا. وقد تأول بعضهم قول ابن عباس ﵄ "حشرها موتها" تحشر لضرب من القصاص بينها ثم تصير ترابًا. قلت: وتأويل ابن عباس ﵄ بعيد، لأن الحشر وليس في موتها جمعها بل فيه تفرقتها وتفرقة أجزائها ثم قال إلى ربهم يحشرون، وإنما يكون الحشر إلى الرب تعالى بإعادة الحياة إليها وجمعها إلى ربها جل وعلا.