اعلم وفقك الله تعالى أن مذاهب أهل الحق في القضاء والقدر وخلق الأفعال وإرادة الكاينات متيسرة لله، لا يخرج عن عمله وقضائه وقدره وحكمه حادث، فمن خالفنا في القضاء والقدر وافقنا في العلم، وقد تباين الخلق فيه وتشتتت مذاهبهم وتقاطعوا فيه وتدابروا، وكل حزب بما لديهم فرحون. ولم نضع هذه الترجمة لاستيفاء ما قالوا والاحتجاج لكل فريق، لأن ذلك يستدعي مجلدات وأسفار، وإنما نذكر في هذا الكتاب أحكامًا ظاهرة قريبة من العقول لتقريب الفائدة على الناظر فيه.
فاعلم أولًا أن كل ما يجري في العالم من حركة وسكون وخير وشر، ونفع وضر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية بقضاء الله وقدره، كذلك لا يطير طائر بجناحيه ولا يدب حيوان على بطنه ورجليه، ولا تطن بعوضة ولا تسقط ورقة إلا بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، كما لا يجري شيء من ذلك إلا وقد سبق علمه به. ثم اعلم أن القدر والطلب لا يتنافيان والتوكل والكسب لا يتضادان، وذلك أن تعلم أن كل ما قضى الله تعالى وقدره فهو كائن لا محالة، كما أن ما عمله الله تعالى أن يكون
[ ١٨١ ]
فهو كائن، ومن خالفنا في القضاء والقدر وافقنا في العلم، فرب أمر قدر الله تعالى وصوله إليك بغير طلب فهو واصل، ورب أمر قدر وصوله إليك بعد الطلب فلا يصل إلا بالطلب، والطلب أيضًا من القدر ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين القدر في أنهما مقدوران.
فمن ههنا قلنا إنهما لا يتنافيان. وكذلك التوكل مع الكسب لأن التوكل محله القلب والكسب محله الجوارح، ولا يتضاد شيئان في محلين بعدما يتحقق العبد أن المقدور من الله تعالى، فإن تعسر شيء فبتقديره وإن أتفق فبتيسيره. قال أنس ﵁: جاء رجل على ناقة له فقال: يا رسول الله أدعها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل. والتوكل والاعتصام بالقدر يستمدان من العقل، والطلب والكسب يستمدان من الأمر، فالتوكل على الله تعالى هو الثقة بما ضمنه والقطع بكون ما حكم به، فمن رام أمرًا من الأمور ليس من الطريق في تحصيله أن يغلق بابه عليه، ويفوض أمره إلى ربه وينتظر حصول ذلك الأمر، بل الطريق أن يشرع في طلبه على الوجه الذي شرعه الله تعالى فيه. وقد ظاهر النبي ﷺ بين درعين، واتخذ خندقًا حول المدينة ليستظهر به ويحترس به من العدو، وأقام الرماة يوم أحد ليحفظوه من خالد بن الوليد، وكان يلبس لامة الحرب ويعبئ، الجيوش، ويأمرهم وينهاهم بما فيه مصالحهم، واسترقى وأمر بالاسترقاء وتداوى وأمر بالمداواة وقال: أنزل الداء الذي أنزل الدواء.
فإن قيل: قد روى أن النبي ﷺ قال: من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل؟ قلنا: أليس أنه قد قال اعقلها وتوكل، وظاهر بين درعين وسائر ما ذكرناه آنفًا. فإن قيل: فما الجمع بين ذلك؟ قلنا: معناه من اكتوى أو استرقى متكلًا على الرقية والكي، وأن البرء من قبلهما خاصة فهذا يخرجه من التوكل، وإنما يفعله كافر يضيف الحوادث إلى غير الله تعالى. فأما من باشر الأسباب والأدوية وتعاطى تدبير الأمور بنفسه وأعوانه وماله، على ما جرت به سيرة الله في أرضه وعادته في خلقه، غير معتمد على شيء من ذلك بل هو واثق القلب أن ما حصل فبتقديره وما تعسر فبتقديره، معتمدًا في ذلك على المسبب لا على الأسباب، فهذا هو التوكل لكن شرطه أن يمشي في ذلك كله مع الأمر، ولا يسلك طريقًا فيه معصية فليس يستدرك ما عند الله بمعاصيه.
قال علي ﵁: من ابتغى أمرًا بمعصية الله تعالى كان أبعد لما رجي وأقرب لمجيء ما أتقن. ومن ظن أن الطلب والاكتساب يناقض التوكل، فقعد في بيته وأغلق بابه متكلًا على اله ﷿ في زعمه، كان عن العقل خارجًا وفي تيه الجهل والجًا، ويقال له: فيجب من هذا إذا جعت وحضر الطعام لا تمد يدك إليه ولا تفتح فاك له، فإن تمادى على ذلك كان إلى العقل أحوج منه إلى المعرفة، وينبغي لأهله أن يداووه. ألا ترى أن الله تعالى قال لمريم عليها الصلاة والسلام: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (مريم: ٢٥)
فهلا أمرها بالسكوت ثم حمل الرطب إلى فيها؟ وهكذا القول فيمن له دابة أو بستان يؤمر بسقي البستان وحفره وإصلاح شأنه، ويؤمر بأن يعلف الدابة ويسقيها. وأنشدوا:
ألم تر أن الله قال لمريم
إليك فهزي الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أحنى الجذع من غير هزها
إليها ولكن كل شيء له سبب
وهكذا قال رسول الله ﷺ: لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو أخماصًا وتروح بطانًا فلم يحمل أرزاقها إليها في أوكارها بل ألهمها طلبه في الغدو والرواح. وقد كان جهبل بن رئيس القندهارس برئ من تصديق القدر وتكذيب الطلب، دون أهل زمانه من
[ ١٨٢ ]
الملوك ما حجزه عن الطلب والتدبير، فأخرجه إخوته من سلطانه وقهروه على مملكته. فقال له بعض الحكماء: إن ترك الطلب يضعف الهمة ويذل النفس، وصاحبه سائر إلى أخلاق دواب الحجرة من الحيوان كالضب وسائر الحشرات تنشأ في حجرتها وفيها يكون موتها. ثم جمعوا بين الطلب والقدر وقالوا: إنهما كالعدلين على ظهر الدابة إن حمل في واحد منهما رجح على الآخر وسقط حمله وتعب ظهره وثقل عليه سفره، وإن عادل بينهما سلم ظهره ونجح سفره وتمت بغيته.
وضربوا له مثالًا عجيبًا فقالوا: إن أعمى ومقعدًا كانا في قرية بفقر وضر، لا قائد للأعمى ولا حامل للمقعد. وكان في القرية رجل يطعمهما في كل يوم احتسابًا قوتهما من الطعام والشراب، فلم يزالا في عافية إلى أن هلك المحتسب، فأقاما بعده أيامًا فاشتد جوعهما وبلغ الضرر منهما جهده، فأجمعا رأيهما على أن يحمل الأعمى المقعد فيدله المقعد على الطريق ببصره، ويستقل الأعمى بحمل المقعد ويدوران في القرية يستطعمان أهلها ففعلا فنجح أمرهما ولو لم يفعلا هلكا. وكذلك القدر سببه الطلب، والطلب سببه القدر، وكل واحد منهما معين لصاحبه. فأخذ جهبل في الطلب فظفر بأعدائه ورجع إلى ملكه. فكان جهبل يقول: لا تدع الطلب اتكالًا على القدر، ولا تجهدن نفسك في الطلب متكلًا عليه مستهينًا بالقدر، فإنك إذا جهدت نفسك في الطلب بوجوه التدبير المحمودة مصدقًا بالقدر، نلت ما تحاول ولم تلتو عليك الأمور. فإن علمت بذلك والتوى عليك أمر من مطلوبك فذلك من إعاقة القدر، وأنك قد أتيت ذنبًا فتفقد جوارحك واستكشف ظاهرك وباطنك، وتب إلى الله تعالى من كل ذنب أتيته بجارحة من جوارحك، واخرج من كل مظلمة ظلمتها، فإذا فعلت ذلك قابلك الحظ وساعدك القدر إن شاء الله تعالى.
واعلم أن على هذا الأصل الذي قررناه يخرج كل ما ورد في القرآن العزيز. وفي حديث الرسول ﷺ من الأمر بالتوكل على الله ﷿ والتسليم إليه والتفويض له. ومن ذلك أن سليمان الخواص رحمة الله عليه تلى يومًا قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ (الفرقان: ٥٨) فقال: ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. قلنا: معناه لا يلجأ إلى الأسباب اعتمادًا عليها، ولكن يلجأ إليها واثقًا بأن الله تعالى يفعل ما يشاء، كما أمر النبي ﷺ بعقل الناقة ولبس درعين. ألا ترى أن من يطلب الزرع والولد ثم قعد في بيته لم يطأ زوجته ولا بذر أرضه معتمدًا في ذلك على الله تعالى واثقًا به أن تلد امرأته من غير وقاع، وتنبت أرضه الزرع من غير بذر، كان عن المعقول خارجًا ولأمر الله تاركًا.
وللأئمة والحكماء في القدر ألفاظ بارعة سليمة على السير والامتحان. منها ما روي أن علي بن أبي طالب ﵁ سئل عن القدر، فأعرض عن السائل فأبى إلا الجواب، فقال علي ﵁: أخبرني أخلقك الله تعالى كما يشاء أو كما تشاء؟ فأمسك الرجل فقال علي ﵁ للحاضرين أترونه يقول كما أشاء؟ إذًا والله أضرب عنقه. فقال الرجل: كما يشاء. فقال علي: يحييك على ما يشاء أو كما تشاء. قال: كما يشاء. قال: أيميتك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال: كما يشاء. قال: أفيحشرك كما يشاء أو كما تشاء؟ قال: كما يشاء. قال: أفيدخلك حيث يشاء أو حيث تشاء؟ قال: حيث يشاء. فقال: قم فليس لك من الأمر شيء! وروى أن رجلين قدريًا ومجوسيًا تناظرا فقال القدري للمجوسي: ما لك لا تسلم؟ فقال المجوسي: لو أراد الله تعالى لأسلمت. فقال القدري: قد أراد الله تعالى أن تسلم ولكن الشيطان يمنعك! فقال المجوسي: فأنا مع أقواهما.
وروي في الإسرائيليات أن نبيًا من أنبياء الله تعالى مر بفخ منصوب، وإذا بطائر قريب منه فقال الطائر:
[ ١٨٣ ]
يا نبي الله تعالى هل رأيت أقل عقلًا من هذا؟ نصب هذا الفخ ليصيدني فيه وأنا أنظر إليه. فقال: فذهب عنه ثم رجع فإذا الطائر في الفخ. فقال له: عجبًا لك! أولست القائل آنفًا كذا وكذا؟ فقال: يا نبي الله إذا جاء الحين لم تنفع أذن ولا عين. وقال رجل من الخوارج لعلي بن أبي طالب ﵁: أرأيت من جنبني سبيل الهدى وسلك بي سبيل الردى أحسن إلي أم أساء؟ فقال له علي ﵁: إذا كنت استوجبت عليه حقًا فقد أساء وإذا كنت لم تستوجب عليه حقًا فهو يفعل ما يشاء. وقال مأمون بن مهران لغيلان القدري: سل فأقوى ما تكونون إذا سألتم. فقال غيلان: أشاء الله أن يعصى؟ فقال ميمون: أيعصى كارهًا؟ فانقطع غيلان. وروي أن رجلًا قال لبزرجمهر: تعال نتناظر في القدر. فقال: وما نصنع بالمناظرة في القدر؟ رأيت ظاهرًا استدللت به على الباطن، ورأيت أحمق مرزوقًا وعاقلًا محرومًا، فعلمت أن التدبير ليس للعباد. وقال بعضهم:
يخيب الفتى من حيث يرزق صاحبه
ويعطى المنا من حيث يحرم طالبه
ولما قدم موسى بن نصير بعد فتح الأندلس على سليمان بن عبد الملك، فقال له يزيد بن المهلب: أنت أدهى الناس وأعلمهم فكيف طرحت نفسك في يد سليمان؟ فقال موسى: إن الهدهد يهندس الماء في الأرض الفيفاء، ويبصر القريب منه من البعيد على بعده في التخوم، ثم ينصب له الصبي الفخ بالدودة والحية فلا يبصره حتى يقع فيه. وفي الإسرائيليات: أن الهدهد كان رائد سليمان بن داود ﵉ إلى الماء فيتقدم عسكره ثم ينظر إلى الأرض فيقول: الماء هنا على ألف قامة أو أقل أو أكثر. فتبادره الجن تحفره فلا يلحق سليمان ﵇ إلا وقد استعد الماء. واعلموا أن الهارب مما هو مقضي مقدر كالمتقلب في كف الطالب. وأنشد بعضهم:
وإذا خشيت من الأمور مقدرًا
وفررت منه فنحوه تتوجه
وقال بشار:
طبعت على ما في غير مخبر
هوائي ولو خيرت كنت مهذبا
أريد فلا أعطى وأعطى فلم أرد
وقصار علي أن ينال المغيبا
وأصرف عن قصدي وعلمي مقصرا
وأمسي وما أعطيت إلا التعجبا
ولما وقع الطاعون في الكوفة فر بن أبي ليلى على حمار له يطلب النجاة فسمع منشدًا ينشد:
لن يسبق الله على حمار
ولا على ذي منعة طيار
ويأتي الحتف على مقدار
قد يصبح الله أمام الساري
فكر راجعًا إلى الكوفة وقال: إذا كان الله أمام الساري فلات حين مهرب. وأنشد بعضهم:
أقام على المسير وقد أنيخت
مطاياه وغرد حادياها
وقال: أخاف عادية الليالي
على نفسي أن ألقى رداها
ومن كتبت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها
ولما قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتابًا فيه: إذا كان القدر حقًا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعًا فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل أحد نازلًا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق. وقال ابن عباس وجعفر بن محمد وحسن البصري رحمهم الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ (الكهف: ٨٢) إنما كان الكنز لوحًا من ذهب مكتوب فيه بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح،
[ ١٨٤ ]
وعجبت لمن يوقن بيوم الحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال يحيى بن معاذ: عجبت من ثلاث: رجل يريد أن يتناول رزقه بتدبيره وهو يرى تناقض تدبيره، ورجل شغله هم غده، وعالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط.
ومن أعجب ما نزل بالإسكندرية أن رجلًا من خدمة السلطان غاب عن خدمته أيامًا، وقبضه الشرط وحملوه إلى دار السلطان، فانساب منهم في بعض الطريق وترامى في بئر، والمدينة مسربة تحت الأرض بأسراب يمشي الماشي فيها قائمًا يخترقها ويدورها، لأن في دورها آبارًا على تلك السروب، فما زال الرجل يمشي إلى أن لاح له بئر مضيئة فطلع منها. وإذا البئر في دار السلطان فطلع الرجل في دار السلطان، فأدبه السلطان فكان فيه المثل السائر: الفار من القضاء الغالب كالمتقلب في يد الطالب. وقال ابن مسعود ﵁: إن الرجل ليشرف على الأمر من الإمارة والتجارة أو غيرها، ذكره الله فوق سماواته فيقول للملك: اصرف عن عبدي هذا الأمر فإني إن أيسره له أدخله به جهنم، فيظل متغيظًا على جيرانه فيقول: سبقني فلان وحسدني فلان وما صرفه عنه إلا الله تعالى. وأنشد بعضهم:
قالوا تقيم وقد أحا
ط بك العدو ولا تفر
فأجبتهم والشيخ ما
لم ينتفع بالعلم غمر:
لا نلت خيرًا ما بقي
ت ولا عداني الدهر شر
إن كنت أعلم أن غ
ير الله ينفع أو يضر
استأذن العقل على الجد فقال: اذهب فلا حاجة لي بك. فقال العقل: ولم؟ فقال: لأنك تحتاج إلي وأنا لا أحتاج إليك. وأوصى حكيم ابنه فقال: يا بني رزقك الله جدًا يخدمك به ذوو العقول ولا رزقك عقلًا تخدم به ذوو الجدود. وكان يقال: إفراط العقل مضر بالجد. وروي أن رجلًا خير في أمر فأبى أن يختار وقال: أنا بجدي أوثق مني لعقلي فافرغوا. وفي الأمثال: اسع بجد لا بكد. واسع بجد ودع جدك لك ذلك الجد لا الجد. الجد أغنى من الكد. واعلم أن زمام الأمور التوفيق، ولم ينزل من السماء إلى الأرض أجل من التوفيق وهو مقرون بالاجتهاد. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: ٦٩) . وقد كنت جمعت فيه كتابًا من جملة كتابي في الأسرار. هل التوفيق مكتسب أو موهوب بلا مزيد عليه؟ ومن لطيف ما وقفت عليه في مجال القضاء والقدر، وأن الهارب من القدر كالمتقلب في يد الطالب، ما نزل بنا في الإسكندرية في قضية الرجل الذي تقدم ذكرة.