فأول الخصال وأحقها بالرعاية العدل الذي هو قوام الملك، ودوام الدول ورأس كل مملكة سواء كانت نبوية أو إصطلاحية. اعلم أرشدك الله تعالى أن الله تعالى أمر بالعدل، ثم علم ﷾ أن كل الناس ليست تصلح على العدل بل تطلب الإحسان وهو فوق العدل، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (النحل: ٩٠) . فلو وسع الخلق العدل ما قرن به الإحسان، فمن لا يصلح حتى يزاد على العدل كيف يصلح إذا لم يبلغ به العدل والعدل ميزان الله في الأرض، الذي به يؤخذ للضعيف من القوي وللمحق من المبطل؟ وليس موضع ميزان الله الذي وضعه من القيام بالقسط فقد تعرض لسخط الله.
واعلم أيها الوالي أن الملك بمنزلة رجل: فرأسه أنت وقلبه وزيرك ويداه أعوانك، ورجلاه رعيتك وروحه عدلك، وما بقي جسد بلا روح. وإذا أردت ذروة العدل فاعلم أن الرعية ثلاثة أنفس: كبير وصغير ووسط، فاجعل كبيرهم أبًا ووسطهم أخًا وصغيرهم ولدًا. فبر أباك وأكرم أخاك وارحم ولدك، فإنك واصل بذلك إلى بر الله وكرامته ورحمته. واعلم أن عدل الملك
[ ٥١ ]
يوجب الاجتماع عليه، وجوره يوجب الافتراق عنه، عدل الملك حياة رعيته. وفي منثور الحكم: سلطان جائر أربعين سنة خير من رعية مهملة ساعة واحدة من النهار، إذا عدل الملك فيما قرب منه صلح له ما بعد عنه. ففضل الملوك في الإعطاء وشرفها في العفو وعزها في العدل. عدة السلطان ثلاثة: مشاورة النصحاء وثبات نبات الأعوان وإقامة سوق العدل. أفضل الأزمنة أزمنة أئمة العدل. ثم: العدل ينقسم قسمين: قسم إلهي جاءت به الأنبياء والرسل ﵈ عن الله تعالى، والثاني ما يشبه العدل والسياسة الإصلاحية التي هرم عليها الكبير ونشأ عليها الصغير، وبعيد أن يبقى سلطان أو تستقيم رعيته في حال إيمان أو كفر بلا عدل قائم ولا ترتيب للأمور ثابت، فذلك مما لا يمكن ولا يجوز. وقد ذكرنا في أول الكتاب أن سليمان بن داود سلب ملكه حين جلي الخصمان بين يديه، وكان لأحدهما خاصة بسليمان فقال في نفسه: وددت أن يكون الحق لخاصتي فأقضي له، فسلبه الله تعالى ملكه وقعد الشيطان على كرسيه.
فاجعل العدل سياستك تسقط عنك جميع الآفات المفسدة للسياسة، وتقوم لك جميع الشرائط التي تقوم بها للمملكة. قال علي بن أبي طالب ﵁: إمام عادل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم. وقال ابن مسعود: إذا كان الإمام عادلًا فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائرًا فعليه الوزر وعليك الصبر. وقال سليمان بن داود ﵉: الرحمة والعدل يحرزان الملك. واتفق حكماء العرب والعجم على هذه الكلمات فقالوا: الملك بناء والجند أساسه، فإذا قوي الأساس قام البناء، وإن ضعف الأساس انهار البناء، فلا سلطان إلا بجند ولا جند إلا بمال، ولا مال إلا بجباية ولا جباية إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل فصار العدل أساسًا لكل الولايات.
وأما العدل النبوي فأن يجمع السلطان إلى نفسه حملة العلم الذين هم حفاظه ورعاته وفقهاؤه، وهم الأدلاء على الله والقائمون بأمر الله، والحافظون لحدود الله والناصحون لعباد الله. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الدين النصيحة! إن الدين النصيحة! إن الدين النصيحة! قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. فاتخذ أيها الملك العلماء شعارًا والصالحين دثارًا، فتدور المملكة بين نصائح العلماء ودعوات الصلحاء، وأخلق بملك يدور بين هاتين الخصلتين أن يقوم عموده ويطول أمده! وكيف لا وقد قربهم الله في سلطانه واصطفاهم بخالص معرفته، فقال جل من قائل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) . فبدأ بنفسه وثنى بملائكته، وثلث بأولي العلم وهم ورثة الأنبياء ﵈ والموقفون عن الله تعالى.
إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا در همًا وإنما ورثوا العلم، ففي تعظيمهم وتقريبهم امتثال لأمر الله وتعظيم لمن أثنى عليه، ويجب ترفيع مجالسهم وتتمييز مواضعهم عن من سواهم، قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١) . وفيه استمالة قلوب الرعية وخلوص نياتهم لسلطانهم واجتماعهم على محبته وتوقيره، فواجب على السلطان أن لا يقع أمرًا دونهم ولا يفضل حكمًا إلا بمشاورتهم، لأنه في ملك الله يحكم وفي شريعته يتصرف، وأقل الواجبات على السلطان أن ينزل نفسه مع الله منزلة ولاته معه، أليس إذا خالف واليه أمره وما رسمه له من الأحكام عزله وعاقبه ولم يأمن سطوته؛ وإذا امتثل أوامره
[ ٥٢ ]
وازدجر عن زواجره حل منه محل الرضى؟ فواعجبًا لمن يغضب على واليه إذا خالفه، ثم لا يخاف سطوة ربه عليه إذا خالفه! فهذا طريق إقامة العدل الشرعي، والسياسة الاصطلاحية الجامعة لوجوه المصلحة الآخذة لأزمة التدبير، السالمة من العيوب الممهدة لاستقامة الدنيا والدين. وكما أن الملك الحازم لا يتم حزمه إلا بمشاورة الوزراء الأخيار كذلك لا يتم عدله إلا باستفتاء العلماء الأبرار.
وقد وقع المأمون في قضية متظلم من عمرو بن مسعدة: يا عمر، واعمر نعمتك بالعدل فإن الجور يهدمها، وفي إشاعة العدل قوة القلوب وطيب النفس ولزوم اليقين وأمان من العدو. ولما استأذن الهرمزان على عمر بن الخطاب ﵁ لم يجد عنده حاجبًا ولا بوابًا فقيل له: هو في المسجد، فأتى المسجد فوجده مستلقيًا متوسدًا كومًا من الحصى ودرته بين يديه، فقال له الهرمزان: يا عمر عدلت فأمنت فنمت! وقال الحسن بن علي: رأيت عثمان ﵁ وقد جمع الحصى في مسجد رسول الله ﷺ عند رأسه، وقد وضع إحدى جانبي ردائه عليه وهو يومئذ أمير المؤمنين، ما عنده أحد من الناس ودرته بين يديه.
وكتب عامل حمص إلى عمر بن عبد العزيز ﵁: إن مدينة حمص قد تهدمت واحتاجت إلى الإصلاح فكتب إليه عمر: حصنها بالعدل ونق طرقها من الجور، والسلام. وقالت الحكماء: من حرم العدل فلا خير له ولا للناس في سلطانه. وقال يحيى بن أكثم: ماشيت المأمون في بستان والشمس على يساري والمأمون في الظل، فلما رجعنا وقعت الشمس أيضًا علي، فقال لي المأمون: تحول مكاني وأنا أتحول مكانك حتى تكون في الظل كما كنت، وأقيك الشمس كما وقيتني، فإن أول العدل أن يعدل الرجل على بطانته، ثم الذين يلونهم حتى يبلغ العدل الطبقة السفلى. فعزم علي فتحولت.
وكان يقال: ليس شيء أبعد من بقاء ملك الغاصب. وقيل للإسكندر: لو أكثرت من النساء حتى يكثر نسلك ويحيا ذكرك. فقال: إنما يحيي الذكر الأفعال الجميلة والسيرة الحميدة، ولا يحسن بمن يغلب الرجال أن تغلبه النساء. وقال الحكيم: من اتخذ العدل سنة كان له أحصن جنة، ومن استشعر حلة العدل فقد استكمل رتبة الفضل. وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: إن الإمام العادل ليسكنن الأصوات عن الله تعالى. وقال الحكيم: لا يزال السلطان ممهلًا حتى يتخطى إلى أركان العمارة ومباني الشريعة، فحينئذ يريح الله منه. وقالوا: لا تظلم الضعفاء فتكون من لثام الأقوياء، وقال بعض الحكماء: أمير بلا عدل كغيم بلا مطر، وعالم بلا ورع كأرض بلا نبات، وشاب بلا توبة كشجر بلا ثمر، وغنى بلا سخاء كقفل بلا مفتاح، وفقر بلا صبر كسراج بلا ضوء، وامرأة بلا حياء كطعام بلا ملح.
وقال كسرى: اتفقت ملوك العجم على أربع خصال: أن الطعام لا يؤكل إلا شهوة، والمرأة لا تنظر إلا إلى زوجها، والملك لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل. وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل الملوك الذين بعدلهم يعدل من دونهم، والذين إذا قالوا أو فعلوا كان نافذًا غير مردود. وقالت الحكماء: رم ما شئت بالإنصاف وأنا زعيم لك بالظفر به. والظلم أدعى شيء إلى تغيير نعمة أو تعجيل نقمة. وقال الحكيم: شر الزاد إلى المعاد الذنب بعد الذنب، وشر من هذا العدوان على العباد، ومتى أراد السلطان حسن الصيت وجميل الذكر فليقم سوق العدل، وإن أحب الزلفى عند الله وشرف المنزلة عنده فليقم سوق العدل، والذي يخلد به ذكر الملوك على غابر الدهور عدل
[ ٥٣ ]
واضح أو جور فاضح، هذا يوجب له الرحمة وهذا يوجب له اللعنة.