قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (هود: ٧٥) وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر: ٨٥) . قال علي بن أبي طالب ﵁: الصفح الجميل هو الرضى بلا عتاب. وقيل: الصفح الجميل هو الرضى بلا توبيخ فيه ولا حقد معه. وفي الأمثال القديمة: كاد الحليم أن يكون نبيًا. وروي أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: علمني كلمات أعيش بهن ولا تكثر فأنساهم! قال: لا تغضب! واعلم أن الحلم أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب، لما فيه من راحة السر واجتلاب الحمد، وأحق الناس به السلطان لأنه منصوب لإقامة أود الخلق وممارسة أخلاقهم، فإن لم يكن معه حلم يرد به بوادرهم وإلا وقع تحت عبء ثقيل. وكان أنوشروان ذا حلم وأناة، وكان يقول: في خصلتان لولا أنهما ظاهرتان عند الرعية لضقت بهما ذرعًا: الحلم والأناة.
ويروى أن يحيى بن زكرياء لقي عيسى
[ ٨١ ]
بن مريم ﵉ فقال: يا روح الله أخبرني بأشد الأشياء في الدارين. قال: غضب الله تعالى. قال: يا روح الله وما ينجيني من غضب الله تعالى؟ قال: اترك الغضب. قال: يا روح الله وما بدء الغضب؟ قال: التعزز والتكبر والفخر على الناس. وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: وجبت محبة الله على من أغضب فحلم. والذي يضرب بحلمه المثل في هذا الباب قصة إسحاق ﵇؛ قال له إبراهيم ﵇: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ*فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (الصافات١٠٣: ١٠٢)، وأمر على حلقه السكين فلم يقل إلا خيرًا، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠١) . وفي الأخبار يقول إبليس لعنه الله: إن الحديد من الرجال لم نيأس منه وإن كان تحيا بدعائه لأنه تأتي عليه ساعة يحتد فيها
فنصيب منه ما نريد.
وروي أن جعفر بن محمد دخل على الرشيد وقد استخفه الغضب فقال: يا أمير المؤمنين، إنك إنما تغضب لله تعالى فلا تغضب له بأكثر من غضبه لنفسه. واعلم أرشدك الله تعالى أن هذه الكلمة لا قيمة لها، والله أعلم حيث يضع رسالته، فما أفخمها وأجل قدرها وأعظم شأنها! لأنك إذا كنت أيها السلطان إنما تتصرف في ملك الله بأمر الله، فالله تعالى قد حدد حدودًا وشرع شرائع، وأقام فروضًا وسننًا ونهى عن حدود ورسوم، ثم قدر في كل خصلة عند مخالفته حدًا محدودًا، ونهى أن يتجاوز ذلك الحد، فلا تقتل من استحق القطع والحبس والأدب والحد، ولا تحبس غير من استحق الحبس. وكانت الخلفاء يؤدبون الناس على قدر منازلهم، فمن عثر من ذوي المروءات أقيلت عثرته ولم يقابل بشيء، لقوله ﵇: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. ومن سواهم كان يقابل على قدر منزلته وهفوته، فكان يقام قائمًا في مجلس يقعد فيه نظراؤه فتكون هذه عقوبته، وآخر يشق جيبه وآخر تنزع عمامته من على رأسه، وآخر يكلم بالكلام الذي فيه بعض الغلظة.
قال الشعبي: كانت العصاة في زمن عمر وعثمان وعلي ﵃ إذ أخذ الرجل منهم نزعت عمامته، وطيف به في المسجد على قومه وقيل: هذا رجل آخر بشعيرة. فلما ولي زياد ضربهم ونزع عمائمهم، فلما ولي مصعب بن الزبير حلق مع الضرب رؤوسهم. فلما ولي بشر بن مروان أقامهم على الكراسي ثم مدت أيديهم وسمرها بمسمار، ثم نزع الكرسي من تحت أرجلهم حتى تحزم أيديهم فمن ميت ومن حي. فلما ولي الرجل المعروف بالحجاج قال: كل هؤلاء يلعب، فمن أخل بشعيرة ضربت عنقه! وقال أرسطاطاليس: النفس الذليلة لا تجد ألم الهوان، والنفس الشريفة يؤثر فيها يسير الكلام؛ وفيه قيل:
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
واعلم أن من تجاوز في العقوبة فوق ما حدد الله تعالى فيها، شارك المذنب في الذنب واستوجب ما استوجبه المجرم من العقوبة، وتبين بالآخرة أنه إنما يعاقب للهوى والتشفي إذا فما غضب لله تعالى. وفي كتاب سليمان بن داود ﵉: القاهر لنفسه أشد ممن يفتح المدينة وحده، وصدق نبي الله ﵇، فإن السلطان يفتتح المدينة ويقهر أهلها، ويغلب جنودها وحماتها، ويقتل أبطالها ثم تغلبه شهوته ويبقى أسيرًا في ذل هواه، قد قهرته قينة بطنبورها أو قدح خمر يلعب بعقله. وقال أكثم بن صيفي: الصبر على جرع الحلم أعظم من جنا ثمر الندم. وقال علي بن أبي طالب ﵁. سألت كثيرًا من كبراء فارس عن أحمد ملوكهم عندهم؟ قال:
[ ٨٢ ]
أزدشير فضل السبق غير أن أحمدهم سيرة أنوشروان. قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم والأناة. فقال علي ﵁: هما توأمان أنتجتهما علو الهمة. ومن محمود السيرة أن تعرف الناس من أخلاقك أنك لا تعجل بالثواب ولا بالعقاب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي؛ قال محمود الوراق:
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب
وإن عظمت منه علي الجرائم
فما الناس إلا واحدًا من ثلاثة:
شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف فضله
وأتبع فيه الحق والحق لازم
وأما الذي دوني فإن قال، صنت عن
إجابته نفسي، وإن لام لائم
وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا
تفضلت إن الحلم بالفضل حاكم
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يقول: أسرع الناس جوابًا من لم يغضب، لا توقدن بين جبينك جمرة الغضب واردد إساءته بالحلم، فإن شجرة النار إذا ألحت عليها الرياح تخللت أغصانها، فتشعل نار فتحترق من أصوله. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: ثلاث من أجتمعن فيه فقد سعد: من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر عفا وكف. وسئل جعفر بن محمد ﵁ عن حد الحلم فقال: وكيف يعرف فضل شيء لم نر كماله في أحد؟ وقال الأحنف بن قيس لابنه: يا بني، إذا أردت أن تواخي رجلًا، فأغضبه، فإن أنصفك وإلا فاحذره. وكان مسلم بن نوفل سيد بني كنانة قد ضربه رجل من قومه بسيفه فأخذ فأتى به إليه فقال له: ما الذي فعلت أما خشيت انتقامي؟ قال: لا. قال: فلم؟ قال: ما سودناك إلا أن تكظم الغيظ وتعفو عن الجاني، وتحلم على الجاهل وتحتمل المكروه في النفس والمال، فخلى سبيله. فقال قائلهم:
تسود أقوام وليسوا بسادة
بل السيد المعروف سلم بن نوفل
وقال رجل من كلب للحكم بن عوانة: إنما أنت عبد فقال: والله لأعطينك عطية ما تعطيها العبيد! فأعطاه مائة رأس من السبي. ومن أمثال العرب: احلم تسد. ويروى أن هشامًا غضب على رجل من أشراف الناس، فشتمه فوبخه الرجل وقال له: أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة الله في أرضه؟ فأطرق هشام واستحى وقال له: اقتص! فقال: أنا إذًا سفيه مثلك! قال: فخذ عن ذلك عوضًا من المال. قال: ما كنت لأفعل! قال: فهبها لله. قال: هي لله ثم لك! فنكس هشام رأسه وقال: والله لا أعود لمثلها. قال الشاعر:
لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا
حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مسفرة
لا صفح ذل ولكن صفح إكرام
وقال آخر:
وجهل رددناه بفضل حلومنا
ولو أننا شئنا رددناه بالجهل
رجحنا وقد خفت حلوم كثيرة
وعدنا على أهل السفاحة بالفضل
وقال هشام لخالد بن صفوان: صف لي الأحنف بن قيس. قال: يا أمير المؤمنين، إن شئت عنه بثلاث وإن شئت أخبرتك عنه بثلاث وإن شئت باثنين وإن شئت بواحدة، فقال: أخبرني عنه بثلاث. قال: كان لا يحرص ولا يجهل ولا يدفع الحق إذا نزل به. قال: فأخبرني عنه باثنتين. قال: كان يؤثر الخير ويتوقى
[ ٨٣ ]
الشر! قال: فأخبرني عنه بواحدة. قال: كان أعظم الناس سلطانًا على نفسه. وقال أكثم بن صيفي: الغلبة والعز للحلم. وقال الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال. وصدق الأحنف فإن من حلم كان الناس أنصاره. كما روي أن رجلًا أسرع في شتم بعض الأدباء وهو ساكت، فحمى له بعض المارين في الطريق وقال له: يرحمك الله ألا أنتصر لك؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: لأني وجدت الحلم أنصر لي من الرجال، وهل حاميت لي إلا لحلمي؟ وقال رجل لعمرو بن العاص ﵁: والله لأتفرغن لك! فقال له: الآن وقعت في الشغل. وقال عبد الله بن عمر: إن رجلًا ممن كان قبلكم استضاف قومًا فأضافوه، ولهم كلبة تنبح، فقالت: والله لا أنبح ضيف أهلي الليلة، فعوى جراؤها في بطنها، فبلغ ذلك نبيًا لهم أو قيلًا من أقيالهم، فقال: مثل هذا مثل أمة تكون بعدكم تظهر سفهاؤها على حلمائها. وقال الأحنف: إياكم ورأي الأوغاد. قالوا: وما رأي الأوغاد؟ قال: الذين يرون الصفح والعفو عارًا. وسئل الأحنف عن الحلم فقال: هو الذي يصبر عليه، ولست بحليم ولكني صبور.
ويروى أن المهلب نازعه رجل من كبراء بني تميم، فأربى على المهلب والمهلب ساكت، فقيل له في ذلك، فقال: كنت إذا سبني استحيت من سخف السباب وتحلية اللئام والسفلة، وكان إذا سبني تهلل وجهه وشمخت نفسه بأن ظفر بفضل الفخر ونبذ المروءة، وخلع ربقة الحياء وقلة الاكتراث بسوء الثناء! ومر المسيح ﵇ على قوم من اليهود فقالوا شرًا فقال لهم خيرًا، فقيل له: إنهم يقولون شرًا وأنت تقول لهم خيرًا! فقال: كل ينفق مما عنده. وقال أكثم بن صيفي: من حلم ساد ومن تفهم ازداد، وكفر النعمة لؤم وصحبة الجاهل شؤم، ولقاء الإخوان غنم والمباشرة يمن، ومن الفساد إضاعة الزاد.
وسب رجل الشعبي بقبائح نسبها إليه، فقال الشعبي: إن كنت كاذبًا فغفر الله لك، وإن كنت صادقًا فغفر الله لي! وقال رجل لأبي بكر الصديق ﵁: لأسبنك سبًا يدخل معك في قبرك! فقال أبو بكر: معك يدخل لا معي! وقال رجل للأحنف بن قيس: إن قلت لي كلمة لتسمعن عشرة! فقال له الأحنف: لكنك لو قلت لي عشرًا لم تسمع مني واحدة. وروي أن رجلًا سب الأحنف وهو يماشيه في الطريق، فلما قرب من المنزل وقف الأحنف وقال: يا هذا إن كان بقي معك شيء فقله ههنا، فإني أخاف أن يسمعك فتيان الحي فيؤذوك. وسب رجل بعض الحكماء، فقال له الحكيم: لست أدخل في حرب الغالب فيه شر من المغلوب. وقال لقيط بن زرارة:
فقل لبني سعد فما لي وما لكم
ترقون مني ما استطعتم وأعتق
أغركم أني بأحسن شيمة
بصير وأني بالفواحش أخرق
وإن تك قد ساببتني فقهرتني
هنيئًا مريئًا أنت بالفحش أحدق!
وقال رجل لأبي ذر ﵁: أنت الذي نفاك معاوية من الشام، ولو كان فيك خير ما نفاك! فقال: يا ابن أخي إن ورائي عقبة كؤودًا، إن نجوت منها لم يضرني ما قلته، وإن لم أنج منها فأنا شر مما قلت! وقال لقمان لابنه: يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا أخوك إلا عند الحاجة إليه. وسب رجل بعض الحكماء فأعرض عنه، فقال له: إياك أعني! فقال له الحكيم: وعنك أعرض! وفي ذلك قيل:
قل ما بدا لك من زور ومن كذب
حلمي أصم وأذني غير صماء
[ ٨٤ ]
وقيل يومًا للأحنف بن قيس: ما أحلمك! فقال: لست بحليم ولكني أتحالم، والله إني لأسمع الكلمة فأحم لها ثلاثًا، ما يمنعني من جوابها إلا الخوف من أن أسمع ما هو شر منها! وقال الشاعر:
وليس يتم الحلم للمرء راضيًا
إذا كان عند السخط لا يتحلم
كما لا يتم الجود للمرء موسرًا
إذا كان عند العسر لا يتجشم
ويروى أن رجلًا سب جعفر بن محمد ﵄، فقال: أما ما قلت مما هو فينا فإنا نستغفر الله منه، وما قلت مما ليس فينا فإنا نكلك فيه إلى الله تعالى. وقال بعض الحكماء: احذروا الغضب، فرب غضب استحق الغضبان به غضب الله تعالى. وقال أكثم بن صيفي: لا يكون الرجل حليمًا حتى يقول السفيه أنه لضعيف مستذل، ولا يكون مخلصًا حتى يقول الأحمق أنه لمفسد. ومن أشعر بيت قيل في الحلم قول كعب بن زهير:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا
أصبت حليمًا أو أصابك جاهل
ووصف أعرابي رجلًا فقال: أحلم من فرخ طائر. وقال أعرابي: إن الغضب عدو العقل، ولذلك يحول بين صاحبه وبين العقل. وقال صعصعة بن صوحان: الغضب مرقدة العقل، فربما أصلده وربما أربده. وقال أعرابي: إذا جاء الغضب تسلط العطب. وكان ابن عون إذا غضب على أحد قال: سبحان الله بارك الله فيك! وقال الأصمعي: دفع أزدشير إلى رجل كان يقوم على رأسه كتابًا وقال: إذا رأيتني قد اشتد غضبي فادفعه إلي. فكان فيه: اسكن فلست بإله، إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضًا، وتصير عن قريب للدود والتراب! وهذه السيرة أول من سنها ملك تبع، أمر أن يكتب في كتاب: اسكن فلست بإله! وقال لصاحبه: إذا غضبت فاعرضه علي. فكان إذا غضب عرضه عليه، فإذا قرأه سكن غضبه. وقال معاوية: أفضل ما أعطي الرجل العقل والحلم، فإذا ذكر ذكروا وإذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر وإذا غضب كظم، وإذا قدر عفا وإذا أساء استعفى وإذا وعد أنجز.
ومن كلام الحكماء: من أطاع الغضب حرم السلامة، ومن عصى الحق غمره الذل. وقال بعض الحكماء: كظم الغيظ حلم والحلم صبر، والتشفي ضرب من الجزع. وقال آخر: أول الغضب جنون وآخره ندم. وقال بعض الحكماء: إذا غلب على الرجل أربع خصال فقد عطب: الرغبة والرهبة والشهوة والغضب. وقيل لبعض الصالحين: إن فلانًا يقع فيك بقول. فقال: لأغيظن من أمره يغفر الله لي وله! قيل له: ومن أمره؟ قال: الشيطان. وقال رجل لأخيه: إني مررت بفلان وهو يقع فيك ويذكرك بأشياء رحمتك منها. قال: فهل سمعتني أذكره بشيء؟ قال: لا. قال: فإياه فارحم، وقال الفضيل: ثلاثة لا يلامون على الغضب: المريض والصائم والمسافر. وقال الأحنف بن قيس: تعلمت الحلم من قيس بن عاصم المنقري. إني لجالس معه في فناء بيته وهو يحدثنا إذ جاءت جماعة يحملون قتيلًا، ومعهم رجل مأسور فقيل له: هذا ابنك قتله أخوك! فوالله ما قطع حديثه ولا حل حبوته حتى فرغ من منطقته، ثم أنشد:
أقول لنفسي تصبيرًا وتعزية:
إحدى يدي أصابتني، ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه
هذا أخي حين أدعوه، وذا ولدي
ثم التفت إلى بعض ولده وقال: قم أطلق عمك ووار أخاك التراب، وسق إلى أمه مائة من الإبل فإنها
[ ٨٥ ]
غريبة. ومن أنبل بيت قالته العرب:
فصح بالخير خرس بالخنا
رجح الأحلام ذيال الأزر
وقال آخر:
بأحلام عاد لا يخاف جليسهم
إذا نطق العوراء عرب لسان
إذا حدثوا لم يخش سوء استماعهم
وإن حدثوا أدوا بحسن بيان
وقال المسيح ﵇: ما حلم من لم يصبر عند الجهل، وما قوة من لم يرد الغضب، وما عبادة من لم يتواضع للرب تعالى؟ وقيل للإسكندر: إن فلانا وفلانًا ينقصانك ويثلبانك فلو عاقبتهم! فقال: هم بعد العقوبة أعذر في ثلبي وتنقيصي. ويروى عن جرير بن عبد الله: بينما هو راكب قد أردف ابنه إذ لقيه رجل فنال منه وجرير ساكت، فلما ولي قال له ابنه: يا أبت لم سكت عنه؟ قال له: يا بني إذن أوسع جرحي. وقال بعض الحكماء: متى أشفي غيظي، أحين أقدر فيقال لو عفوت، أم حين أعجل فيقال لو صبرت؟ وسئل بعض أصحاب الأحنف: أكان الأحنف يغضب؟ قال: نعم، لو لم يغضب ما بان حلمه، كان يغضبه الشيء فيتبين في وجهه اليومين والثلاثة وهو يصبر ويحلم.
ومن لم يغضب من الأشياء التي مثلها فقد فقد من الفضائل الشجاعة، والأنفة والحمية والدفاع والأخذ بالثأر والغيرة، فإن هذه الخصال نتائج الغضب، فمن فقد الغضب فقد فقد أس الفضائل على ما سنذكره في باب الشجاعة، إن شاء الله. وقيل: عند فقد الشجاعة تكون المهانة، ومن المهانة يكون سفساف الأخلاق ورذالة الطباع، فلا يبقى لسائر فضائله موقع. وكان يقال: من لم يغضب فليس بحليم، لأن الحليم يعرف عند الغضب. وقال الشعبي: الجاهل خصم والحليم حاكم. قال الشافعي ﵁: من استغضب ولم يغضب فهو حمار، ومن استرضي ولم يرض فهو جبار. وقد كان النبي ﷺ يغضب، ولكنه إنما كان يغضب لا لنفسه بل عند انتهاك حرمة ربه. واعلم أن الله تعالى ما مدح من لم يغضب، وإنما مدح من كظم الغيظ فقال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ (آل عمران: ١٣٤) . وقد أنشد النابغة بحضرة النبي ﷺ:
فلا خير في علم إذا لم يكن له
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فلم ينكر النبي قوله. وكان عمر ﵁ إذا سافر استتبع سفيهًا ويقول: أدفع به شر السفهاء عني! واعلموا أرشدكم الله أن أحسن خصال الملوك وأجلها قدرًا، وهي حلية الأنبياء ولبسة الأصفياء والأولياء، وأعملها على الرعايا نفعًا وأخلدها على ممر الأيام ذكرًا، وأجلها في المحافل والمجالس نشرًا، وهي الفضيلة التي تعم سائر الفضائل وتكمل بها سائر المحاسن، وهي الحلم. وها أنا أتلو عليك من ذلك ما يقضى فيه بالعجب: هذه دولة آل العباس أولهم أبو العباس السفاح إلى يومنا هذا لم يكن يفهم أحلم من المأمون، بلغ من حلمه أنه كان يقول: لو يعلم الناس ما لي في لذة العفو ما تقربوا إلي إلا بالجرائم! فعم حلمه سائر خلفاء بني العباس حتى صار يضرب المثل بحلمه. وبهذه الخصلة تهيأ ملكه وقهر أخاه الأمين. ومنها دولة بني أمية، أولهم معاوية بن أبي سفيان وآخرهم مروان الجعدي، لم يكن فيهم أحلم من معاوية لا جرم أن دانت له الدنيا، وملك بها رقاب العرب
[ ٨٦ ]
والعجم وصار حلمه يضرب به المثل، ويقتدي به الخلق ويهتدي به العقلاء، حتى حكي عنه أنه كان يقول: لو كان بيني وبين الناس خيط عنكبوت أو شعرة ما انقطعت، إذا جذبوا أرسلت وإذا أرسلوا جذبت! وهذه دولة الفرس وكانت أعظم دول الأرض وأشدها بأسًا وأكثرها علومًا وحكمًا، لم يكن في أكاسرها أحلم من كسرى أنوشروان، وصار يضرب بحلمه المثل وتطرز بسيرته الكتب والمصنفات. فيروى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، لقي كبيرًا من كبراء الفرس فقال له: ما أحمد خصال ملوككم؟ فقال: السبق لأزدشير وأحمدهم سيرة أنو شروان. فقال له علي: وما كان أغلب خصاله عليه؟ قال: الحلم والأناة. قال علي: هما توأمان نتيجتهما علو الهمة. وبلغ من حلمه أنه كان يضيق صدره بحمله فيقول: في خصلتان لولا أنهما ظاهرتان عند الرعية لضقت بهما ذرعًا: الحلم والأناة. فأعظم بخصلة تعم منفعتها ويبقى على الدهر جمالها، وتخلد في العقلاء
والعلماء والملوك والسوق بهجتها! وحسن مصادرها ومواردها أن يتخذها الملوك شعارًا ودثارًا، وإنما قصدت الحكماء من الملوك خاصة فأما من سواهم من الرعية فالأحنف بن قيس ونظرائه فلا يحصون عددًا وكثرة.