اعلم أرشدك الله أن منزلة العمال من الوالي بمنزلة السلاح من المقاتل، فاجهد جهدك في ابتغاء صلاح العمال، فإذا فقد الوالي عمال الصدق كان كفقد المقاتل السلاح يوم الحرب. ويحتاج إلى طبقات الرجال كما يحتاج الحرب إلى أصناف العدة فنها الدرق للاستجنان والسيف للمناجزة، والرمح للمطاعنة والسهم للمباعدة والدرع للتحصين، ولكل منهم موضع ليس للآخر، والرجال للملك كالأداة للصانع لا يسد بعضها مسد بعض، كذلك طبقات الرجال للملك منهم للرأي والمشورة ومنهم لإدارة الحرب، ومنهم لجمع الأموال ومنهم لحفظها، ومنهم للحماية ومنهم للكتابة، ومنهم للجمال والفخر ومنهم للمباهاة والذكر،
[ ١٣٨ ]
ومنهم للدعاء والوقار ومنهم للعلم والفتيا وحفظ أساس الملة، فلا يكمل للملك ملك ما لم يجمع هذه الطبقات.
وقال أبو بكر الصديق ﵁: لما مات كسرى بلغ موته النبي ﷺ فقال: من استخلفوا بعده؟ قالوا: ابنته بوران. قال: لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة! وقال ابن عباس ﵄: لما كانت فتنة الحرة من استعمل القوم؟ قالوا: عبيد الله بن مطيع على قريش، وعبد الله بن حنظلة الراهب على الأنصار قال: أميران؟ هلك والله القوم! وليس يشترط النسب إلا في الإمامة العظمى دون سائر الولايات. ولما استحضر هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين ﵄، وكان من الخطباء قال له هشام: بلغني أنك تخطب الخلافة ولا تصلح لها لأنك ابن أمة: قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم ﵇ ابن أمة، وإسحاق ﷺ ابن حرة، ومحمد ﷺ من ولد إسماعيل. ثم اتهمه في أمر فقال زيد: أنا أحلف لك. قال له هشام: ومن يصدقك؟ قال له زيد: إنه ليس أحد فوق أن يأمر بتقوى الله ولا أحد دون أن يؤمر بتقوى الله تعالى منك.
وقال بعض الخلفاء: دلوني على رجل أستعمله على أمر قد أهمني. قالوا: وكيف تريده؟ قال: إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه رجل منهم. قالوا: ما نعمله إلا الربيع بن زياد الحارثي. قال: صدقتم هو لها! ويروى أن عمر بن عبد العزيز ﵁ استشار في قوم ليستعملهم فقال له بعض أصحابه: عليك بأهل العدل. قال: ومن هم؟ قال: الذين إذا عدلوا فهو ما رجوت، وإن قصروا قال الناس: اجتهد عمر! ولما قدم يزيد بن بشر بن مروان سأله عن بشر قال: يا أمير المؤمنين هو الشديد في غير عنف اللين في غير ضعف، فقال عبد الملك بن مروان: ذاك الأعمر الأجود الذي كان يأمن عنده البريء ويخاف لديه السقيم، ويعاقب على قدر الذنب ويعرف موضع العفو، الشديد في غير عنف اللين في غير ضعف عمر بن الخطاب ﵁.
وقال الحكيم: اعتبروا الرجال بأفعالهم لا بعظم أجسامهم، فإن النسر مع عظمه لا يأكل إلا نتنًا، وطير الماء مع ضعفه يتحامى ميت السمك ويأكل الحي منه. وفي حكم الهند: السلطان الحازم ربما أحب الرجل فأقصاه وأطرحه مخافة ضره، كالملسوع يقطع إصبعه مخافة أن ينتشر السم في جسمه، ربما أبغض الرجل وأكره نفسه على توليته وتقريبه لغنى يجده عنده كتكاره المرء على الدواء البشع لنفعه، إلا أن للإسلام شروطًا قد لا تستقيم هذه السيرة عليها، ألا ترى أن علي بن أبي طالب ﵁، لما أفضت إليه الخلافة كان معاوية واليًا على الشام من قبل عمر ثم عثمان ﵄، فاستشار في أمره فقال له بعضهم: أقره على إمرته وأرسل إليه بعهده، فإن دخل في بيعتك فاعزله، فقال له: رحمك الله أتأمرني أن أطلب العدل بالجور؟ ثم عزله فكان سبب عصيانه.
وهكذا أشاروا عليه فقالوا: يا أمير المؤمنين لو فضلت هؤلاء الأشراف ومن يتخوف منهم، وإنما الناس أصحاب دنيا حتى إذا استوثق الأمر عدت إلى التسوية. فقال: أتأمروني أن أطلب العدل بالجور فيمن وليت عليه؟ والله لو كان مالي لسويت بينهم ولم أفضل بعضهم على بعض، فكيف والمال لهم وإعطاء المال في غير حقه تبذير وسرف، وهو يرفع ذكر صاحبه في الدنيا ويضعه عند الله تعالى في الآخرة؟ ولن يضع امرؤ ماله في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه الله تعالى شكرهم، وصير لغيره ودهم، فإن بقي معه منهم من يظهر له الود والشكر فذلك ملقى وخديعة لينال منه فإن زلت به النعل يومًا فاحتاج إلى معونته ومكافأة ما سلف من ميرته فشر خليل
[ ١٣٩ ]
وألأم خدين، وإياك أيها الوالي وحب المدح فإن من أحب المدح فهو كمن مدح نفسه. وإذا علم منك ذلك جعلك الناس سلمًا لقضاء حوائجهم منك فحينئذ يكون قضاء الحوائج لنفسك لا لهم.
وقال النبي ﷺ: أحث التراب في وجوه المداحين. وسمع المقداد رجلًا يمدح عثمان بن عفان ﵁، فأخذ كفًا من تراب فألقاه في وجهه. وسمع النبي ﷺ رجلًا يمدح رجلًا فقال: قطعت ظهر أخيك! لو سمعها ما أفلح بعدها. وفي الحديث خمس تأويلات: أحدها حمله على ظاهره كما فعل المقداد مع المداح لعثمان، والثاني أن يرفع شيئًا من التراب فينثره بين يديه كالمتذلل أي من خلق هذا ويعود إليه لا يستحق هذا الثناء، والثالث لا تقض حاجة المداحين، والعرب تقول لمن رجع خائبًا من حاجاته: رجع بكفه مملوءة ترابًا، والرابع نقيض هذا قاله لي شيخنا أبا العباس الجرماني قال: معناه اقض حاجته وأعطه ما سأل فإن الذي تعطيه سيصير ترابًا كأنك أعطيته ترابًا، والخامس أن المعنى الدعاء لأن العرب تقول إذا دعت: بفيه الحجر وبفيه التراب أي يقول للمداحين كذلك.
ووصف أعرابي أميرًا فقال: كان إذا ولى لم يطابق بين جفونه وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم شاهد معهم فالمحسن راج والمسيء خائف. وقال عبد الله بن الزبير: لا يعبدن ابن هند، يعني معاوية، إن كانت فيه لمخارج لم أجدها في أحد بعده أبدًا والله إن كنا لنعرفه وما الليث الجري على برامته بأجرأ منه فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه وما ابن آوى من الأرض بأدهى منه، والله لوددت أنا متعنا به ما دام في هذا حجر، وأشار إلى أبي قبيس، لا يتخون له عقل ولا تنقض له قوة، وقال الصنابجي: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي عبيدة ﵁ كتابًا في مثل أذن الفأرة: أما بعد فإنه لا يقيم أمر الله تعالى في الناس إلا حصيف العقدة بعيد الغرة، لا يطلع الناس منه على عورة ولا يحنق في الحق على الجراءة ولا يخاف في الله لومة لائم.
وقال مالك ﵁: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ وسأله أن يكتب له كتابًا في أمر، فقال: اذهب إلى منزلنا فأتنا بدواة وقرطاس، فذهب فلم يجد فقال اطلب عندهم شيئًا، فذهب فلم يجد عندهم إلا أذن مزود فكتب له في تلك الأذن. لما ولى المأمون يحيى بن أكثم قضاء البصرة، بعد أن استمحن عمله وعقله، امتحنه بمسائل فوجده فوق ما يريد، فتلقاه وجوه أهل البصرة فرأوا شابًا صبيًا ما بقلت لحيته، فتعجبوا ونظر بعضهم إلى بعض يقلبون الأكف ويغمزون الحواجب. فقال له بعضهم: كم سن القاضي أصلحه الله تعالى؟ قال: نحو سن عتاب بن أسيد لما ولاه رسول الله ﷺ مكة فهابوه لحدة جوابه وعرفوا فضله، وكان لعتاب بن أسيد إحدى وعشرون سنة لما ولي مكة شرفها الله تعالى.
وكان عمر ﵁ يقول: لا يصلح أن يلي أمور الناس إلا حصيف العقل وافر العلم قليل الغرة بعيد الهمة، شديد في غير عنف لين في غير ضعف، جواد في غير سرف لا يخاف في الله لومة لائم. وقال أيضًا: ينبغي أن يكون في الوالي من الشدة ما يكون ضرب الرقاب عنده في الحق كقتل عصفور، ويكون فيه من الرقة والحنو والرأفة والرحمة ما يجزع من قتل عصفور بغير حق. ويروى أن الرشيد أحضر رجلًا ليوليه القضاء فقال له: إني لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه. فقال له الرشيد: فيك ثلاث خصال: لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة، ولك حلم والحلم يمنعك من العجلة ومن لم يعجل قل خطأه، وأنت رجل تشاور في أمرك ومن شاور في أمره كثر صوابه. وأما الفقيه فتضم إليك من تفقه به. فولي فما وجد فيه مطعن.
وقال أياس بن معاوية: استحضرني عمر بن هبيرة فحضرت فسألني فسكت، فلما أطلت قال: ايه! قلت: سل عما بدا لك. قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: هل تعرف الفرائض؟ قلت: نعم. قال: هل تعرف من أيام العرب شيئًا؟ قلت: أنا بها أعلم. قال: هل تعرف من أيام العجم شيئًا؟ قلت: أنا بها أعلم. قال: إني أريد أن أستعين بك. قال: إن في ثلاثًا لا أصلح معهن للعمل. قال: ما هن؟ قلت: أنا دميم كما ترى وأنا حدد وأنا عي. قال: أما الدمامة فأريد أن أحاسد بك، وأما العي فإني أراك تعرب عن نفسك، وأما سوء الخلق فيقومك السوط! فولاني وأعطاني ألف درهم فهو أول ما تمولته. وقال سليمان بن داود
[ ١٤٠ ]
عليهما الصلاة والسلام: ما ملاقاة لبوة سلبت أشبالها بأصعب من ملاقاة جاهل راض عن نفسه.