قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١)، يعني لولا أن الله تعالى أقام السلطان في الأرض يدفع القوي عن الضعيف وينصف المظلوم من الظالم، لأهلك القوي الضعيف وتواثب الخلق بعضهم إلى بعض، فلا ينتظم لهم حال ولا يستقر لهم قرار فتفقد الأرض ومن عليها، ثم امتن الله تعالى على الخلق بإقامة السلطان، فقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥١)، يعني في إقامة السلطان في الأرض فيأمن الناس به، فيكون فضله على الظالم كف يده وفضله على المظلوم أمانة وكف يد الظالم عنه. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم.
وروي أن النبي ﷺ قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وروى كثير بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ: السلطان ظل الله في أرضه يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإذا جار كان عليه الإصر وعلى الرعية الصبر.
وروى أبو هريرة ﵁ يرفعه قال: لعمل الإمام العادل في رعيته يومًا أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة أو خمسين سنة. وقال قيس بن سعد: ليوم من إمام عادل خير من عبادة رجل في بيته ستين سنة. وقال مسروق: لأن أقضي بالحق يومًا أحب إلي من أن أغزو سنة في سبيل الله. وروي أن سعد بن إبراهيم وأبا سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن مصعب بن شرحبيل ومحمد بن صفوان، قالوا لسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت: لقضاء يوم بالحق أفضل عند الله من صلواتك عمرك. وسيتضح لك صحة هذه الأقوال إذا وقفت على ما نالته الرعية من الصلاح بصلاح السلطان.
واعلم أرشدك الله أن الإنسان أعز جواهر الدنيا وأعلاها قدرًا وأشرفها منزلة، وبالسلطان صلاح الدنيا، فهو إذا أعز أعلاق الدنيا وأعمها نفعًا وبركة. ولذلك خلق الله تعالى دارين: دار الدنيا ودار الآخرة، ثم كان السلطان صلاح الدارين، فأخلق بشخص يعم نفعه العباد والبلاد ويصلح بصلاحه الدنيا والآخرة، وأن يكون شرفه عند الله عظيمًا كما كان قدره في العقول جسيمًا، ومقامه عند الله كريمًا كما كان نفعه في البلاد عميمًا، وعلى قدر عموم المنفعة تشرف الأعمال، وعلى قدر النعمة تكون المنة. ألا ترى أن الأنبياء ﵈ أعم خلق الله تعالى نفعًا، فهم أجل خلق الله قدرًا لأنهم تعاطوا إصلاح الخلائق، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وكذلك سلطان الله في الأرض هو خليفة النبوة في إصلاح الخلائق، ودعائهم إلى فناء الرحمن وإقامة دينهم وتقويم أودهم، وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبي مرسل أو ملك مقرب.
فاتخذ عظم قدر السلطان عندك حجة لله تعالى على نفسك وناصحه على قدر ما نفعك، وليس نفعه مقصورًا على عجالة من حطام الدنيا يحبوك بها، ولكن صيانة جمجمتك
[ ٤٤ ]
وحفظ حريمك وحراسة مالك عن البغاة أعم نفعًا لك إن عقلت. وليس لله في الأرض سلطان إلا وقد أخذ عليه شرائط العدل، ومواثيق الإنصاف وشرائع الإحسان، وكما أنه ليس فوق رتبة السلطان العادل رتبة كما أن خيره يعم، كذلك ليس دون رتبة السلطان الشرير الجائر رتبة لشرير لأن شره يعم. وكما أن بالسلطان العادل تصلح البلاد والعباد، وتنال الزلفى إلى الله تعالى والفوز بجنة المأوى.
كذلك بالسلطان الجائر تفسد البلاد والعباد وتقترف المعاصي والآثام وتورث دار البوار، وذلك أن السلطان إذا عدل انتشر العدل في رعيته وأقاموا الوزن بالقسط، وتعاطوا الحق فيما بينهم، ولزموا قوانين العدل فمات الباطل وذهبت رسوم الجور، وانتعشت قوانين الحق فأرسلت السماء غياثها، وأخرجت الأرض بركاتها، ونمت تجارتهم وزكت زروعهم وتناسلت أنعامهم، ودرت أرزاقهم ورخصت أسعارهم وامتلأت أوعيتهم، فواسى البخيل وأفضل الكريم، وقضيت الحقوق وأعيرت المواعين، وتهادوا فضول الأطعمة والتحف فهان الحطام لكثرته وذل بعد عزته، وتماسكت على الناس مروآتهم وانحفظت عليهم أديانهم. وبهذا تبين لك أن الوالي مأجور على ما يتعاطاه من إقامة العدل، ومأجور على ما يتعاطاه الناس بسببه.
وإذا جار السلطان انتشر الجور في البلاد وعم العباد، فرقت أديانهم واضمحلت مروآتهم وفشت فيهم المعاصي وذهبت أماناتهم، وتضعضعت النفوس وقنطت القلوب، فمنعوا الحقوق وتعاطوا الباطل، وبخسوا المكيال والميزان وجوزوا البهرج، فرفعت منهم البركة وأمسكت السماء غياثها، ولم تخرج الأرض زرعها أو نباتها، وقل في أيديهم الحطام وقنطوا وأمسكوا الفضل الموجود، وتناجزوا على المفقود، فمنعوا الزكوات المفروضة وبخلوا بالمواساة المسنونة، وقبضوا أيديهم عن المكارم وتنازعوا المقدار اللطيف وتجاحدوا القدر الخسيس، ففشت فيهم الأيمان الكاذبة والحيل والبيع والخداع في المعاملة، والمكر والحيلة في القضاء والاقتضاء، ولا يمنعهم من السرقة إلا العار ومن الزنا إلا الحياء، فيظل أحدهم عاريًا عن محاسن دينه متجردًا عن جلباب مروءته، وأكثر همته قوت دنياه وأعظم مسراته أكله من هذا الحطام، ومن عاش كذلك فبطن الأرض خير له من ظهرها.
قال وهب بن منبه ﵁: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزرع والضرع وكل شيء، وإذا هم بالخير والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك. وقال عمر بن عبد العزيز: تهلك العامة بعمل الخاصة، ولا تهلك الخاصة بعمل العامة، والخاصة هم الولاة. وفي هذا المعنى قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥) .
قال الوليد بن هشام: إن الرعية لتفسد بفساد الوالي وتصلح بصلاحه. وقال سفيان الثوري لأبي جعفر المنصور: إني لأعلم رجلًا إن صلح صلحت الأمة وإن فسد فسدت الأمة، قال: ومن هو؟ قال: أنت! وقال ابن عباس: إن ملكًا من الملوك خرج يسير في مملكته مستخفيًا بمكانه، فنزل على رجل له بقرة فراحت البقرة فحلبت له قدر حلاب ثلاثين بقرة، فتعجب الملك لذلك وحدثته نفسه بأخذها، فلما راحت عليه من الغد حلبت على النصف مما حلبت بالأمس، فقال له الملك: ما بال حلابها نقص، أرعت في غير مرعاها بالأمس؟ قال: لا، ولكني أظن أن ملكنا هم بأخذها فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم أو هم بالظلم ذهبت البركة. فعاهد الملك الله ﷾ في نفسه أن لا يأخذها، فراحت من الغد فحلبت حلاب ثلاثين بقرة، فتاب الملك وعاهد ربه: لأعدلن
[ ٤٥ ]
ما بقيت! ومن المشهور في أرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو، وأن قصبة منها تعصر قدحًا، فعزم على أخذها منها، ثم أتاها وسألها عن ذلك فقالت: نعم! ثم إنها عصرت قصبة فلم تبلغ نصف قدح، فقال لها: أين الذي كان يقال؟ فقالت: هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان قد عزم على أخذها مني فارتفعت بركتها. فتاب السلطان وأخلص نيته لله أن لا يأخذها أبدًا، ثم أمرها فعصرت ملء القدح.
وحدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الأخبار بمصر قال: كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرداب تمرًا لم يكن في الزمان نخلة تحمل نصف ذلك، فغصبها السلطان فلم تحمل في ذلك العام شيئًا ولا ثمرة واحدة. قال شيخنا ﵀: قال لي شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة في الناحية الغربية يجنى منها عشرة أرداب ستين ويبة، وكان صاحبها يبيعها في سني الغلاء كل ويبة بدينار. وقال الشيخ ﵁: وشهدت أنا بالإسكندرية والصيد في الخليج مطلق للرعية والسمك فيه يغلي كثرة يصيده الأطفال بالخرق، ثم حجره الوالي ومنع الناس من صيده فذهب السمك حتى لا يكاد يرى فيه إلا الواحدة إلى يومنا هذا. وهكذا بتعدي سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم في الرعية، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
وروى أصحاب التواريخ في كتبهم قالوا: كان الناس إذا أصبحوا في زمان الحجاج وتلاقوا يتساءلون: من قتل البارحة ومن صلب ومن جلد ومن قطع؟ وأمثال ذلك. وكان الوليد صاحب ضياع واتخاذ مصانع، فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار. ولما ولي سليمان بن عبد الملك، وكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يتحدثون ي الأطعمة الرفيعة ويتوسعون في الأنكحة والسراري، ويغمرون مجالسهم بذكر ذلك. ولما ولي عمر بن عبد العزيز كان الناس يتساءلون: كم تحفظ من القرآن وكم وردك في كل ليلة، وكم يحفظ فلان ومتى يختم وكم يصوم من الشهر؟ وأمثال ذلك.