وهذه الخصلة الجليل قدرها العظيم موقعها الشريف موردها ومصدرها، وهي إحدى قواعد المملكة وأساسها وتاجها وجمالها، تعنو لها الوجوه وتذل لها الرقاب، وتخضع لها الجبابرة وتسترق بها الأحرار وتستمال بها الأعداء وتستكثر بها الأولياء، ويحسن بها الثناء ويملك بها القرباء والبعداء، ويسود بها في غير عشائرهم الغرباء. وهذه الخصلة بالعزائم والواجبات أشبه منها بالجمال والمتممات، وكم قد رأينا من كافر ترك دينه والتزم دين الإسلام ابتغاء عرض قليل من الدنيا يناله، وكم قد سمعنا من مسلم ارتد في أرض الشرك افتتانًا بيسير من عرض الدنيا! وأخلق بخصلة يترك الإنسان لها دينه الذي يبذل دونه نفسه،
[ ٨٨ ]
أن تكون جليلة القدر عظيمة الخطر! وأحوج خلق الله تعالى إليها أفقرهم إلى عطف القلوب عليه وصرف الوجوه إليه الملوك والولاة.
واعلموا يا معشر من وسع الله عليه دنياه وأسبغ عليه آلاءه ونعماه أنه ليس في الجنة لا، وحسبك بكلمة لا تدخل الجنة سقوطًا وضعة، وإنما أسست الجنة على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ولهذا وصف بعض البخلاء رجلًا بخيلًا فقال: هو جملة من حيث جئته وجدت لا! وقالوا في نحو هذا: فلان حسبه لا. وهذه الخصلة أعني الكرم والجود والسخاء والإيثار بمعنى واحد، يوصف البارئ تعالى بالجود ولا يوصف بالسخاء، كما يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل لعدم التوقيف. وحقيقة الجود أن لا يصعب عليه البذل، ويقال السخاء هو الرتبة الأولى ثم الجود ثم الإيثار. فمن أعطى البعض وأمسك البعض فهو صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر فهو صاحب جود، ومن آثر غيره بالحاضر وبقي هو في مقاساة الضر فهو صاحب إيثار. قال ذو النون: بداءة السخاء أن تسخو نفسك بما في يديك، ونهايته أن تسخو نفسك بما في أيدي الناس وأن لا تبالي من أكل الدنيا.
وتذاكر قوم من الزهاد عند رابعة العدوية، فجعلوا يذمون الدنيا ويكثرون من ذلك، فقالت رابعة: من أحب شيئًا أكثر من ذكره. وأصل السخاء هو السماحة وأن يؤتي ما يأتيه عن طيب نفس، وقد يكون المعطي بخيلًا إذا صعب عليه البذل، والممسك سخيًا إذا كان لا يستصعب العطاء وإن منع. ولهذا قال علماؤنا إن الله تعالى لم يزل جوادًا، وإن لم يقع منه عطاء في الأزل، لأن العطاء فعل والفعل في الأزل مستحيل. وقالت الحكماء: أيها الجامع لا تجزعن، فالمأكول للبدن والموهوب للمعاد والمتروك للعدو! قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩) .
قال أبو هريرة ﵁: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني جائع فأطعمني! فبعث النبي ﷺ إلى أزواجه فقلن: والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء! فقال النبي ﷺ: ما عند رسول الله ما يطعمك الليلة. ثم قال: من يضيف هذا هذه الليلة يرحمه الله تعالى. فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فحمله إلى منزله وقال لأهله: هذا ضيف النبي ﷺ فأكرميه ولا تدخري عنه شيئًا. فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية! فقال: قومي فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا ثم اسرجي واقعدي، فإذا أخذ الضيف يأكل، قومي تصلحين السراج فأطفئيه، وتعالي نمضغ ألسنتنا لضيف رسول الله ﷺ، ففعلت وجعلا يمضغان ألسنتهما والضيف يظن أنهما يأكلان وباتا طاويين. فلما أصبحا ونظر النبي ﷺ إليهما تبسم ثم قال: لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه الليلة ونزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: ٩) . وقال أنس: أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوية وكان مجهودًا، فوجه به إلى جار له، فوجه به الجار إلى أهل بيت آخر، فتداولته سبعة أبيات حتى عاد إلى الأول، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية. وقال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلى، ومعي شيء من الماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى فقلت له: أسقيك؟ فأشار أن نعم. فإذا رجل يقول: آه! فأشار إلي ابن عمي أن أنطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت له: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه! فأشار هشام أن أنطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام فوجدته قد مات، ثم رجعت إلى ابن عمي فوجدته قد مات.
وروت عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ: السخي قريب من الله
[ ٨٩ ]
قريب من الناس قريب من الجنة بعيد عن النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من عابد بخيل. وروي أن النبي ﷺ قال: ابن آدم، إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت! واعلموا أن السخاء على وجوه: سخاء في الدين وسخاء في الدنيا، فالسخاء في الدنيا البذل والعطاء والإيثار وسماحة النفس. قال الله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩)، وعلامته ترك الإدخار وبغض جمع المال، وتعاهد الإخوان مسرورًا قلبه بذلك. والسخاء في الدين أن تسخو بنفسك، أن تتلفها لله تعالى وتريق دمك في الله، سماحة من غير كراهة لا تريد بذلك ثوابًا عاجلًا ولا آجلًا، وإن كان غير مستغن عن الثواب لأن الغالب على قلبه حسن كمال السخاء بترك الاختيار على الله تعالى، حتى يفعل الله بك ما تحب أن تختاره لنفسك.
وقيل لعمر بن الخطاب ﵁: من السيد؟ قال: الجواد إذا سئل، الحليم إذا استجهل، الكريم المجالسة لمن جالسه، الحسن الخلق لمن جاوره. وقال النعمان بن المنذر يومًا لجلسائه: من أفضل الناس عيشًا وأنعمهم بالًا، وأكرمهم طباعًا وأجلهم في النفوس قدرًا؟ فسكت القوم، فقال فتى: أبيت اللعن! أفضل الناس من عاش الناس في فضله! قال: صدقت! وقال الحسن: باع طلحة بن عثمان أرضًا بسبعمائة ألف، فلما جاءه المال قال: إن رجلًا يبيت هذا عنده لا يدري ما يطرقه لغرير بالله، ثم جعلها صررًا وجعل رسوله يختلف إلى الناس حتى قسمها، وما أصبح عنده منها درهم. وكان أسماء بن خارجة يقول: ما أحب أن أرد أحدًا عن حاجة لأنه إن كان كريمًا أصون عرضه، وإن كان لئيمًا أصون عنه عرضي.
وكان مورق العجلي يتلطف في إدخال الرفق على إخوانه، فيضع عندهم ألف درهم ويقول: أمسكوها حتى أعود إليكم. ثم يرسل إليهم: أنتم منها في حل! وقال العتبي: أعطى الحكم بن عبد المطلب جميع ما يملك، فلما نفذ ما عنده ركب فرسه وأخذ رمحه يريد الغزو ومات بمنيح، فأخبرني رجل من أهل منيح قال: قدم علينا الحكم وهو مملق لا شيء معه فأغنانا. فقيل: كيف أغناكم وهو مملق؟ قال: ما أغنانا بمال ولكنه علمنا الكرم، فعاد بعضنا على بعض فاستغنينا! وأكرم العرب في الإسلام طلحة بن عبد الله، جاءه رجل فسأله برحم بينه وبينه فقال: هذا حائطي بمكان كذا وكذا، وقد أعطيت فيه ستمائة ألف درهم يراح إلي بالمال العشية، فإن شئت فالمال وإن شئت فالحائط. ويروى أن رجلًا بعث إلى جبلة بجارية فوافته بين أصحابه فقال: قبيح أن آخذها لنفسي وأنتم حضور، وأكره أن أخص بها واحد منكم وكلكم له حق وحرمة، وهذه لا تحتمل القسمة وكانوا ثمانين رجلًا، فأمر لكل واحد منهم بجارية أو وصيف! وقيل لقيس بن سعد: هل رأيت قط أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة، فحضر زوجها فقالت: إنه نزل بك ضيفان، فجاء بناقة فنحرها وقال: شأنكم! فلما جاء الغد جاء بأخرى ونحرها وقال: شأنكم! فقلت: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير. فقال: إني لا أطعم أضيافي الغاب! فأقمنا عنده أيامًا والسماء تمطر وهو يفعل كذلك، فلما أردنا الرحيل وضعنا في بيته مائة دينار وقلنا للمرأة: اعتذري لنا منه. ومضينا، فلما متع النهار إذا رجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام! أعطيتمونا ثمن القرى؟ ثم إنه لحقنا وقال: لتأخذنها وإلا طعنتكم برمحي! فأخذناها وانصرف. قال ميمون بن مهران: من طلب مراضاة الإخوان بلا شيء فليصحب أهل القبور.
[ ٩٠ ]
وقال ابن عباس: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجله فقد هناه، وإذا صغره فقد عظمه، وإذا ستره فقد تممه. وقال الحسن: كان أحدهم يشق إزاره لأخيه نصفين. قال
المغيرة: في كل شيء سرف إلا في المعروف. وقيل للمحسن بن سهل: لا خير في السرف. فقال: لا سرف في الخير! فقلب اللفظ واستوفى المعنى. ونظمه محمد بن حازم فقال:
لا الفقر عار ولا كسب الغنى شرف
ولا السخا مفرطًا في طاعةٍ سرف
ما لك إلا اقتناء شيء تقدمه
وكل شيء إذا أخرته تلف
وأما طلحة بن عبيد الله الخزاعي المعروف بطلحة الطلحات، وما سمي هذا الاسم إلا أنه كان عظيم البذل في كل وجهة، وكان يبتاع الرقاب فيعتقها، وكان كل معتق يولد له ولد ذكر سماه طلحة، فبلغ عددهم ألف رجل، كل يسمي طلحة فسمي بذلك طلحة الطلحات، ثم ولي سجستان؛ وفيه يقول الشاعر:
رحم الله أعظمًا دفنوها
بسجستان طلحة الطلحات
وبلغه أن معلمه في الكتاب كان في الحجاز قد قعد به الدهر، فأرسل إليه مع غلامه مائة ألف وقال: سلمها إليه، فإن يكن مات وله ولد فادفعها إلى ولده، وإن لم يكن له ولد ففرقها على قومه. فوافاه الرسول فوجده قد مات ولم يعقب ففرقها على قومه. وقال زيد بن أسلم وكان من الخاشعين: يا ابن آدم، أمرك الله أن تكون كريمًا ويدخلك الجنة، ونهاك أن تكون بخيلًا ويدخلك النار. وقال حكيم بن حازم: ما أصبحت قط صباحًا لم أر طالب حاجة إلا عددتها مصيبة أرجو ثوابها. وقال أبو علي الثقفي المعروف: كنز لا ينفد من بر ولا فاجر. وكان الزبير من أجود الناس وأشجعهم، ولما مات وجد عليه مائتا ألف دينار. ووجد مكتوبًا على حجر: انتهز الفرص عند إمكانها ولا تحمل على نفسك هم ما لم يأتك، واعلم أن تقتيرك على نفسك توفير لخزانة غيرك، فكم من جامع لبعل حليلته.
وقال علب بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما جمعت من المال فوق قوتك فإنما أنت فيه خازن لغيرك. وروى مالك ي الموطأ أن مسكينًا سأل عائشة وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه. فقالت: ليس عندنا ما تفطرين عليه! فقالت: أعطيه إياه! ففعلت، فلما أمست أهدى لها أهل بيت شاة وكفنها يعني ملفوفة برغفان، فقالت لها عائشة: كلي هذا خير من قرصك. وقال عبد الله بن عمر: ما كان أحدنا على عهد رسول الله ﷺ يحسب أن له في الفضل شيئًا. وقال الحسين: كنا نعد البخيل من يقرض أخاه الدرهم. ومن عجائب ما روي في الإيثار ما ذكره أبو محمد الأزدي قال: لما احترق المسجد بمصر قال المسلمون: إن النصارى أحرقوه، فأحرقوا خانًا لهم، فقبض السلطان جماعة من الذين أحرقوا الخان، وكتب رقاعًا فيها القتل وفيها القطع وفيها الجلد، ونثرها عليهم، فمن وقعت عليه رقعة فعل به ما فيها، فوقعت رقعة فيها القتل بيد رجل فقال: ما كنت أبالي لولا أم لي! وكان بجانبه بعض الفتيان فقال له: في رقعتي الجلد وليست لي أم فادفع لي رقعتك وخذ رقعتي! ففعلا فقتل هذا وتخلص هذا.
وحكي عن أبي العباس الأنطاكي ﵁ أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلًا بقرية بقرب الري، ولهم أرغفة لا تسع جميعهم فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام إلى أن كفوا، فلما رفع إذا الطعام بحاله لم يأكل واحد منهم إيثارًا لصاحبه على نفسه! وروي أنه اجتمع بالرملة جماعة من أرباب القلوب فحضر طبق فيه تين أخضر وقد غسق الليل، فكان الواحد يمد يده فإن ظفر بحبة حصرم أكلها وإن ظفر بطيب دفعه إلى صاحبه ولم يأكله، فلما رفع الطبق إذا الطيب كله في الطبق لم يأكلوا
[ ٩١ ]
منه شيئًا! وقال بعض الرواة: دخلت على بشر الحافي في يوم شديد البرد وقد تعرى من الثياب، فقلت: يا أبا نصر الناس يزيدون الثياب في مثل هذا اليوم وأنت تنقص؟ فقال: ذكرت الفقراء وما هم فيه ولم يكن لي ما أواسيهم، فأردت أن أوافقهم بنفسي في مقاساة البرد! وقال الأستاذ أبو علي: لما سعى غلام خليل بالصوفية إلى الخليفة بالزندقة أمر بضرب أعناقهم، فأما الجنيد فإنه تستر بالفقه وكان يفتي على مذهب أبي ثور، وأما الشحام والرقام والثوري وجماعة فقبض عليهم وبسط النطع لضرب أعناقهم، فتقدم الثوري، فقال له السياف: أتدري لماذا تقدم وتساق؟ قال: نعم. قال: وماذا يعجلك؟ قال: أوثر أصحابي بحياة ساعة! فتحير السياف وأتى الخبر إلى الخليفة فردهم إلى القاضي ليتعرف حالهم. فألقى القاضي على أبي الحسن الثوري مسائل فقهية فأجاب على الكل، ثم أخذ يقول: إن لله عبادًا إذا قاموا قاموا بالله، وإذا نطفوا نطفوا بالله. وسرد ألفاظًا حتى أبكى القاضي فأرسل إلى الخليفة وقال: إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم! ولما مرض قيس بن ساعدة استبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله ما لا يمنع الإخوان من الزيارة! ثم أمر من ينادي: من كان لقيس عنده مال فهو منه في حل! فكسرت عتبة بابه بالعشي لكثرة العواد. ويروى أن عبد الله بن جعفر، وكان
أحد الجواد، خرج إلى ضيعة له فنزل على نحيل قوم وفيها غلام أسود يقوم عليها، فأتى بقوته ثلاثة أقراص، ودخل كلب فدنا من الغلام فرمى له قرصًا فأكله، ثم رمى له الثاني والثالث فأكلهما وعبد الله ينظر، فقال: يا غلام كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت! قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب وإنه جاء من مسافة بعيدة جائعًا فكرهت رده. قال: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا! فقال عبد الله بن جعفر: أألام على السخاء وهذا أسخى مني. فاشترى الحائط والغلام وما فيه من آلات وعتق الغلام ووهب ذلك له.
وقال الثوري: رأيت محمد بن سوقة بالغد وصاحب مائة ألف، وبالعشي سألنا له من أصحابه خبزة. وقال أبو عبد الرحمن: دخل أبو عبد الله الروذباري إلى دار بعض أصحابه فوجده غائبًا، وهناك بيت مقفل، فكسر القفل وأمر بجميع ما وجده فيه، فأنفذوه إلى السوق فباعوه وأصلحوا لهم وقتًا من الثمن، فجاء صاحب البيت فلم يقل شيئًا، فدخلت امرأته بعدهم الدار وعليها كساء فدخلت بيتًا ورمت الكساء وقالت: يا صاحبنا هذا أيضًا من جملة المتاع بيعوه! فقال زوجها: لم تكلفت هذا باختيارك؟ فقالت: اسكت! مثل الشيخ يباسطنا ويحكم علينا ونبقي شيئًا ندخره عنه؟ وأما عبد الملك بن بحر فورث خمسة آلاف درهم، فبعث بها إلى إخوانه صررًا وقال: كنت أسأل لإخواني الغنية في صلاتي وأبخل عليهم بحلالي. ويروى أن الأشعث بن قيس أرسل إلى عدي بن حاتم يستعير منه قدورًا كانت لأبيه حاتم، فملأها وبعث بها إليه وقال: إنا لا نعيرها فارغة! وقال بزرجمهر: لا عز أثبت أركانًا ولا أبذخ بنيانًا من بيت الكرم واكتساب الشكر. وذلك أن العز المنتظم بالفعل الجميل باقٍ في قلوب الرجال، فمن تحصن بالجود وتحرز بالمعروف فقد ظفر بما نواه وربح الشكر والثواب. ويروى أن عبد الله بن أبي بكر، وكان أحد الأجواد، عطش يومًا في طريقه فاستسقى من منزل امرأة فأخرجت إليه كوزًا وقامت خلف الباب وقالت: تنحوا عن الباب وليأخذه بعض غلمانكم، فإني امرأة من العرب مات زوجي منذ أيام.
[ ٩٢ ]
فشرب عبد الله وقال: يا غلام احمل إليها عشرة آلاف درهم. فقالت: سبحان الله تسخر بي؟ فقال: يا غلام احمل إليها عشرين ألفًا. فقالت: أسأل الله العافية! فقال: يا غلام احمل إليها ثلاثين ألفًا. فقالت: أف لك! فحمل إليها أربعين ألف درهم. فما أمست حتى كثر خطابها. وقال بعض الرواة: قصد رجل إلى صديق له فدق عليه الباب، فلما خرج قال: ما حاجتك؟ قال: أربعمائة درهم علي دين. فدخل الدار وأخرجها إليه، ثم دخل الدار باكيًا، فقالت له امرأته: هلا
تعللت حين شقت عليك الإجابة؟ فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي! وقال أكثم بن صيفي: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متكأً. وقال الفضيل: ما كانوا يعدون القرض معروفًا. ويروى عن امرأة من المتعبدات أنها قالت لحبان بن هلال وهو في جماعة من أصحابه: ما السخاء عندكم؟ قال: البذل والإيثار. قالت: فما السخاء في الدين؟ قال: أن تعبدي الله سبحانه سخية بها نفسك غير مكرهة. قالت: أفتريدون على هذا جزاء؟ قالوا: نعم لأن الله تعالى وعد على الحسنة بعشرة أمثالها. قالت: فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة فأي شيء سخيتم به؟ وإنما السخاء أن تعبدوا الله متنعمين وتلذذين بطاعته غير كارهين، لا تريدون بذلك أجرًا، ألا تستحيون أن يطلع على قلوبكم فيعلم منها أنها تريد شيئًا بشيء؟ وقالت بعض المتعبدات لبعض المتعبدين: أتظن أن السخاء في الدينار والدرهم فقط؟ إنما السخاء في بذل مهج النفوس لله تعالى. وقال أبو بكر الدقاق: ليس السخاء أن يعطي الواجد المعدم، إنما السخاء أن يعطي المعدم الواجد.
وقال الشيخ أبو عبد الرحمن: كان الأستاذ أبو سهل الصعلوكي من الأجواد، لم يكن يناول أحد شيئًا بيده، وإنما كان يطرحه على الأرض فيتناوله الآخذ بيده من الأرض، وكان يقول: الدنيا أقل خطرًا من أن ترى يدي من أجلها فوق يد أخرى. وقد قال النبي ﷺ اليد العليا خير من اليد السفلى. وكان يتوضأ يومًا في صحن داره فدخل عليه إنسان، فسأله شيئًا فلم يحضره شيء، فقال: اصبر حتى أفرغ. فصبر، فلما فرغ قال: خذ القمقمة واخرج. فلما خرج وعلم أنه قد بعد صاح وقال: دخل إنسان وأخذ القمقمة! فمشوا خلفه فلم يدركوه وإنما فعل ذلك لأنهم كانوا يلومونه على البذل، وفي معناه قال الشاعر:
ملأت يدي من الدنيا مرارًا
فما طمع العواذل في اقتصادي
ولا وجبت علي زكاة مال
وهل تجب الزكاة على جواد؟
وكان أبو مزيد أحد الكرام، فمدحه أحد الشعراء فقال: ما عندي ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي فادع علي عشرة آلاف درهم حتى أقر لك بها، ثم احبسني فإن أهلي لا يتركوني محبوسًا! ففعل ذلك فلم يمسوا حتى دفعوا له عشرة آلاف درهم. وقال زياد بن جرير: رأيت طلحة بن عبيد الله فرق مائة ألف درهم في مجلس وإنه ليخيط إزاره بيده. ولما دخل ابن المنكدر على عائشة ﵂ قال لها: يا أم المؤمنين أصابتني فاقة. فقالت: ما عندي شيء، فلو كانت عندي عشرة آلاف درهم لبعثت بها إليك. فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف درهم من عند خالد بن أسيد، فأرسلت بها في أثره فاشترى جارية بألف درهم فولدت له ثلاثة أولاد، فكانوا عباد المدينة، وهم: محمد وأبو بكر وعمر بنو المنكدر. وقال يحيى بن معين: كان جرير بن يزيد في دار المطلب فجاء إنسان يسأله، فقال للغلام: اذهب لجواري فقل لهن من أرادت منهن أن تصبغ ثيابها فلتبعث بها، فجاء الغلام بثياب كثيرة فقال للسائل: خذها! وقال الأصمعي: كانت حرب بالبادية ثم اتصلت بالبصرة
[ ٩٣ ]
فتفاقم الأمر فيها حتى مشى بين الناس بالصلح، فاجتمعوا في المسجد الجامع قال: فبعثت وأنا غلام إلى ضرار بن القعقاع بن حازم، فاستأذن لي، فإذا هو في شملة يخبط نوى لعنز له حلوب، فأخبرته بمجتمع القوم فأمهل حتى أكلت العنز ثم غسل القصعة وقال: يا جارية غدينا. فأتته بزيت وتمر. قال: فدعاني، فعذرته أن آكل معه حتى إذا قضى من أكله وثب إلى طين ملقى في الدار فغسل به يديه، ثم صاح بالجارية فقال: اسقيني ماء. فأتت بماء فشربه ومسح بفاضله على وجهه وقال: الحمد لله! ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام متى تؤدي شكر هذه النعم؟ ثم قال: علي بردائي. فأتته برداء عدني فارتدى به على تلك الشملة، قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحًا لزيه، فدخل المسجد وصلى ركعتين ومشى إلى القوم، فلم تبق حبوة إلا حلت إعظامًا له، فتحمل ما كان بين الأحياء من الديات في ماله
وانصرف! وكان البهلول بن راشد الفقيه لما سجن يعطي السجان في كل يوم دينارًا، فاستكثره أصحابه وكلموه في ذلك فقال لهم حفص بن عمارة: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا كمل صدق الصادق لم يملك ما في يده. فخر بهلول على يديه فقبلهما وجعل يقول: سألتك بالله أنت سمعته يقول هذا؟ فحلف بالله! لقد سمعته يقول. وقال الشاعر:
ذريني أكن للمال ربًا ولا يكن
لي المال ربًا تحمدي غبه غدا
أريني جوادًا مات هزلًا لعلني
أرى ما تريني أو بخيلًا مخلدا
وكان عبد الله بن أبي بكر ينفق على أربعين دارًا من جيرانه عن يمينه، وأربعين عن يساره وأربعين أمامه وأربعين خلفه، ويبعث لهم الأضاحي والكسوة في الأعياد ويعتق في كل عيد مائة مملوك. واشترى يومًا جارية بعشرة آلاف درهم فطلب دابة يحملها عليها، فقال رجل: هذه دابتي. فقال احملوها على دابته إلى داره. وقال عبد الله بن زهير:
تخشى الردى أن يصيبني
تروح وتغدو بالملامة والقسم
تقول: هلكنا إن هلكت، وإنما
على الله أرزاق العباد كما قسم!
وإني أحب الخلد لو أستطيعه
وكالخلد عندي أن أموت ولا ألم
وروي أن عربيًا قدم على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، لي إليك حاجة، الحياء يمنعني من أن أذكرها! قال: فخطها على الأرض، فخط في الأرض: إني فقير! فقال لغلامه: يا قنبر اكسه حلتي. فكساه الحلة فقال:
كسوتني حلة تبلى محاسنها
فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه
كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا
إن نلت حسن ثناء نلت مكرمة
لا تبغين بما قد نلته بدلا
لا تزهد الدهر في عرف بدأت به
كل امرئ سوف يجزى بالذي فعلا
فقال علي ﵁: زده مائة دينار! فأعطاه إياها، فلما ولى الأعرابي قال قنبر: يا أمير المؤمنين، لو فرقتها في المسلمين لأصلحت بها شأنهم؟ فقال: مه يا قنبر! فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اشكروا لمن أثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه. وقال مطرف بن الشخير: إذا أراد أحدكم مني حاجة فليرفعها في رقعة، فإني أكره أن أرى في وجهه ذل الحاجة! وقرئ على القاضي أبي الوليد وأنا أسمع:
وآمرة بالبخل قلت لها: اقصري
فليس إليه ما حييت سبيل!
[ ٩٤ ]
أرى الناس خلان الكرام ولا أرى
بخيلًا له في العالمين خليل!
وإني رأيت البخل يزري بأهله
فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الغنى وأتمها
إذا نال خيرًا أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرمًا
ومالي كما قد تعلمين قليل
وقال عروة بن ورد العبسي:
وإني امرؤ عافٍ إنائي شركة
وأنت امرؤ عاف إنائك واحد
أتضحك مني إن سمنت وأن ترى
بجسمي شحوب الحق والحق جاهدا؟
أقسم جسمي في جسوم كثيرة
وأحسو قراح الماء والماء بارد!
وقال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفوس عن الحرام، وسخاؤها بما ملكت من الخاص والعام، وجميع خصال الخير وفروعه. وروي أنه كان عند البهلول بن راشد طعام، فغلا السعر فأمر به فبيع له، ثم أمر أن يشتري له نصف ربع القفير، فقيل له: تبيع وتشتري؟ فقال: نفرح إذا فرح الناس وتحزن إذا حزنوا. ولام رجل حاتم طيء فقال:
لعمري لقد ما عضني الجوع عضة
فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا!
فقولا لهذا اللائم الآن: اعفني
فإن أنت لم تستطع فعض الأصابعا!
وهل ترون الآن إلا طبيعة
وكيف بتركي يا ابن آدم الطبائعا؟
وقال آخر:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه
لا بارك الله بعد العرض في المال!
أحتال للمال إن أودى فأجمعه
ولست للعرض إن أودى بمحتال!
ويروى أن رجلًا سأل الحسن بن علي ﵁ شيئًا، فأعطاه خمسة آلاف درهم وخمسمائة دينار وقال: ائت بحمال يحمله لك! فأتى بحمال فأعطاه طيلسانة وقال: يكون كراء الحمال من قبلي! ويروى أن الليث بن سعد سألته امرأة سكرجة عسل، فأمر لها بزق عسل، فقيل له في ذلك، فقال: إنها سألت على قدر حاجتها ونحن نعطيها على قدر نعمتنا. ويروى أن رجلًا استضاف بعبد الله بن عامر بن كريز، فلما أراد الرجل أن يرتحل لم تعنه غلمانه، فسأل عن ذلك فقال عبد الله: إنهم لا يعينون من يرتحل عنا؛ وفي معناه قال المتنبي:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا
أن لا تفارقهم، فالراحلون هم!