وفارقنا الغنى وحالفنا الفقر، فرحم الله امرأ فهم بعقل وأعطى من فضل وواسى من كفاف وأعان على عفاف. شعر:
فلو كان للشكر شخص يبي
ن إذا ما تأمله الناظر
لمثلته لك حتى ترا
هـ فتعلم أني آمر شاكر
ولكنه ساكن في الضمي
ر يحركه الكلم السائر
وقيل للسري: ما الشكر؟ فقال: المكافأة على قدر الطاقة. قيل: فما الكفر؟ قال: ترك الجزاء ولو بالثناء. قيل: وهل يكون أحد أبخل ممن يبخل بالثناء؟ قال: نعم من عادى على الصنيعة.
الباب الخامس والثلاثون: في بيان السيرة يصلح عليها الأمير والمأمور ويستريح لها الرئيس والمرؤوس وتسهل صحبة الخلائق أجمعين مستخرجة من القرآن العظيم
قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأنعام: ٣٨) فأثبت الله تعالى المماثلة بيننا وبين سائر البهائم، ومعلوم أنهم لا يماثلونا في خلقنا ولا أشكالنا ولا عقولنا، ولا سائر ما تدركه العين منهم ومنا فتبقى المماثلة في الأخلاق، فلا أحد من الخلق إلا وفيه خلق من أخلاق البهائم، ولهذا تجد أخلاق الخلائق مختلفة، فإذا رأيت من الإنسان خلقًا خارجًا عن الاعتدال، فانظر ما يماثل ذلك الخلق من خلق سائر الحيوان، فألحقه به وعامله كما كنت تعامله، فحينئذ تستريح من منازعتهم ويستريحون منك وتدوم الصحبة فإذا رأيت الرجل الجاهل في خلائقه الغليظ في طباعه القوي في بدنه الذي لا يؤمن طغيانه وإفراطه، فألحقه بعالم النمور. والعرب تقول: أجهل من نمر وأنت إذا رأيت النمر بعدت عنه ولا تخاصمه ولا تشانئه فاسلك بالرجل كذلك.
وإذا رأيت الرجل الغالب على أخلاقه السرقة خفية والنقب ليلًا على وجه الاستتار، فهذا يماثل عالم الجرذ، فدع ملاحاته ومخاصمته كما تدع سباب الجرذ إذا أفسد رحلك بما يصلح له. وإذا رأيت الرجل هجامًا على أعراض الناس وثلبهم فقد ماثل عالم الكلاب، فإن دأب الكلب أن يجفو من لا يجفوه ويبتدي بالأذية من لا يؤذيه، فعامله بما كنت تعامل به الكلب إذا نبحك! ألست تذهب في شأنك ولا تخاصمه ولا تسبه؟ فافعل بمن يهتضم عرضك مثل ذلك. وإذا رأيت إنسانًا قد جبل على الخلاف إن قلت لا قال نعم، وإن قلت نعم قال لا، فألحقه بعالم الحمير، فإن دأب الحمار إن أدنيته بعد وإن أبعدته قرب، وأنت تستمتع بالحمار ولا تسبه ولا تفارقه، فاستمتع أيضًا بهذا الإنسان ولا تسبه ولا تفارقه.
وإذا رأيت رجلًا يطلب عثرات الناس وسقطاتهم، فمثله في الآدميين كمثل الذباب في عالم الطير، فإن الذباب يقع على الجسد فيتحامى صحيحه ويطلب المواضع النغلة منه ذوات المدة والدم والنجاسة، فاستر ذلك الموضع ولا تخاصمه، وإذا بليت بسلطان يهجم على الأموال والأرواح فألحقه بعالم الأسود، وخذ حذرك منه كما تأخذ حذرك من الأسد، وليس إلا الهرب منه كما قال النابغة: ولا قرار على زأر من الأسد وإذا بليت بإنسان خبيث كثير الروغان فألحقه بعالم الثعالب. وإذا بليت بمن يمشي بالنمائم ويفرق بين الأحبة فألحقه بعالم الظربان، وهي دابة صغيرة تقول العرب عند تفرق الجماعة: فسا بينهم ظربان فتفرقوا، وخاصة هذه الدويبة إذا جعلت وسط جماعة أن يتفرقوا، وكما أن الجماعة إذا أقبلت نحوهم هذه الدابة طردوها ومنعوها الدخول بينهم، كذلك ينبغي إخراج النمام من بين الجماعة، فإن لم يفعلوا يوشك أن يفرق بينهم ويفسد قلوب بعضهم على بعض. وإذا رأيت إنسانًا
[ ١١١ ]
لا يسمع العلم والحكمة وينفر من مجالس العلماء والحكماء، ويألف سماع أخبار الدنيا والخرافات وما يجري في مجالس العوام، فألحقه بعالم الخنافس فإنه يعجبه أكل العذرات ويألف روائح النجاسات، ولا تراه إلا ملابسًا للأخلية والمرحضات وينفر من روائح المسك والورد، وإذا طرح عليك المسك وماء الورد مات.
وإذا رأيت إنسانًا إنما دأبه حفظ الدنيا لا يستحي من الوثوب عليها، فألحقه بعالم الحدآن بأن تكن رحلك عنه. وإذا بليت بالرجل عليه الأناة والسكينة وقد نصب أشراكه لاصطياد الدنيا، وأكل أموال الودائع والأمانات والأرامل واليتامى فألحقه بعالم الذئاب، وهو كما قال فيه القائل:
ذئب تراه مصليًا
فإذا مررت به ركع
يدعو وجل دعائه:
ما للفريسة لا تقع؟
عجل بها يا ذا العلا
إن الفؤاد قد انصدع!
فاحترز منه كما تحترز من الذئب. وإذا بليت بصحبة إنسان كذاب فاعلم أن الإنسان الكذاب كالميت في الحكم، لأنه لا يقبل له خبر كما لا خبر للميت، وكما لا تصحب الموتى لا يصحب الكذاب. وقد قيل في المثل: كل شيء شئ إلا صحبة الكذاب لا شيء ويجوز أن يلحق بعالم النعام فإنه يدفن جميع بيضه تحت الرمل، ثم يترك واحدة على وجه الرمل وأخرى تحت طاقة من الرمل، وسائر بيضه في قعر الحفرة، فإذا رآه الغراب أخذ تلك البيضة ويكشف عن وجه الرمل فيجد الأخرى، فيظن أنه ليس ثم شيء آخر. والخبير بحالة النعام إذا رأى البيضة لا يزال بحفر حتى يصل إلى حاجته ولا يغتر بتلك البيضة، فكذلك الكذاب إذا سمعت منه خبرًا لا تصدقه حتى تبلغ الغاية في الكشف عنه.
وإذا رأيت رجلًا إنما دأبه أن يصنع نفسه كما تصنع العروس لبعلها، يبيض ثيابه ويعدل عمامته ويأنف أن يمسه شيء غيره وينظر في عطفيه ويطرح القذى عن ثوبه، ليس له همة بين الجلساء إلا نظره إلى نفسه وإصلاح ما انثنى من ثيابه، فألحقه بعالم الطواويس التي هذه صفتها فإنه يتبختر في مشيه، وينظر إلى نفسه ويفرش ذنبه فتتخذه الملوك استحسانًا له. وإذا رأيت إنسانًا حقودًا لا ينسى الهفوات ويجازي بعد المدة على السقطات، فألحقه بعالم الجمال. والعرب تقول: فلان أحقد من جمل. وكما تجتنب قرب الجمل الحقود فاجتنب صحبة الرجل الحقود.
وإذا رأيت إنسانًا منافقًا يبطن خلاف ما يظهر فألحقه بعالم اليربوع، وهو فأر يكون في البرية يتخذ حجرًا تحت الأرض يقال له النافقاء، وله فوهتان يدخل من إحداهما ويخرج من الأخرى، ومنه اشتق اسم المنافق فإذا هم أحد بأخذه دخل حجره وخرج من الباب الآخر، فيحفر الصياد خلفه فلا يظفر بشيء، كذلك حال المنافق لا يصح منه شيء وعلى هذا النمط كن في صحبة الناس تستريح منهم وتريحهم، فلعمر الله ما استقامت لي صحبة الناس وسكنت نفسي واستراحت من مكابدة أخلاقهم، إلا من حيث سرت معهم بهذا السير! وقال الرباحي: يا بني رباح لا تحقروا صغيرًا تأخذون عنه، فإني أخذت من الثعلب روغانه ومن القرد مكائده، ومن السنور صرعه ومن الكلب صولته ومن ابن آوى حذره، وقد تعلمت من القمر مشي الليل ومن الشمس الظهور الحين بعد الحين.