اعلم أن أدعى خصال السلطان إلى إصلاح الرعية وأقواها أثرًا في تمسكهم بأديانهم وحفظهم لمرواتهم، إصلاح السلطان نفسه وتنزيهه عن سفساف الأخلاق وبعده عن مواضع الريب، وترفيعه نفسه عن استصحاب أهل البطالة والمجون واللعب واللهو والإعلان بالفسوق؛ وقد كانت صحبة محمد الأمين لذلك الرجل الخليع والماجن الرقيع أبي نؤاس الشاعر وصمة
[ ١١٦ ]
عظيمة عليه، أوهن بها سلطانه ووضع عند الخاص والعام قدره، وأطلق ألسنة الخلق بالشتم والثناء القبيح على نفسه، فحاربه بذلك أخوه المأمون على الولاية ووجه طاهر بن الحسين لمحاربته ببغداد، وحاربه حتى قتله وأنفذ برأسه إلى المأمون، وكان يعمل كتبًا تقرأ على المنابر من خراسان فيقف الرجل فيذم أهل العراق فيقول: أهل فسوق وخمور وماخور! ويعيب الأمين بذلك فيقول: استصحب أبا نؤاس رجلًا شاعرًا ماجنًا كافرًا، يستصحبه معه لشرب الخمور وارتكاب المآثم ونيل المحارم. وهو القائل:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي: هي الخمر!
ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى
فلا خير في اللذات من دونها ستر!
حتى تغيرت عليه نفوس الخلق وتنكرت له وجوه الورى، فلما بلغ ذلك الأمين حبسه، ثم أطلقه بعد أن أخذ عليه أن لا يشرب خمرًا ولا يقول فيه شعرًا. فمتى أراد السلطان إصلاح رعيته وهو متماد على سيئ أخلاقه، كان كمن أراد بقاء الجسد مع فقد رأسه، أو أراد استقامة الجسم مع عدم حياته، وكمن أراد تقويم الضلع مع اعوجاج الشخص، وكيف يحيا النون مع فساد الماء؟ ولقد أصاب الخليل في قوله: أصلح نفسك لنفسك يكون الناس تبعًا لك وقديمًا قيل: من أصلح نفسه أرغم أنف أعاديه، ومن أعمل جده بلغ كنه أمانيه. وسئل بعض الحكماء: بم ينتقم الإنسان من عدوه؟ قال: بإصلاح نفسه. ولأبي الفتح البستي:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلًا
فاحكم على ملكه بالويل والحرب!
أما ترى الشمس في الميزان هابطةً
لما غدا وهو برج اللهو والطرب؟
وصحبة الأشرار تورث البوار وصحبة الأخيار تقتل النار، وصحبة الأخيار تقتل النار، وصحبة الأشرار كالريح إذا مرت على النتن حملت نتنًا، وإذا مرت على الطيب حملت طيبا، فمحال إصلاح رعيتك وأنت فاسد وإرشادهم وأنت غاو وهدايتهم وأن تضال. وقد سبق المثل: من العجائب أعمش كحال. وتقول العرب: يا طبيب طبب نفسك. وكيف يقدر الأعمى على أن يهدي والفقير على أن يغني والذليل على أن يعز، فبعدك عن تطهير غيرك من العيوب قبل تطهير نفسك، كبعد الطبيب عن إبراء غيره من داءٍ به مثله. وقال بعض حكماء الهند: لن يبلغ ألف رجل في إصلاح رجل واحد، بحسن القول دون حسن الفعل، ما يبلغ رجل واحد في إصلاح ألف رجل بحسن الفعل دون القول. وفيه قول القائل:
يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم؟
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا
كيما يصح به وأنت سقيم
ما زلت تلقح بالرشاد عقولنا
صفة وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها
فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويقتدى
بالرأي منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم!
ولكن أقوى الأسباب في صلاحهم عند قوة صلاحه استعماله عليهم الخاصة منهم، وذوي الأحلام الراجحة والمروآت القائمة والأذيال الطاهرة، فمتى كان رأس العامة سراتهم فهو الطريق إلى حفظ أديانهم ومروآتهم، وتماسكهم عن الانهماك في المحظورات وملابسة المحرمات. قال الشاعر:
[ ١١٧ ]
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وقال مردك الفارسي: خلتان في السلطان أقرب إلى صلاح الرعية مما سواهما: ثقة الرأي وشدة الرحمة. وما أحق بالسلطان أن يسلك بالرعية كل سبيل يصلحون عليه ويسودون معه، فحينئذ يكون رئيس الرؤساء وأميرًا على السادة والفضلاء، وإن أهملهم في ركوب شهواتهم وتوسط لذاتهم، ذهبت أديانهم وسقطت مروآتهم وبقوا كما جاء في المثل في الجماعة المذمومة تقول العرب في القوم لا رؤساء فيهم ولا سراة بينهم: هم سواسية كأسنان الحمار وتقول سواسية كأسنان المشط؛ وفيهم يقول الشاعر:
سواسية كأسنان الحمار أما ترى
لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا
ولئن تكون أميرًا على الفضلاء والرؤساء خير من أن تكون أميرًا على الأخساء والدمادية والغوغاء والدناة. وقد قال عبد الملك بن مروان يومًا وقد استقام له الأمر: من يعذرني من عبد الله بن عمر، فإنه أبى أن يدخل في سلطاني؟ فقال له بعض جلسائه: تستحضره وتضرب عنقه وتستريح منه! فقال عبد الملك: ويلك! إذا قتلت ابن عمر على من أكون أميرًا؟ ولما سار داود إلى الحجاز في الدولة العباسية ليقتل من هناك من بني أمية، قال له عبد الله بن الحسين: يا ابن عم إذا أسرعت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك؟ اعف يعف الله عنك! فعفا.
وقال أرسطاطاليس للأسكندر: استصلح الرعية وأذهب شرهم تكن رئيس الأخيار الممدوحين، ولا تكن رئيس الأشرار المذمومين فتكون كراعي البقر. ولما استولى تبع على ملك الهند قال له: قد وهبتك لقومك ووهبتهم لك، فأنزلهم منازلهم وبلغهم مراتبهم، فكا أمة لم تبلغ مراتبها وغلت صدورها وغلت قلوبها فاستحقت فتكها، وهان عليها أعمارها وملك أمورها شرارها، وأنت أعلم بهم، فمن أطناب المملكة وقواعدها أن لا يسلب رئيس رياسته ويبقي على كل ذي عز عزه، ويولي كل ذي منزلة منزلته فحينئذ يأمن من نوائب الأعداء التي هي نتائج الضغائن والأحقاد.