الصبر زمام سائر الخصال وزعيم الغنم والظفر، وملاك كل فضيلة وبه ينال كل خير ومكرمة. قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (الأعراف: ١٣٧) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠) . فمعظم وظائف الدين ذكر الله تعالى ورسوله جزاء معلومًا لمن أقامها إلا الصبر فإنه بغير حساب. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ (السجدة: ٢٤) . قيل عن الدنيا. وقال ابن عيينة: لما أخذوا برأس الأمر جعلهم الله رؤساء. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ (الحجر: ٩٧) . وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: ٣٣) . وقال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا﴾ (آل عمران: ١٨٦) . ثم ندبهم إلى الصبر مع وجود الأذى فقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٦)
فالصبر حبس النفس عن الأوامر والمكاره وعن النواهي والمعاصي. ألا ترى أن أهل الجنة نودوا فقيل لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد: ٢٤) . فأخبر الله تعالى أنه آتاهم جنته بصبرهم، يعني صبرتم على
[ ٩٦ ]
طاعة الله وصبرتم عن معاصي الله. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (الكهف: ٢٨)، أي احبس نفسك. فمن إمارات حسن التوفيق وعلامات السعادة الصبر في الملمات والرفق عند النوازل. وفيما يروى أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: يا داود من صبر علينا وصل إلينا. وقال سفيان: بلغنا أن لكل شيء ثمرة، وثمرة الصبر الظفر. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠) . فعلق الفلاح على الصبر والتقوى، يعني اصبروا على ما فرض الله عليكم وصابروا عدوكم. ورابطوا فيه قولان: قيل رابطوا على الجهاد، والثاني رابطوا على انتظار الصلوات، بدليل ما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ألا أدلكم على ما يحط الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء عند المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط! وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: ١٢٤)، ابتلاه بالكواكب فصبر وبالقمر فصبر، وابتلاه بذبح ابنه فصبر. وقال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٣) . فبدأ بالصبر قبل الصلاة ثم قال قولًا عظيمًا، فجعل نفسه مع الصابرين دون المصلين. وقال النبي ﷺ للأنصار: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن
يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله ومن يصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خير وأوسع من الصبر. وقال ابن مسعود: قسم النبي ﷺ قسمًا فقال رجلمن الأنصار: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله! فأخبرت النبي ﷺ، فشق عليه وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر.
وروي أن النبي ﷺ مر على امرأة تبكي على قبر فقال لها: اتق الله واصبري. فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي. فلما انصرف قيل لها: هذا رسول الله. فجاءت إليه تعتذر أنها لم تعرفه وقالت: سأصبر. فقال النبي ﷺ: إنما الصبر عند الصدمة الأولى. ويحتمل هذا الحديث وجهان: أما الطنافسي فقال معناه الصبر المحمود عند أول نزول المصيبة وقد فاتك بالجزع، وأما القابسي فقال: معناه أن الصدمة الأولى وقت أمرها النبي ﵇ بالصبر، وكان هذا تعليمًا لكل من فاته الصبر بذهول أو نسيان أو غلبة. ويروى أن النبي ﷺ سئل عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة.
وفي منثور الحكم: قالت الصحة أنا لاحقة بأرض المغرب. قال الجوع: وأنا معك. قال الإيمان: أنا لاحق بأرض الحجاز. قال الصبر: وأنا معك. قال الملك: أنا لاحق بأرض العراق. قالت الفتنة: وأنا معك. واعلم أن العجلة في الأمر خرق ومخرجها من قلة العقل، وأخرق من ذلك التفريط في الأمر بعد القدرة عليه. ومثال ذلك كالقدر على النار إن كان ماؤها قليلًا غلت بيسير من النار، وإن كانت مملوءة لم تغل حتى تكثر نارها وتطول مدتها. وفي كتاب جاويدان جرد، وليس للعجم كتاب مثله قال: يحرم على السامع تكذيب القائل إلا في ثلاث هن غير الحق: صبر الجاهل على مضض المصيبة، وعاقل أبغض من أحسن عليه، وحماة أحبت كنة.
فصل:
واعلم أن الصبر على أقسام: صبر على ما هو كسب للعبد، وصبر على ما ليس بكسب. فالصبر على المكتسب على قسمين: صبر على ما أمر الله تعالى به، وصبر على ما نهى الله تعالى عنه. أما الصبر على ما ليس بكسب صبر العبد على مقاساة ما يتصل به من حكم الله تعالى فيما له فيه مشقة. وينقسم
[ ٩٧ ]
من وجه آخر على أربعة أقسام: فأول أقسامه وأولاها الصبر على ما أمر الله ﷾ به، والانتهاء عما نهى عنه. والثاني الصبر على ما فات إدراكه من مسرة أو تقضت أوقاته بمصيبة. والثالث الصبر فيما ينتظر وروده من رغبة يرجوها، أو يخشى حدوثه من رهبة يخافها. والرابع الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر مخوف. وجميع أقسامه محمودة بكل لسان وفي كل ملة، وعند كل أمة مؤمنة أو كافرة.
قال أكثم بن صيفي: من صبر ظفر. وقال علي بن أبي طالب ﵁: الصبر مطية لا تكبو، والقناعة سيف لا ينبو. وقال أزدشير: الصبر الدرك. وقال ﵇: الصبر ضياء وبالصبر يتوقع الفرج. وقال ﵇: الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب. وقال ابن عباس: أفضل العدة الصبر على الشدة. وقال عبد الحميد الكاتب: لم أسمع أعجب من قول عمر بن الخطاب ﵁: لو كان الشكر والصبر مطيتان لما باليت أيهما ركبت. وقال بعض الحكماء: بالصبر على مواقع المكروه تدرك الحظوة. وقال ابن المقفع في كتاب التتمة: الصبر صبران فاللئام أصبر أجسامًا والكرام أصبر نفوسًا، وليس الصبر الممدوح صاحبه أن يكون قوي الجسد على الكد والعمل فإن هذا من صفات الحمير، ولكن أن يكون للنفس غلوبًا وللأمور محتملًا، ولجاشه عند الحفظة مرتبطًا.
وفي منثور الحكم: من أحب البقاء فليعد للمصائب قلبًا صبورًا، وقال بزرجمهر: لم أر ظهيرًا على تنقل الدول كالصبر، ولا مذلًا للحساد كالتجمل ولا مكسبًا للإجلال كتوقي المزاح، ولا مجلبة للمقت كالإعجاب ولا متلفة للمروءة كاستعمال الهزل في مواضع الجد. فأما القسم الأول وهو الصبر على امتثال ما أمر الله تعالى والانتهاء عن محارمه، فيه يصح أداء الفرائض واستكمال السنن ويدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠) . ولذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. وقال الجنيد: المسير من الدنيا إلى الله سهل هين على المؤمن وهجر الخلق في حب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشد. وسئل عن الصبر فقال: تجرع المرارة من غير تعبيس. وكان حبيب بن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (صّ: ٤٤) . يبكي ويقول: واعجبًا أعطي وأثني عليه! وقال الخواص: الصبر الثابت على أحكام الكتاب والسنة. وقال عبد الواحد بن زيد: من نوى الصبر على طاعة الله تعالى صبره الله تعالى عليها وقواه، ومن عزم على الصبر عن معصية الله تعالى أعانه الله تعالى وعصمه منها. وقال عمر بن عبد العزيز للقاسم بن محمد: أوصني! وقال القاسم: عليك بالصبر في مواضع الصبر. وقال الحسن: الصبر صبران: صبر عند المصيبة وصبر عند ما نهى الله عنه، وهو الأفضل. وإنما يختلف الصبر بالخوف والرجاء، من خاف شيئًا صبر على الفرار منه، وصبر عند كراهية ما يحذر من ضرره، ومن رجا شيئًا صبر على طلبه ليظفر به. وأما القسم الثاني وهو الصبر على ما فات إدراكه من مسرة أو نقضت أوقاته من مصيبة، فإنه يتعجل به الراحة مع اكتساب المثوبة، فإن صبر طائعًا استراح وأحرز الثواب، وإن لم يصبر حمل الهم والوزر.
وقال علي بن أبي طالب ﵁ للأشعث بن قيس: إن تجزع فقد استحق ذلك منك بالرحم، وإن تصبر ففي ثواب الله تعالى خلف من ابنك، إن صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور؛ ونظمه أبو تمام فقال:
[ ٩٨ ]
وقال علي في التعازي لأشعثٍ
وخاف عليه بعض تلك المآثم:
أتصبر للبلوى عزاءً وحسبةً
فتؤجر أم تسلو سلو البهائم؟
خلقنا رجالًا للتجلد والأسى
وتلك الأيامى للبكا والمآتم!
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لرجل: إن صبرت مضى أمر الله وكنت مأجورًا، وإن جزعت مضى أمر الله وكنت مأزورًا. وقال الحسن: والله لو كلفنا الجزع ما قمنا به، فالحمد لله الذي آجرنا على ما لو نهانا عنه لصرنا إليه. وعن هذا قالت الحكماء: الجزع أتعب من الصبر، ففي الجزع التعب والوزر وفي الصبر الراحة والأجر. ولو صور الصبر والجزع لكان الصبر أحسن صورة وأكرم طبيعة، وكان الجزع أقبح صورة وأحرد طبيعة، ولكان الصبر أولاهما بالغلبة لحسن الخلقة وكرم الطبيعة. وقال بعض الحكماء: لو وكل الناس بالجزع للجئوا إلى الصبر. وقال شبيب بن شيبة المهدي: إن أحق ما صبرت عليه ما لم تجد سبيلًا إلى دفعه. وأنشدوا:
إذا تصبك مصيبة فاصبر لها
عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر
وقال آخر:
وعوضت أجرًا من فقيدك لا يكن
فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب
وقال بعض الحكماء: ليس بمجموع له الرشد من تتابع التلهف على فائت أو أكثر الفرح عند مستظرف. وقال حكيم: إن كنت جازعًا على ما يفلت من يديك فاجزع على ما لا يصل إليك، ومن أيقن أن كل فائت إلى انقضاء حسن عزاؤه عند نزول القضاء. وقال الشاعر:
إذا طال بالمحزون أيام صبره
كساه ضيا طول المقام على الصبر
ولا شك أن الصبر يحمد غبه
ولكن إنفاقي عليه من العمر
وقال بعض القدماء: الصبر على أربع مراتب: الشوق والإشفاق والزهادة والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن راقب الموت قصر عن الخطيئات. وأما القسم الثالث فهو الصبر فيما ينتظر وروده من رغبة يرجوها، أو يخشى حدوثه من رهبة يخافها، فبالصبر والتلطف يدفع عادية ما يخاف وينال نفع ما يرجو. قال النبي ﷺ: انتظار الفرج بالصبر عبادة. وقال محمد بن بشر:
إن الأمور إذا انسدت مسالكها
فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجأ!
وقال بعض الرواة دخلت مدينة يقال لها ذمار، فبينما أنا أطوف في خرابها إذ رأيت مكتوبًا على قصر خراب:
يا من ألح عليه الهم والفكر
وغيرت حاله الأيام والغير
أما سمعت بما قد قيل في مثل
عند الأياس فأين الله والقدر
وقال غيره:
نم للخطوب إذا أحداثها طرقت
واصبر فقد فاز أقوام بما صبروا
فكل ضيق سيأتي بعده سعة
وكل صبر وشيك بعده ظفر
[ ٩٩ ]
وتحته مكتوب بخط آخر: لو كان كل من صبر أعقب الظفر صبرنا، ولكنا نجد الصبر في العاجل يفني العمر ويدني من القبر، وما كان أصلح الذي العقل موته وهو طفل والسلام. قلت: لو رأيته لكتبت تحته: في الصبر استعجال الراحة وانتظار الفرج وحسن الظن بالله تعالى وأجر بغير حساب، وفي الجزع استعجال الهم ونهك البدن واستشعار الخيبة وسوء الظن بالله وحمل الإثم مع العقوبة، وما أحسن لذي اجتناب هذا والسلام! وقال بعض العارفين: من صبر نال المنا ومن شكر نال النعماء قال الشاعر:
الصبر مفتاح كل خير
وكل صعب به يهون
اصبروا إن طالت الليالي
فربما ساعد الحزون
وربما نيل باصطبار
ما قيل هيهات لا يكون!
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه وعوضه صبرًا إلا كان ما عوضه أفضل مما انتزعه منه. وقرأ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠) . ويروى أن جارية كانت لعلي بن أبي طالب ﵁ تتصرف في حوائجه فكلما خرجت تصدى لها خياط كان بقرب دار علي ﵁ ويقول لها: إني لأحبك في الله تعالى. فلما كثر منه ذلك شكته إلى علي ﵁ قال لها علي: إذا قال لك مرة أخرى فقولي له: والله إني لأحبك فيه فما الذي تريد؟ فقال لها ذلك، فقالت له: والله إني أحبك فيه. فقال لها: تصبرين وأصبر حتى يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب. فرجعت الجارية وأخبرت مولاها فدعا علي ﵁ الخياط فوجد أمره مستقيمًا على الصحة، فوهبها له مع نفقة يستعين بها. وقال ﵁: الصبر كفيل بالنجاح والمتوكل لا يخيب ظنه، والعاقل لا يذل بأول نكبة ولا يفرح بأول رفعة. وكان يقال: الصبر سلامة والطيش ندامة: وأما القسم الرابع وهو الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر مخوف، فيه تنفتح وجوه الآراء وتتوقى مكائد الأعداء. قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (الأعراف: ١٣٧) . وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (النحل: ١٢٧) . وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان ١٧) . وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: إن استطعت أن تعمل لله تعالى بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تفعل خيرًا كثيرًا. واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرًا. وقد قال علي ﵁: الصبر مناضل الحدثان والجزع من أعوان الزمان. وقال الحكيم: بمفتاح عزيمة تفتح مغاليق الأمور. وأنشدوا:
إنما أجزع مما أتقي
فإذا حل فما لي والجزع؟
ولما حبس أبو أيوب خمسة عشرة سنة ضاقت حيلته وقل صبره، فبعث إلى بعض إخوانه يشكو طول حبسه وقلة صبره، فرد عليه جواب رقعته:
صبرًا أبا أيوب صبر مبرح
فإذا عجزت عن الخطوب فمن لها؟
إن الذي عقد الذي انعقدت به
عقد المكاره فيك يملك حلها!
اصبر فإن الصبر يعقب راحة
فلعلها أن تنجلي ولعلها
فلما وقف أبو أيوب على ذلك كتب إليه:
صبرتني ووعظتني فأنالها
وستنجلي بل لا أقول لعلها
[ ١٠٠ ]
ويحلها من كان صاحب عقدها
كرمًا به إذ كان يملك حلها
فما لبث بعد ذلك إلا أيامًا حتى أطلق مكرمًا. ولتميم بن المعز:
تماسكت صبرًا واحتسابًا فإنني
أرى الصبر سيفًا ليس فيه فلول
عذابي أن أشكو إلى الناس أنني
عليل ومن أشكو إليه عليل
وإن الذي يشكو إلى غير راحم
ويفشو بما في نفسه لمجهول
وقال بعض الشعراء:
دع الدهر يجري بمقداره
ويقضي عجائب أوطاره
ونم نومة عن ولاة الأمور
وخل الزمان بتدواره
فإنك ترحم من قد غبطت
وتعجب من قبح آثاره
وأنشد بعضهم:
ويمنعني الشكوى إلى الناس أنني
عليل ومن أشكو إليه عليل
ويمنعني الشكوى إلى الله أنه
عليم بما أبديه قبل أقول
ولغيره:
إذا ابتليت فثق بالله وارض به
إن الذي يكشف البلوى هو الله
إذا قضى الله فاستسلم لقدرته
ما لامرئ حيلة فيما قضى الله
اليأس يقطع أحيانًا بصاحبه
لا تيأسن فإن الصانع الله
وصرف من هذه اللفظة صابر وصبور وصبار ومتصبر: فالمتصبر من صبر في الله على المكاره فتارة يعجزه وتارة يصبر، والصابر من لا يشكو ولا يعجز والصبار الذي لو جمع عليه جميع البلايا والمحن لم تتغير من وجهه الحقيقة وإن تغير من وجهه الرسم والبشرة والخلقة كما قال الشاعر:
صابر الصبر فاستغاث به الصب
ر فصاح الصبور: يا صبر صبرًا!
وهذا أقوى بيت قيل في الصبر وأحسنه؛ وقريب منه قول القائل:
صبرت على الأيام صبرًا أصارني
إلى أن ينادي الصبر: لا صبر لا صبر!
والصبور هو الثابت على هذه المقامات وقيل أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: تخلق بأخلاقي وإن من أخلاقي أني أنا الصبور. ويقال: الصبر لله فناء والصبر بالله بقاء، والصبر في الله بلاء والصبر من الله وفاء، والصبر عن الله جفاء؛ وأنشدوا في المعنى:
إذا لعب الرجال بكل شيء
رأيت الحب يلعب بالرجال
وكيف الصبر عمن حل مني
بمنزلة اليمين من الشمال
وقال المحاسبي: من الصبر والتصبر حالة هي التنعم، وذلك إذا رفع الله تعالى له علمًا من أعلام الآخرة يدله على منازل الصابرين عنده، فيتنعم القلب بسرور النعم وقال أبو محمد بن الحارث: الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما، والصبر هو السكون مع البلايا ومع وجدان أثقال المحنة. وأنشدوا:
صبرت ولم أطلع هواك على صبري
وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتي
إلى دمعتي سرًا فتجري ولا أدري
وقيل للمحاسبي: بماذا يقوى الصابر على صبره؟ فقال: إذا علمت أن في صبرك رضى مولاك، أما سمعت قول الحكيم:
[ ١٠١ ]
رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطي
من الأمر ما فيه رضى صاحب الأمر
وقيل في معناه:
سأصبر كي ترضى وأتلف حسرةً
وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري!
قال شيخنا: وثكلك لمن تحبه أعظم من ثكلك لنفسك، هذا أيوب ﵇ لما أصيب بنفسه قال مسني الضر، ويعقوب لما أصيب بحبيبه قال يا أسفي على يوسف! قال أحمد: قال لي أبو سليمان الداراني أتدري بماذا أزال العقلاء الملامة عمن أساء إليهم؟ قلت: لا. قال: لعلمهم أن الله تعالى ابتلاهم بذلك فصبروا، ويروى أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: أنزلت بلائي بعبدي فدعاني فماطلته بالإجابة، فشكاني فقلت: عبدي كيف أرحمك من شيء به أرحمك؟ وقيل في قوله تعالى ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ (المعارج: ٥)
إنه الصبر الذي لا شكوى فيه ولا بث، قال أنس: ما صبر من بث. وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا تستغزروا الدموع بالتذكر. قال الشاعر: ولا يبعث الأحزان مثل التذكر ومما يعين على عظم الأسى وشدة الجزع تذكر المسار المنقضية وتصور المضار الذاهبة، وكثرة الشكوى وتردد الأسف. قال الشاعر:
لا تكثر الشكوى إلى الصديق
وارجع إلى الخالق لا المخلوق
لا تخرج الغريق بالغريق
وفي منثور الحكم: المصيبة بالصبر أعظم المصيبتين. واعلم أنه قل من صبر على شدة إلا نال ما يرجوه من فرج، وينبغي لمن نزلت به مصيبة أو كان في شدة أن يبتغي تسهيلها على نفسه، ولا يغفل عن تذكر ما يتيقنه من وجوب الفناء وتقضي المسار، وأن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له ولها يسعى من لا ثقة له، ومن صح فيها سقم ومن سقم فيها برم، ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن، حلالها حساب وحرامها عقاب، ومتشابهها عتاب، لا خير يدوم ولا سرور يبقى، ولا فيها لمخلوق بقاء، فإذا تصور حقيقتها فحينئذ يرى الحوادث سهلة والمصائب هينة. قال الشاعر:
يمثل ذو اللب في نفسه
يمثل ذو اللب في نفسه
فإن نزلت بغتة لم ترع
هـ لما كان في نفسه مشغلا
رأى الأمر يفضي إلى آخر
فصير آخره أولا
وقال بعض الحكماء من حاذر لم يخدع ومن راقب لم يهلع، ومن كان متوقعًا لم يلق متوجعًا ومن لم يشعر نفسه ما ذكرنا من أحوال الدنيا، وتقضي المسار ثم الثواء في اللحود بين أطباق الثرى والجنادل، قد فارقه الأحباء وأسلمه الأولياء، وهجر القرباء والبعداء ألفته الحوادث واثقًا فسلبته الصبر وضاعفت عليه الأسى. وقال ابن الرومي:
إن البلاء يطاق غير مضاعف
فإذا تضاعف فهو غير مطاق
وقال آخر:
تعودت مس الضر حتى ألفته
وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
ووسع صدري للأذى كثرة الأذى
وإن كنت أحيانًا يضيق به صدري
وحسن لي يأسي من الناس كلهم
لعلمي بصنع الله من حيث لا أدري
ولبعض الأعراب:
تعز فإن الصبر بالحر أجمل
وليس على ريب الزمان معول
فلو كان يغني أن يرى المرء جازعًا
لنائبة أو كان يغني التذلل
[ ١٠٢ ]
لكان التعزي عند كل مصيبة
ونازلة بالحر أولى وأجمل
فكيف وكل ليس يعدو حمامه
وما لامرئ عما قضى الله مرحل؟
فإن تكن الأيام فينا تبدلت
ببؤس ونعمى والحوادث تفعل
فما لينت منا قناة صليبة
ولا ذللتنا للذي ليس يجمل
ولكن رحلناها نفوسًا كريمة
تحل ما لا يستطاع فتحمل
وقينا بحمد الله منا نفوسنا
فصحت لنا الأغراض والناس هزل