دخل الأحنف بن قيس على معاوية وعليه شملة ومدرعة صوف. فلما مثل بين يديه اقتحمته عينه فأقبل عليه فقال: مه! فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين، أهل البصرة عدد يسير وعظم كسير، مع تتابع من المحول واتصال من الدخول، فالمكثر منها قد أطرق والمقل منها قد أملق. وبلغ به المخنق؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعش الفقير ويجبر الكسير ويسهل العسير، ويصفح عن الدخول ويداوي المحول، ويأمر بالعطاء ليكشف البلاء ويزيل اللأواء. ألا وإن السيد من يعم ولا يخص، ويدعو الجفلى ولا يدعو النقرى، إن أحسن إليه شكر وإن أسيء إليه غفر، ثم يكون من وراء الرعية عمادًا يدفع عنهم الملمات ويكشف عنهم المعضلات. فقال معاوية: ها هنا يا أبا بحر، ثم قرأ: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (محمد: ٣٠) .
وقال سفيان الثوري: لما حج المهدي قال: لا بد لي من سفيان. فوضعوا لي المرصد حول البيت فأخذوني بالليل، فلما مثلت بين يديه أدناني ثم قال: لأي شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمورنا، فما أمرتنا من شيء صرنا إليه وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه؟ فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري لي أمناء ووكلاء. قلت: فما عذرك غدًا إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب ﵁ لما حج قال لغلامه: كم أنفقنا في سفرتنا هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارًا. فقال: ويحك، أجحفنا بيت مال المسلمين!
وقال الزهري: ما سمعت بأحسن من كلام تكلم به رجل عند سليمان بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين اسمع مني أربع كلمات، فيهن صلاح دينك وملكك وآخرتك ودنياك. قال: ما هن؟ قال: لا تعد أحدًا عدة وأنت لا تريد إنجازها، ولا يغرنك مرتقى سهلًا إذا كان المنحدر وعرًا، واعلم أن للأعمال جزاء فاحذر العواقب، وللدهر ثورات فكن على حذر.
ولما دخل ابن السماك على هارون قال له: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين إن الله لم يرض لخلافته في عباده غيرك، فلا ترض من نفسك إلا ما رضي به عنك، فإنك ابن عم رسول الله ﷺ وأولى الناس بذلك. يا أمير المؤمنين من طلب فكاك رقبته في مهلة من أجله كان خليقًا أن يعتق نفسه. يا أمير المؤمنين من أذاقته الدنيا حلاوتها بركون منه إليها، أذاقته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها.
[ ٢٩ ]
يا أمير المؤمنين ناشدتك الله أن تقدم على جنة عرضها السماوات والأرض، وقد دعيت إليها وليس لك فيها نصيب. يا أمير المؤمنين إنك تموت وحدك وتحاسب وحدك، وإنك لا تقدم إلا على حالة نادم مشغول، ولا تخلف إلا مفتونًا مغرورًا، وإنك وإيانا لفي دار سفر وجيران ظعن.
ولما حج سليمان بن عبد الملك استحضر أبا حازم فقال له: تكلم يا أبا حازم. فقال: بم أتكلم؟ فقال: في الخروج من هذا الأمر. قال: يسيران أنت فعلته. قال: وما ذاك؟ قال: لا تأخذ الأشياء إلا من حلها ولا تضعها إلا في أهلها. قال: ومن يقوى على ذاك؟ قال: من قلده الله من الأمر ما قلدك. قال: عظني يا أبا حازم. قال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من قبلك، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك. ثم قال: يا أمير المؤمنين نزه ربك في عظمته عن أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك. يا أمير المؤمنين إنما أنت سوق فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر، فاختر لنفسك أيهما شئت.
قال: فما لك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك؟ إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني أحزنتني، وليس عندي ما أخافك عليه ولا عندك ما أرجوك له. قال: فارفع إلي حوائجك. قال: قد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها، فما أعطاني منها قبلت، وما منعني منها رضيت، يقول الله ﷿: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الزخرف: ٣٢) . فمن ذا الذي يستطيع أن ينقص من كثير ما قسم الله، أو يزيد في قليل ما قسم الله؟ قال: فبكى سليمان بكاء شديدًا فقال رجل من جلسائه: أسأت إلى أمير المؤمنين! فقال له أبو حازم: اسكت! فإن الله تعالى أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه. ثم خرج من عنده فلما وصل إلى منزله بعث إليه بمال فرده وقال للرسول: قل له يا أمير المؤمنين، والله ما أرضاه لك فكيف أرضاه لنفسي؟ وقال الفضل بن الربيع: حج هارون الرشيد، فبينما أنا نائم ليلة إذ سمعت قرع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أجب أمير المؤمنين! فخرجت مسرعًا فإذا هو أمير المؤمنين فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء لا يخرجه إلا عالم، انظر لي رجلًا أسأله. فقلت له: ههنا سفيان بن عيينة. قال امض بنا إليه. فأتيناه فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين! فخرج مسرعًا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فقال: خذ لما جئنا له. فحادثه ساعة ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم. فقال: يا عباس اقض دينه، ثم انصرفنا. فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئًا، فانظر لي رجلًا أسأله.
ههنا عبد الرزاق بن همام. فقال امض بنا إليه نسأله. فأتيناه فقرعنا عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين! فخرج يصلي في غرفته يتلو آية من كتاب الله تعالى وهو يرددها، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين! فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أوما عليك طاعته؟ أوليس قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ليس للمؤمن أن يذل نفسه؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف الرشيد كفي فقال: أواه من كف ما ألينها إن نجت غدًا من عذاب الله! فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي. فقال:
خذ لما جئنا له يرحمك
[ ٣٠ ]
الله. فقال: وفيم جئت؟ حطبت على نفسك وجميع من معك حطبوا عليك، حتى لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك وعنهم أن يتحملوا عنك شقصًا من ذنب ما فعلوا، ولكان أشدهم حبًا لك أشدهم هربًا منك.
ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ لما ولي الخلافة، دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي؛ فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة. فقال هل سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن إفطارك فيها الموت. وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبًا، وأوسطهم عندك أخًا، وأصغرهم عندك ولدًا، فبر أباك وارحم أخاك وتحنن على ولدك. وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئت مت. وإني لأقول لك هذا وأخاف عليك أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام فهل معك رحمك الله مثل هؤلاء القوم من يأمرك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاءً شديدًا حتى غشي عليه، فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين! فقال: يا ابن الربيع قتلته أنت وأصحابك وأرفق به أنا؟ ثم أفاق فقال: زدني. فقال: يا أمير المؤمنين! بلغني أن عاملًا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه عمر: يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار وخلود الأبد، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائمًا أو يقظانًا، وإياك أن تزل قدمك عن هذه السبيل فيكون آخر العهد بك ومنقطع الرجاء منك. فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم إليه، فقال عمر: ما أقدمك؟ فقال له: خلعت قلبي بكتابك، لا وليت لك ولاية أبدًا حتى ألقى الله تعالى! فبكى هارون بكاء شديدًا ثم قال: زدني. فقال: يا أمير المؤمنين إن العباس عم النبي ﷺ جاءه فقال: يا رسول الله أمرني على إمارة. فقال له ﷺ: يا عباس يا عم النبي، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل. فبكى هارون بكاء شديدًا.
ثم قال: زدني يرحمك الله! فقال: يا حسن الوجه! أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فإن النبي ﷺ يقول: من أصبح لهم غاشًا لم يرح رائحة الجنة. فبكى هارون بكاء شديدًا، ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم يلهمني حجتي! قال: إنما أعني دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ*مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذريات٥٨: ٥٦) . فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ربك. فقال: سبحان الله! أنا أدلك على سبيل النجاة، وتكافئني بمثل هذا، سلمك الله ووفقك. ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده، فقال لي هارون: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين اليوم! وروي أن امرأة من نسائه دخلت عليه فقالت: يا هذا، أما ترى ما نحن فيه من ضيق الحال؟ فلو قبلت هذا المال لفرجت به عنا. فقال: إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه، موتوا يا أهلي جوعًا ولا تذبحوا فضيلًا. فلما سمع الرشيد ذلك قال: أدخل فعسى أن يقبل المال. قال: فدخلنا عليه،
[ ٣١ ]
فلما علم بنا الفضيل خرج وجلس على التراب على السطح، فجلس هارون إلى جانبه فجعل يكلمه وهو لا يجيبه، فبينما نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا قد أذيت الشيخ هذه الليلة، فانصرف يرحمك الله! فانصرفنا.
ووعظ شبيب بن شيبة المنصور فقال:
يا أمير المؤمنين إن الله لم يجعل فوقك أحدًا، فلا تجعل فوق شكرك شكرًا. ودخل عمرو بن عبيد على المنصور فقرأ: ﴿وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (الفجر٢: ١) حتى بلغ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: ١٤)، لمن فعل مثل فعالهم، فاتق الله يا أمير المؤمنين فإن بأبوابك نارًا تأجج، لا يعمل فيها بكتاب الله ولا بسنة رسول الله، وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك! أما والله لو علم عمالك أنه لا يرضيك منهم إلا العدل لتقرب به إليك من لا يريده. فقال له سليمان بن مجالد: اسكت! فقد غممت أمير المؤمنين. فقال عمرو: ويحك يا ابن مجالد! أما كفاك أنك خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين حتى أردت أن تحول بينه وبين من ينصحه؟ اتق الله يا أمير المؤمنين فإن هؤلاء قد اتخذوك سلمًا إلى شهواتهم، فأنت كالماسك بالقرون وغيرك يحلب، وإن هؤلاء لن يغنوا عنك من الله شيئًا! وقال الأوزاعي للمنصور في بعض كلامه: يا أمير المؤمنين، أما علمت أنه كان بيد رسول الله ﷺ جريدة يابسة يستاك بها ويردع بها المنافقين، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، ما هذه الجريدة بيدك اقذفها لا تملأ قلوبهم رعبًا؟ فكيف من سفك دماء المسلمين وشق أبشارهم ونهب أموالهم؟ إن المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، دعا إلى القصاص من نفسه بخدشة خدشها أعرابيًا عن غير عمد، فقال له جبريل ﵇: إن الله لم يبعثك جبارًا تكسر قلوب رعيتك! يا أمير المؤمنين لو أن ثوبًا من النار صب على ما في الأرض لأحرقه، فكيف بمن يتقمصه؟ ولو أن ذنوبًا من النار صب على ما في الأرض لأحرقه، فكيف بمن يتجرعه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف بمن يسلك فيها ويرد فضلها على عاتقه؟ ودخل بعض العقلاء على سلطان فقال له: إن أحق الناس بالإحسان من أحسن الله إليه، وأولاهم بالإنصاف من بسطت يداه بالقدرة، فاستدم ما أوتيت من النعم بتأدية ما
عليك من الحق. وروي أن أعرابيًا قام بين يدي هشام بن عبد الملك فقال له: أيها الأمير أتت على الناس سنون ثلاثة: أما الأولى فأكلت اللحم، وأما الثانية فأذابت الشحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وعندك فضول أموال فإن كانت لله فأقسمها بين عباد الله، وإن كانت لهم فلم تحظر عليهم؟ وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين. فأمر هشام بمال فقسم بين الناس وأمر للأعرابي بمال، فقال: أكل المسلمين له مثل هذا المال؟ قال: لا يقوم بذلك بيت المال. قال: لا حاجة لي فيما يبعث لأئمة الناس على أمير المؤمنين.
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أذكر بمقامي هذا مقامًا لا يشغل الله عنك كثرة من تخاصم من الخلائق يوم تلقاه بلا ثقة من العمل ولا براءة من الذنب. فبكى عمر بكاء شديدًا ثم استرده الكلام، فجعل يردده وعمر يبكي وينتحب، ثم قال: حاجتك؟ فقال: عاملك بأذربيجان أخذ مني اثني عشر ألف درهم. فقال: اكتبوها له حتى ترد عليه. ولما دخل زياد على عمر بن عبد العزيز قال: يا زياد ألا ترى إلى ما ابتليت به من أمر أمة محمد ﷺ؟ فقال زياد: يا أمير المؤمنين والله لو أن كل شعرة منك قطعت ما بلغت كنه ما أنت فيه، فاعمل لنفسك في الخروج
[ ٣٢ ]
مما أنت فيه يا أمير المؤمنين كيف حال رجل له خصم ألد؟ قال: سيئ الحالة. قال: فإن كان له خصمان ألدان؟ قال: أسوأ الحالة. قال: فإن كانوا ثلاثة؟ قال: لا يهنيه عيش. قال: فو الله ما من أحد من أمة محمد إلا وهو خصمك! فبكى حتى تمنيت أن لا أكون قلت له ذلك.
وقال محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين إنما الدنيا سوق من الأسواق، فمنها خرج الناس بما ربحوا فيها لآخرتهم وخرجوا بما يضرهم، فكم من قوم غرهم مثل الذي أصبحت فيه حتى أتاهم الموت فخرجوا من الدنيا مرملين، لم يأخذوا من الدنيا للآخرة، فأخذ مالهم من لا يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم؟ فانظر إلى الذي تحب أن يكون معك فقدمه بين يديك حتى تخرج إليه، وانظر الذي تكره أن يكون معك إذا قدمت فابتغ به البدل حيث يجوز البدل، ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على غيرك ترجو رواجها عندك، يا أمير المؤمنين افتح الأبواب وسهل الحجاب وانصر المظلوم. وحضر رجل بين يدي بعض الملوك فأغلظ له السلطان، فقال له الرجل:
إنما أنت كالسماء إذا أرعدت وأبرقت فقد قرب خيرها؟ فسكن غضبه وأحسن إليه.
ولما احتاج المنصور بن أبي عامر ملك الأندلس أن يأخذ أرضًا محبسة ويعاوض عنها خيرًا منها، استحضر بعض الفقهاء إلى قصره فأفتوا بأنه لا يجوز، فغضب السلطان وأرسل إليهم رجلًا من الوزراء مشهورًا بالحدة والعجلة فقال لهم: يقول لكم أمير المؤمنين يا مشيخة السوء، يا مستحلي أموال الناس، يا آكلي أموال اليتامى ظلمًا، يا شهود الزور وآخذي الرشا وملقني الخصوم، وملقحي الشرور وملبسي الأمور، وملتمسي الروايات لدى اتباع الشهوات، تبًا لكم ولآرائكم! فهو أعزه الله واقف على فسوقكم قديمًا وخونكم لأماناتكم مغضٍ عنه صابرٍ عليه، ثم احتاج إلى دقة نظركم في حاجة مرة واحدة في دهره، فلم تشفعوا إرادته، ما كان هذا ظنه بكم، والله ليعارضنكم وليكشفن ستوركم، وليناصحن الإسلام فيكم! وأفحش عليهم بهذا ونحوه فأجابه شيخ منهم ضعيف الهمة فقال: نتوب إلى الله مما قاله أمير المؤمنين ونسأله الإقالة.
فرد عليه زعيم القوم محمد بن إبراهيم بن حيويه وكان جلدًا صارمًا فقال للمتكلم: مم نتوب يا شيخ السوء؟ نحن براء من متابك! ثم أقبل على الوزير فقال: يا وزير بئس المبلغ أنت! وكل ما نسبته إلينا عن أمير المؤمنين فهو صفتكم معاشر خدمته، فأنتم الذين تأكلون أموال اليتامى بالباطل وتستحلون ظلمهم بالإخافة، وتنتجون معايشكم بالرشا والمصانعة، وتبغون في الأرض بغير الحق، وأما نحن فليست هذه صفاتنا ولا كرامة، ولا يقولها لنا إلا متهم بالديانة، فنحن أعلام الهدى وسرج الظلمة، بنا يتحصن الإسلام ويفرق بين الحلال والحرام وتنفذ الأحكام، وبنا تقام الفرائض وتثبت الحقوق وتحقن الدماء وتستحل الفروج، فهلا إذ عتب علينا أمير المؤمنين بشيء لا ذنب فيه لنا، وقال بالغيظ ما قاله، تأنيت بإبلاغنا رسالته بأهون من إفحاشك، وعرضت لنا بإنكاره، ففهمناه منك وأجبناك عنه بما يصلح الجواب له، وكنت تزين على السلطان ولا تفشي سره، ولا تحيينا بما استقبلتنا به، فنحن نعلم أن أمير المؤمنين لا يتمادى على هذا الرأي فينا، ولا يعتقد هذا المعتقد في صفاتنا، وإنه سيراجع بصيرته في إيثارنا وتعزيزنا، ولو كان عنده على هذه الحالة التي وصفتها عنا، والعياذ بالله تعالى من ذلك، لبطل عليه كل ما صنعه وعقده من أول خلافته إلى هذا الوقت، فلا يثبت له كتاب من حرب ولا سلم ولا شراء ولا بيع، ولا صدقة ولا حبس
[ ٣٣ ]
ولا هبة ولا عتق، ولا غير ذلك إلا بشهادتنا، هذا ما عندنا والسلام.
ثم قاموا منصرفين فلم يكادوا يبلغوا باب القصر إلا والرسل تناديهم، فدخلوا القصر فتلقاهم الوزراء بالإعظام ورفعوا منازلهم واعتذروا إليهم مما كان من صاحبهم، وقالوا لهم: إن أمير المؤمنين يعتذر إليكم من فرط موجدته، ويستجير بالله من الشيطان الرجيم ونزعته التي حملته على الجفاء عليكم، ويعلمكم أنه نادم على ما كان منه إليكم، وهو مستبصر في تعظيمكم وقضاء حقوقكم، وقد أمر لكل واحد منكم بما ترون من صلته وكسوته علامة لرضاه عنكم، فدعوا له وقبضوا ما أمر لهم به وانصرفوا غالبين لم يمسسهم سوء.
ولما نظر مالك بن دينار إلى المهلب بن أبي صفرة يجر أذياله ويتبختر في أثواب خيلائه، ناداه أن ارفع من ثيابك. فقال له المهلب: أوما تعرفني؟ قال له مالك: بلى إني أعرفك، أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. ويروى أن رجلًا قال لعبيد الله العمري: هذا هارون الرشيد في الطواف قد أخلي له المسعى، فقال له: لا جزاك الله عني خيرًا كلفتني أمرًا كنت عنه غنيًا! ثم جاء إليه فقال: يا هارون! فلما نظر إليه قال: لبيك يا عم! قال: كم ترى ههنا من خلق الله تعالى؟ قال: لا يحصيهم إلا الله. قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم، فانظر كيف تكون؟ قال: فبكى هارون وجلس فجعلوا يعطونه منديلًا منديلًا للدموع، ثم قال له: والله إن الرجل ليسرف في مال نفسه فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن أسرف في مال المسلمين؟ فيقال إن هارون كان يقول بعد ذلك: إني أحب أن أحج في كل عام، وما يمنعني من ذلك إلا عبيد الله العمري.
ويروى أن الحسن بن محمد بن الحسين دخل على عمر بن عبد العزيز فقال له:
يا عمر، ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان. فقال عمر: إيه أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة! وجثى على ركبتيه، فقال الحسن: من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له. ولما ولي عمر بن عبد العزيز وفد عليه الوفود من كل بلد، فوفد عليه الحجازيون فتقدم منهم غلام للكلام، وكان حديث السن، فقال عمر: لينطق من هو أسن منك. فقال الغلام: أصلح الله أمير المؤمنين! إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لسانًا لافظًا وقلبًا حافظًا، فقد استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق منك بمجلسك هذا. فقال عمر: صدقت! قل ما بدا لك.
غلام: أصلح الله أمير المؤمنين! نحن وفد تهنئة لا وفد مرزئة، وقد أتيناك لمن الله الذي من علينا بك، لم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد أتتنا منك في بلادنا، وأما الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك. فقال له عمر: عظني يا غلام! فقال: أصلح الله أمير المؤمنين! إن ناسًا غرهم حلم الله عليهم وطول أملهم، وكثرة ثناء الناس عليهم، فزلت بهم أقدامهم فهووا في النار، فلا يغرنك حلم الله عليك وطول أملك، وكثرة ثناء الناس عليك، فتزل بك قدمك فتلتحق بالقوم، فلا جعلك الله منهم وألحقك بصالحي هذه الأمة! ثم سكت، فسأل الإمام عمر الغلام عن سنه، فإذا هو ابن إحدى عشرة سنة، ثم سأل عن نسبه فإذا هو من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، فتمثل عمر عند ذلك بقول الشاعر:
تعلم فليس المرء يولد عالمًا
وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده
صغير إذا التفت عليه المحافل
[ ٣٤ ]
وفي مثل هذا قيل للعتابي، وكان لا يبالي بما لبس: ما لك لا تجيد الملبوس؟ فقال: إنما يرفع المرء أدبه وعقله لا حليته وحلته، لحى الله أمرأً يرضى أن ترفعه هيئته وجماله! لا والله حتى يشرفه أصغراه: لسانه وقلبه، ويعلو به أكبراه: همته ولبه. ولما دخل ضمرة بن ضمرة على المنذر بن المنذر وهو ملك، وكان ضمرة ذا رأي وعقل، احتقرته عينه لدمامته، فقال: لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! ثم قال ضمرة: أبيت اللعن! إن القوم ليسوا بجزرٍ تجزرن، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا نطق نطق ببيان، وإذا قاتل قاتل بجنان، والرجال لا تكال بالقفزان ولا توزن بالقبان. فأعجب المنذر بكلامه.
وروي أن روح بن زنباع كان في طريق مكة في يوم شديد الحر مع أصحابه، فنزلوا وضربت لهم الخيام والظلال، وقدم إليهم الطعام والشراب المبرد. فبينما هم كذلك وإذا هم براع، فدعاه إلى الطعام فأبى وقال: إني صائم! فقال له روح: في مثل هذا اليوم الحار؟ قال: أفأدع أيامي تذهب باطلًا؟ فقال له روح: لقد ضننت بأيامك يا راعي إذ جاد بها روح بن زنباع. وروي أن أعرابيًا قام بين يدي سليمان بن عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين، إني مكلمك كلامًا فاحتمله إن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته. فقال: هات يا أعرابي. فقال: إني سأطلق لساني بما خرست به الألسن لحق الله ولحق أمانتك! إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فأعظم الناس غبنًا يوم القيامة من باع آخرته بدنيا غيره! فقال له سليمان: أما أنت فقد نصحت، وأرجو أن الله يعين على ما قلدنا وقد جردت لسانك وهو سيفك. فقال: أجل يا أمير المؤمنين، وهو لك لا عليك! وقال بن أبي العروبة: حج الحجاج فنزل بعض المياه بين مكة والمدينة ودعى بالغداء، وقال لحاجبه: انظر من يتغدى معي واسأله عن بعض الأمر. فنظر نحو الجبل فإذا هو براع بين شملتين نائم فضربه برجله وقال له: ائت الأمير! فأتاه، فقال له الحجاج: اغسل يديك وتغد معي. فقال: دعاني من هو خير منك فأجبته. فقال: من هو؟ قال: الله تعالى دعاني إلى الصيام فصمت. قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد حرًا منه! قال: فافطر وصم غدًا. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد. قال: ليس ذلك إلي. قال: فكيف تسألني عاجلًا بآجل لا تقدر عليه؟ قال: لأنه طعام طيب. قال:
لم تطيبه أنت ولا الطباخ ولكن طيبته العافية! ولما حج هارون الرشيد بعث إلى مالك بن أنس بكيس فيه خمسمائة دينار، فلما قضى نسكه وانصرف ودخل المدينة بعث إلى مالك بن أنس أن أمير المؤمنين يحب أن تنتقل معه إلى مدينة السلام. فقال للرسول: قل له إن الكيس بخاتمه. وقال الرسول ﵇: والمدينة خير لهم ولو كانوا يعلمون.
وقال وهب بن منبه ﵁: إن ملكًا كان يفتن الناس ويحملهم على أكل لحم الخنزير، فأتى برجل أفضل أهل زمانه فأعظم الناس مكانه وهالهم أمره، فراوده على أكل لحم الخنزير فرق له صاحب شرطة الملك وقال له: أنا آتيك بجدي تذبحه مما يحل لك أكله، وإذا دعا الملك بلحم الخنزير أتيتك به ففعل، ثم أتى به الملك فدعا بلحم الخنزير فأتى صاحب الشرطة بلحم ذلك الجدي، فأمر به الملك أن يأكله، فأبى أن يأكله، فجعل صاحب الشرطة يغمزه أن يأكله فأبى أن يأكله، فأمر صاحب الشرطة أن يقتله. فلما ذهب به قال: ما منعك أن تأكله وهو اللحم الذي أنت ذبحته؟ أظننت أني جئتك بغيره؟ قال: لا قد علمت أنه هو، ولكنني خفت أن يفتتن الناس بي، فإن أكرهوا على أكل لحم الخنزير قالوا قد أكله فلان، فيستن
[ ٣٥ ]
بي فأكون فتنة لهم. فقتل ﵀.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لكعب الأحبار: يا كعب خوفنا! قال: أوليس فيكم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ؟ قال: بلى يا كعب ولكن خوفنا! قال: يا أمير المؤمنين، اعمل عملًا وجل لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبيًا لازدريت عملهم مما ترى. فأطرق عمر مليًا ثم أفاق فقال: يا كعب خوفنا! فقال: يا أمير المؤمنين، لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها! فبكى عمر ثم أفاق فقال: يا كعب زدنا. فقال: يا أمير المؤمنين، إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة، فما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر على ركبتيه حتى يخر إبراهيم خليل الرحمن على ركبتيه يقول: يا رب إني لا أسألك اليوم إلا نفسي إلا محمد ﷺ يقول: يا رب أمتي أمتي لا أسألك غيرها! واستأذن ابن دهمان على بعض الأمراء فحجبه ثم أذن له، فلما دخل قال: إن هذا الأمر الذي صار إليك قد كان في يدي غيرك، فأمسوا والله حديثًا فإن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، فتحبب إلى عباد الله بحسن البشر ولين الجانب وتسهيل الحجاب، فإن حب عباد الله موصول بحب الله وبغضهم موصول ببغضه، لأنهم شهداء الله على خلقه.
ولما دخل محمد بن واسع سيد العباد في زمانه على بلال بن أبي بردة أمير البصرة، وكان ثوبه إلى نصف ساقه، قال له بلال: ما هذه الشهرة يا ابن واسع؟ فقال له ابن واسع: أنتم شهرتمونا، هكذا كان لباس من مضى وإنما أنتم طولتم ذيولكم فصارت السنة بينكم بدعة وشهرة.
وأما أنا، فلما دخلت على الأفضل بن أمير الجيوش وهو ملك مصر فقلت: سلام عليكم ورحمة الله، فرد السلام على نحو ما سلمت ردًا جميلًا، وأكرم إكرامًا جزيلًا وأمرني بدخول مجلسه وأمرني بالجلوس فيه. فقلت: أيها الملك، إن الله ﷾ قد أحلك محلًا عاليًا شامخًا وأنزلك منزلًا شريفًا باذخًا، وملكك طائفة من ملكه وأشركك في حكمه، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك، فلا ترض أن يكون أحدًا أولى بالشكر منك. وإن الله سبحانه قد ألزم الورى طاعتك فلا يكون أحد أطوع لك منك، وليس الشكر باللسان ولكنه بالفعال والإحسان. قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ (سبأ: ١٣) . واعلم أن هذا الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عن يديك بمثل ما صار إليك، فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة فإن الله سائلك عن النقير والقطمير والفتيل.
قال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر٩٣: ٩٢) . وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الانبياء: ٤٧) . واعلم أيها الملك أن الله تعالى قد آتى ملك الدنيا بحذافيرها لسليمان بن داود ﵉، فسخر له الإنس والجن والطير والشياطين والوحوش والبهائم، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم رفع عنه حساب ذلك أجمع فقال له: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (صّ: ٣٩) . فوالله ما عدها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن يكون استدراجًا من الله تعالى ومكرًا به، فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (النمل: ٤٠) . فافتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم، أعانك الله على نصر المظلوم وجعلك كهفًا للملهوف وأمانًا للخائف. ثم أتممت المجلس بأن قلت: قد دورت البلاد شرقًا وغربًا، فما اخترت مملكة تزوجت فيها وولد لي فيها غير هذه المملكة، ثم أنشدت:
والناس أكيس من أن يحمدوا رجلًا
حتى يروا عنده آثار إحسان
وكتب حكيم إلى حكيم: إني سائلك عن ثلاثة أشياء إن أجبت عنها صرت لك تلميذًا: أي الناس
[ ٣٦ ]
أولى بالرحمة، ومتى تضيع أمور الناس، وبم تتلقى النعمة من الله تعالى؟ فكتب إليه: إن أولى الناس بالرحمة ثلاثة: البر يكون في السلطان الفاجر، فهو الدهر حزين لما يرى ويسمع. والعاقل يكون في تدبير الجاهل، فهو الدهر متعوب مهموم. والكريم يحتاج إلى اللئيم فهو الدهر خاضع له. وتضيع أمور الناس إذا كان الرأي عند من لا يصله، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه. وتتلقى النعمة من الله تعالى بكثرة شكره ولزوم طاعته واجتناب معصيته. فصار تلميذًا له إلى أن مات.
وقال يحيى بن سعيد: حج سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز، فلما أشرفا على عقبة عسفان نظر سليمان إلى السرادقات قد ضربت له، فقال له: يا عمر كيف ترى؟ قال: أرى دنيا عريضة يأكل بعضها بعضًا، وأنت المسؤول عنها المأخوذ بها. فبينما هو كذلك إذ طار غراب من سرادق سليمان في منقاره كسرة فصاح، فقال سليمان: ما يقول هذا الغراب؟ فقال عمر: ما أدري ما يقول، ولكن إن شئت أخبرتك بعلم. قال: أخبرني. قال: هذا غراب طار من سرادقك في منقاره كسرة، أنت بها مأخوذ مسؤول عنها من أين دخلت ومن أين خرجت؟ قال: إنك لتجيء بالعجب! قال: أفلا أخبرك بأعجب من هذا؟ قال: بلى. قال: من عرف الله كيف عصاه، ومن عرف الشيطان كيف أطاعه، ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش؟ قال: لقد غشيت علينا ما نحن فيه. ثم ضرب فرسه وسار.
ويروى أن بلال بن أبي بردة خرج في جنازة وهو أمير على البصرة، فنظر إلى جماعة وقوفًا فقال: ما هذا؟ قالوا: مالك بن دينار يذكر الناس. فقال الوصيف معه: اذهب إلى مالك بن دينار فقل له يرتفع إلينا إلى القبر. فجاء الوصيف فأدى الرسالة إلى مالك فصاح به مالك: لا، ما لي إليه حاجة فأجيبه فيها، فإن تكن له حاجة فليجئ إلى حاجة نفسه. فلما دفنوا ميتهم قام بلال بمن معه إلى حلقة مالك، فلما دنا منها نزل ونزل من معه، ثم جاء يمشي إلى الحلقة حتى جلس، فلما رآه مالك بن دينار سكت فأطال السكوت، فقال له بلال: يا أبا يحيى ذكرنا. قال: نسيت شيئًا فأذكركه. قال له: فحدثنا. قال: أما هذا فنعم. قدم علينا أمير من قبلك على البصرة، فمات فدفناه في هذه الجبانة، ثم أتينا بزنجي فدفناه إلى جنبه، فوالله ما أدري أيهما كان أكرم على الله ﷾. فقال بلال: يا أبا يحيى أتدري ما الذي جرأك علينا وما الذي سكتني عنك؟ قال: لا. قال: لأنك لم تأخذ من دراهمنا شيئًا، أما والله لو أخذت من دراهمنا شيئًا ما اجترأت علي هذه الجرأة! فأفادني هذا الحديث علمًا ألا فاتقوا دراهمهم.
ودخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فقال: يا ابن شهاب ما حديث يحدثنا به أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: حدثونا أن الله ﵎ إذا استرعى عبدًا رعية كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات! قال: كذبوا يا أمير المؤمنين! أنبي خليفة أقرب إلى الله أم خليفة ليس بنبي؟ قال: بل نبي خليفة. قال: أنا أحدثك يا أمير المؤمنين بما لا شك فيه، قال الله تعالى لنبيه داود: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (صّ: ٢٦) . يا أمير المؤمنين، هذا وعيد الله لنبي خليفة فما ظنك بخليفة غير نبي؟ فقال الوليد: إن الناس ليفرونا عن ديننا.
وروى زياد بن مالك بن أنس، قال: لما بعث أبو جعفر إلى مالك بن أنس وابن طاوس فدخلا عليه، فإذا هو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وبين يديه جلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، فأطرق عنا طويلًا ثم رفع رأسه إلى ابن طاوس
[ ٣٧ ]
فقال: حدثني عن أبيك. قال: نعم سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه، فأدخل عليه الجور في حكمه! فأمسك أبو جعفر ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه؛ قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن ينتضح علي من دمه، ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه. ثم قال: ناولني هذه الدواة، فأمسك عنه. فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. قال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي منذ اليوم. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت رجلًا يحدث عن ابن السماك. قال: بعث إلي هارون، فلما انتهيت إلى باب القصر أخذ حرسيان بضبعي فأعجلا بي في دهليز القصر، فلما انتهيت إلى باب القاعة لقيني خصيان ضخمان فأخذاني من الحرسيين فأعجلا بي في قاعة القصر، فانتهيت إلى البهو الذي هو فيه، فتلقاني خصيان دونهما فأخذاني فأعجلا بي في البهو، فقال لهما هارون: رفقًا بالشيخ. فلما وقفت بين يديه قلت له: يا أمير المؤمنين، ما مر بي يوم منذ ولدتني أمي أتعب من يومي هذا! فاتق الله في خلقه واحفظ محمدًا في أمته، وانصح لنفس في رعيتك، فإن لك مقامًا بين يدي الله تعالى أنت فيه أذل من مقامي هذا بين يديك، فاتق الله واعلم أن من أخذ الله وسطواته على أهل المعصية كيت وكيت. قال: فاضطرب على فراشه حتى نزل إلى مصلى بين يدي فراشه. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا ذل الصفة فكيف لو رأيت ذل المعاينة؟ قال: فكادت نفسه تخرج فقال يحيى للخصيين: أخرجاه فقد أبكى أمير المؤمنين.
ثم دخل مرة أخرى فقال له: يا أمير المؤمنين إن الذي أكرمك بما أكرمك به لحقيق عليك أن تحب ما أحبه وتبغض ما أبغضه، فوالله لقد أحب الله دارًا وأبغضتها وأبغض دارًا وأحببتها، فكأنما أردت خلاف ربك أو أردت سواه. واعلم يا أمير المؤمنين أن الذي في يديك لو بقي على من كان قبلك لم يصل إليك، فكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك، فاتق الله في خلافته واحفظ وصية محمد ﷺ في أمته. ودخل هارون على بعض النساك فسلم عليه فقال: وعليك السلام أيها الملك! ثم قال له: أيها الملك تحب الله؟ قال: نعم. قال: فتعصيه؟ قال: نعم. قال: كذبت والله في حبك إياه! إنك لو أحببته إذا ما عصيته، ثم أنشد يقول:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه
هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع
في كل يوم يبتديك بنعمة
منه وأنت لشكر ذاك مضيع
وروى زيد بن أسلم عن أبيه قال: قلت لجعفر بن سليمان بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، والي المدينة: أحذر أن يأتي رجل غدًا ليس له في الإسلام نسب ولا أب ولا جد، فيكون أولى برسول الله ﷺ منك، كما كانت امرأة فرعون أولى بنوح ولوط من زوجتيهما، وكما كانت زوجة لوط أولى بفرعون من زوجته، من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، ومن أسرع به عمله لم يبطئ به نسبه.
وقال بشر بن السري: بينما الحجاج جالسًا في الحجر إذ دخل رجل من أهل اليمن، فجعل يطوف فوكل به بعض من معه قال: إذا خرج من طوافه فائتني به، فلما فرغ أتاه به فقال: ممن أنت؟ فقال: من أهل اليمن. قال: لقد تركته أبيض بضًا سمينًا طويلًا عريضًا! قال: ويلك، ليس عن هذا أسألك! قال:
[ ٣٨ ]
فعمه؟ قال: عن سيرته وطعمته. قال: فأجور السيرة وأخبث الطعم، وأعدى العداة على الله وأحكامه. قال: فغضب الحجاج وقال: ويلك أوما علمت أنه أخي؟ قال: بلى. قال: إذن أفتك بك. قال: أما علمت أن الله ربي والله لهو أمنع لي منك أكثر منك لأخيك. قال: أجل أرسله يا غلام.
وقال الأصمعي: حدثني رجل من أهل المدينة قال: سمعت محمد بن إبراهيم يحدث قال:
شهدت أبا جعفر بالمدينة وهو ينظر فيما بين رجل من قريش وأهل بيت من المهاجرين ليسوا بقريش، فقالوا لأبي جعفر: اجعل بيننا وبينهم ابن أبي ذئب. قال أبو جعفر لابن أبي ذئب: ما تقول في بني فلان؟ قال: أشرار من أهل بيت أشرار. فقالوا: سله يا أمير المؤمنين عن الحسن بن يزيد، وكان عامله على المدينة، فقال: ما تقول في الحسن؟ قال: يأخذ بالأحب ويقضي بالهوى. فقال الحسن: والله يا أمير المؤمنين لو سألته عن نفسك لرماك بداهية ونعتك بشر.
قال: فما تقول في؟ قال: اعفني! قال: لا بد أن تقول. قال: إن كان لا بد فإنك لا تعدل بين الرعية ولا تقسم بالسوية! قال: فتغير وجه أبي جعفر فقام إبراهيم بن محمد بن علي صاحب الموصل فقال: طهرني بدمه يا أمير المؤمنين. فقال له ابن أبي ذئب: اقعد يا بني فليس في دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله طهور. ثم تدارك ابن أبي ذئب الكلام فقال: دعنا يا أمير المؤمنين مما نحن فيه، بلغني أنك رزقت ابنًا صالحًا في العراق، يعني المهدي. قال: أما إن قلت ذلك إنه لصوام لليوم البعيد ما بين الطرفين. قال: ثم قام ابن أبي ذئب فخرج. فقال أبو جعفر: أما والله ما هو بمستوثق العقل ولقد قال برأي نفسه. ودخل أبو النظر سالم مولى عمر بن عبيد الله على عامل للخليفة فقال له: يا أبا النظر إنه تأتينا كتب من عند الخليفة فيها وفيها لا نجد بدًا من إنفاذها، فماذا ترى؟ قال أبو النظر: لقد أتاك كتاب الله قبل كتاب الخليفة، فأيهما اتبعت كنت من أهله.