اعلموا أرشدكم الله تعالى أن هذا الباب مما غلط الخلق فيه وقبلوا القوس ركوة، فعمدوا إلى أخلاق العامة وخلائق الغوغاء والدناة، وما يجري بينهم إذا تلاقوا وتعاشروا من الإفراط في مدح بعضهم بعضًا، وتعاطيهم الكذب والتصنع والملق والمراآة، والمعاريض
[ ١٤٤ ]
عن الأمور المكنونة التي يفحش إظهارها، والانخراط في سلك المزاح والمهاترة. فهذا وما أشبهه عندهم من أحسن الخلق. وهذا عندنا نقيض ما نص الله تعالى عليه ورسوله من حسن الخلق. فأول ذلك أن يعلم أنه لم تحتو الأرض على بشر أحسن خلقًا من محمد ﷺ، فكل من تخلق، بأخلاق رسول الله أو قاربها كان أحسن الناس خلقًا وكل خلق ليس يعد من أخلاقه فليس من حسن الخلق.
وهذا فصل الخطاب في هذا الباب لمن عقل، وإنما أتى الناس لأنهم استحسنوا الأخلاق العامية واستخشنوا الأخلاق النبوية لجهلهم بأخلاق الرسول ﷺ. وها أنا أتلو عليك من أخلاق الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم والأولياء والأصفياء والعلماء والصالحين، نرجو ما نرجو أن ينفعنا الله وإياك به. قال الله تعالى لنبيه وصفيه محمد ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) . فخص الله تعالى نبيه محمد ﷺ من كريم الطباع ومحاسن الأخلاق من الحياء والكرم والصفح وحسن العهد بما لم يؤته غيره، ثم ما أثنى الله عليه من فضائله بمثل ما أثنى عليه بحسن الخلق فقال: وإنك لعلى خلق عظيم. وعن هذا قالت الشيوخ أن الله تعالى دعا الخلق إلى حسن الخلق، ودعا نبيه ﷺ إلى حسن الخلق. نن
قال عبيد بن عمير: قلت لعائشة ﵂: يا أمير المؤمنين صفي لي خلق رسول الله ﷺ فقالت لي: أما تقرأ القرآن؟ كان خلقه القرآن. وحسبك بهذا القول منقبة للرسول ﷺ وتعريفًا لك بحسن الخلق، وإذا كان خلق النبي ﷺ القرآن فالقرآن يجمع كل فضيلة ويحث عليها، وينهي عن كل نقيصة ورذيلة ويوضحها ويبينها، ولذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩)
قال النبي ﷺ: ما هذا يا جبريل؟ فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك، فهذا من حسن الخلق كما ترى. فانظر أين أخلاق العامة من هذا النمط، إن أحدهم ليقطع من وصله ويحرم من أعطاه، ويظلم من سأله ويغضب على من اتهمه.
وإنما اقتصر على هذه الكلمات لأنها أصول الفضائل وينبوع المناقب، لأن في أخذ العفو صلة القاطع والصفح عن الظالم وإعطاء المانع، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله ﷿ تدخل جميع آداب الشرع فرضها ونفاها، وفي الإعراض عن الجاهلين الصفح والحلم وتنزيه النفس عن مماراة السفيه ومجازاة اللجوج، فهذه الأصول الثلاثة تتضمن محاسن الشرع نصًا وتنبيهًا وسمتًا واعتبارًا. وروى عن أنس أنه قال: يا رسول الله أي المؤمنين أكمل إيمانًا قال: أحسنكم خلقًا. وروى أبو داود في السنن أن النبي ﷺ قال: بعثت لأتمم محاسن الأخلاق.
اقتضى الحديث أن كل نبي مبعوث إلى أمته إنما بعث ليعلم الخلق الحسن، وأن نبينا محمدًا ﷺ بعث ليتمم محاسن الأخلاق. إذن فحسن الخلق امتثال الشرائع بأسرها. روى البخاري ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، قال: وإن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقًا، وقال ﵇: إن الله استخلص هذا الدين لنفسه، ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزينوا دينكم بهما. وكان النبي ﷺ في بعض أسفاره وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي جبذة شديدة حتى أثرت حاشية الرداء في عنقه وقال: يا محمد مر لي بشيء من مال الله الذي آتاك، فلست تأمر لي من مالك ولا من مال أبيك! فالتفت النبي صلى الله
[ ١٤٥ ]
عليه وسلم وقال: مروا له ولم يكلمه بكلمة. وقال أنس: نظرت إلى عنق النبي ﷺ قد أثرت فيه حاشية الرداء من شدة جبذه، فالتفت إليه رسول الله ﷺ وهو يضحك ثم أمر له بعطاء.
وروى أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فقال له: يا محمد املأ لي هذه تمرًا وسويقًا فإنك لست تعطي من مالك ولا من مال أبيك فقال له النبي ﷺ: أعد علي ما قلت، قال فأعاد كلامه فقال النبي ﷺ: صدقت املئوا له تمرًا وسويقًا لست أعطي من مالي، إنما هو من مال الله ﷿. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: حسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل. واعلموا أن الخلق الحسن أفضل مناقب العبد، وبه تظهر جواهر الرجال والإنسان مستور بخلقه. ألا ترى أن الله تعالى خص نبيه ﷺ بما خصه به من الفضائل، ثم لم يثن عليه بشيء من خصائله بمثل ما أثنى عليه بخلقه. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)
قال: لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله ﷿. وقيل: لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد معرفتك بالله تعالى.
قال المحاسبي: حسن الخلق كظم الغيظ وإظهار الطلاقة والبشر إلا لمبتدع أو فاجر، إلا أن يكون فاجرًا إذا انبسطت إليه استحق وأقلع، والعفو عن الزالين إلا في أدب وإقامة حسد، وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد إلا لتغيير منكر أو أخذ مظلمة لمظلوم؛ فهذا من حسن الخلق. وقيل: حسن الخلق أن لا تغير ممن يقف في الصف بجنبك. وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت حسن الخلق؟ فقال: من قيس بن عاصم المنقري، قال بينما هو ذات يوم جالس في داره إذ جاءته خادم له بسفود عليه شواء حار، فسقط من يدها فوقع على ابن له فمات فدهشت الجارية فقال: لا روع عليك، أنت حرة لوجه الله تعالى! وقيل: جاءت جارية لأبي عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵁ بقصعة من ثريد تقدمها إليه، وعنده قوم فأسرعت بها فسقطت من يدها فانكسرت فأصابه وأصحابه مما كان فيها فارتاعت الجارية عند ذلك فقال لها: أنت حرة لوجه الله تعالى، لعله أن يكون كفارة للروع الذي أصابك! وكان ابن عمر ﵁ إذا رأى أحدًا من عبيده يحسن الصلاة يعتقه، فعرفوا ذلك من حسن خلقه فكانوا يحسنون الصلاة مراآة وكان يعتقهم فقيل له في ذلك فقال: من خدعنا في الله انخدعنا له! وقال الفضيل: لو أن رجلًا أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين. وكان المحاسبي يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء. وقال الجنيد: أربع ترفع العبد إلى أرفع الدرجات: الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق، وهو كمال الإيمان وقال الكتاني الصوفي: حلق ما زاد عليك في الخلق يزيد عليك في التصوف، وقيل حسن الخلق تحمل أثقال الخلق. وقال الحسن بن علي ﵄: عنوان الشرف حسن الخلق.
وكان عبد الله بن محمد الرازي يقول: حسن الخلق استصغار ما منك واستعظام ما إليك. وقال سهل بن عبد الله: حسن الخلق أن لا تطمع فيما ليس لك، وليس بهذه الصفة أحد إلا الله ﷿. وقال شاه الكرماني: علامة حسن الخلق كف الأذى واحتمال المؤن، وقيل: حسن الخلق أن تكون من الناس قريبًا وفيما بينهم غريبًا. وقيل: حسن الخلق احتمال المكروه بحسن المداراة. وقال عمر بن الخطاب ﵁: خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال وقال يحيى بن معاذ الرازي: سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات، وحسن الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات. وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائي فقال: يا هذه أصبت اسمي الذي أضله أهل البصرة.
وفي الحديث عن النبي ﷺ: لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن تسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق. وروى أن أبا عثمان اجتاز بسكة وقت الهاجرة، فألقي عليه من فوق سطح بيت طست رماد، فتغير أصحابه وبسطوا ألسنتهم في الملقي، فقال أبو عثمان: لا تقولوا شيئًا، من يستحق أن يصب عليه النار فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب. وقيل لإبراهيم بن أدهم: هل فرحت في الدنيا قط؟ قال: نعم مرتين إحداهما كنت جالسًا ذات يوم فجاء إنسان فصفعني، والثانية كنت قاعدًا ذات يوم فجاء إنسان فبال علي. وكان أويس القرني إذا رأوه الصبيان يرمونه بالحجارة وهو يقول: إن كان فلا بد فارموني بالحجارة الصغار كي لا تدموا ساقي فتمنعوني الصلاة. وسئل سهل بن عبد الله عن حسن الخلق فقال: أدناه الاحتمال للأذى وترك المكافأة، والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه.
وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ دعا غلامًا له فلم يجبه، فدعاه ثانيًا وثالثًا فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعًا فقال: أما تسمع يا غلام؟ قال: فما حملك على ترك جوابي؟ قال: أمنت عقوبتك فتكاسلت! فقال: امض فأنت حر لوجه الله تعالى. وهذا ترى قوة إلهية يفرغها الله تعالى على المصطفين من عباده وأهل الصفوة
[ ١٤٦ ]
من أوليائه. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) جرده عن حقائق البشرية وألبسه من نعت الربوبية حتى قواه على صحبتهم، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم مع الذي كان يقاسيه مع كونه مستغرقًا باستيلاء الحق تعالى عليه يختص برحمته من يشاء. وقال النبي ﷺ: المؤمن إلف مألوف ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف. وإنما سمي آدم لأنه تألف من الجواهر والألوان. وقال النبي ﷺ لرجلين متغاضبين: آدم الله بينكما أي ألف بينكما. ومنه سمي الأدم المأكول لأنه يؤلف الطعام ويحسنه. ومنه قول النبي ﷺ لرجل أراد أن يتزوج امرأة: انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما أي يؤلف بينكما.
وروي أن معروف الكرخي نزل الدجلة يتوضأ فوضع مصحفه وملحفته، فجاءت امرأة فأخذتهما فتبعها معروف وقال: يا أختي أنا معروف لا بأس عليك ألك ابن يقرأ؟ قالت: لا. قال: فزوج؟ قالت: لا قال: فهاتي المصحف وخذي الثوب. وروي أن أبا ذر ﵁ كان على حوض يسقي إبله فأسرع بعض الناس إليه فانكسر الحوض فجلس ثم اضطجع، فقيل له في ذلك فقال: إن النبي ﷺ أمرنا إذا غضبنا أن نجلس، فإن ذهب عنا وإلا فنضطجع. وقال علي بن أبي طالب ﵁: إنا لنصافح أكفًا نرى قطعها وقال أبو ذر: إنا لنبش في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم. وقال الحارث بن قيس: يعجبني من الورى كل طلق الوجه مضحاك، فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بعبوس يمن عليك بعمله فلا أكثر الله في المسلمين مثله! وقال عروة بن الزبير ﵁: مكتوب في الحكمة: يا بني لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك طلقًا، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء، ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يسلم صاحبًا صالحًا يغنم. وروي أن إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه خرج إلى بعض البراري فاستقبله جندي فقال: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة فضرب رأسه فأوضحه، فلما جاوزه قيل له: هذا إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان. فجاء يعتذر إليه فقال: إنك لما ضربتني سألت الله لك الجنة، فقال: لم؟ قال: قد علمت أني أوجر على ذلك فلم أرد أن يكون نصيبي منك الخير ونصيبك مني الشر! وحكي أن أبا عثمان الجيزي دعاه إنسان إلى ضيافة، فلما وافى باب الدار قال: يا أستاذ ليس لي رغبة في دخولك وقد ندمت فانصرف يرحمك الله! فرجع أبو عثمان فلما وافى منزله عاد إليه الرجل وقال: يا أستاذ ندمت وأخذ يعتذر وقال احضر الساعة. فقام أبو عثمان ومضى معه فلما وافى داره قال مثل ما قال في الأولى وأخذ كذلك يعتذر، ثم كذلك في الثالثة والرابعة وأبو عثمان ينصرف ويحضر، ثم قال له: يا أستاذ إنما أردت اختبارك والوقوف على أخلاقك، وجعل يعتذر إليه
ويمدحه فقال أبو عثمان لا تمدحني على خلق تجد مثله في الكلاب، والكلب إذا دعي حضر وإذا زجر انزجر! وروي أن بعض الفقراء نزل على جعفر بن حنظلة، وكان جعفر يخدمه والفقير يقول: نعم الرجل أنت لو لم تكن يهوديًا! فقال أبو جعفر: إن عقيدتي لا تقدح فيما يحتاج إليه من الخدمة، فسل لنفسك الشفاء ولي الهداية. وروي أن أبا جعفر العمودي المتعبد لقيه بعض الأجناد ومعه كلب الصيد فقال له: خذ هذا الكلب وقده خلفي. فأبى فضرب رأسه بالسوط حتى أوجعه فقال بعض المارين: ويحك هذا أبو جعفر العمودي العابد! فنزل عن فرسه وجعل يقبل يديه ويعتذر إليه فقال له: أنت في حل! قال إبراهيم بن الحسين: سمعت أبا جعفر العمودي ليالي عدة
[ ١٤٧ ]
إذا فرغ من حزبه في جوف الليل يدعو ويقول: اللهم اغفر لصاحب الكلب وارحمه. وقيل مكتوب في الإنجيل: عبدي اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: ٨٣) أي كل من لقيته فقل له حسنًا من القول.
وقال لقمان لأبنه: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشجاع في الحرب، والأخ عند الحاجة إليه. وروي أن عبد الله الخياط كان له مجوسي يخيط عنده الثياب ويدفع له دراهم ذيوفًا، وكان عبد الله يأخذها فجاء المجوسي يومًا بدراهم رديئة فلم يجده، فأعطاه لتلميذه فلم يقبلها فدفع له صحاحًا فلما رجع عبد الله قال له تلميذه: هذه دراهم المجوسي، وذكر قصته فقال له عبد الله: بئس ما فعلت! إنه يعاملني هذه المعاملة منذ أعوام وأنا أصبر عليها وألقها في البئر لئلا يغر بها غيري! وروي أن معاوية نظر إلى يزيد يضرب ابنه فقال له: أتضرب من لا يمتنع منك؟ لقد حالت القدرة بيني وبين أولي التراث. وقال بعضهم: أصل سوء الخلق ضيق القلب، وضيقه على قسمين أدناه وأهونه أن لا يتسع لمراد الخلق، وأقصاه وشره أن لا يتسع لمراد الخالق. وقال المحاسبي: أصل السوء الخلق الإعجاب، وهل يسوء خلق الرجل إلا من عجبه وتكبره، ولا يرى فوقه أحد، ولا يعرف قدر نفسه فتداخله العزة؟ وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: ٤)
أي وخلقك فحسن وكان لبعض النساك شاة وكان بها معجبًا، فرآها على ثلاث قوائم فقال: من فعل هذا بها فقال غلامه: أنا. وقال: ولم؟ قال: لأغمك بها! قال: لأغمن من أمرك اذهب فأنت حر! وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: رأى عيسى بن مريم ﵇ رجلًا يسرق فقال له أتسرق؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى ﵇: آمنت بالله وكذبت عيني. وقال علي ابن أبي طالب ﵁: فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء. وقيل الخلق السيء يضيق قلب صاحبه لأنه لا يسع فيه غير مراده، كالمكان الضيق لا يسع فيه غير صاحبه. ويقال: من سوء خلقك أن يقع بصرك على سوء خلق غيرك. وسئل النبي ﷺ عن الشؤم فقال: سوء الخلق! وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قيل له: ادع الله تعالى على المشركين. فقال: إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابًا! ولما وصى يعقوب ﵊ أولاده قال لهم: احفظوا عني خصلتين ما انتصفت من ظالم قط قولًا ولا فعلًا، وما رأيت حسنة إلا أفشيتها ولا رأيت سيئة إلا سترتها، كذلك فافعلوا. وقال ابن عمر ﵄: إذا سمعتموني أقول لمملوك أخزاك الله فاشهدوا أنه حر. ويقال: سيئ الخلق هو الذي لا يملك نفسه عند الغضب. وقيل: أصل سوء الخلق أن يوافقك دون أن تطلب نفسك بموافقة غيرك، وعلامة حسن الخلق احتمال معاملة سيئ الخلق لتستر به سوء الخلق. وقيل: العارف يعاتب نفسه ولا يعاتب خلقه، وعلامة من بينه وبين نفسه عتاب أن لا يكون بينه وبين خلقه عتاب. وروي أن عبد الله بن عمر ﵄ كان في حجره يتم سيئ الخلق، فمات فحزن عليه فقيل له: إنك تجد غيره. قال: فمن لي بمثل سوء خلقه؟ وكان ليحيى بن زياد الحارثي غلام سوء فقيل له: لم تمسك هذا الغلام؟ فقال: لأتعلم عليه الحلم.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠) الظاهرة تسوية الخلق والباطنة حسن الخلق. وقال الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيئ الخلق. فإن قيل: أليس قد روى أن عيسى ويحيى بن زكريا ﵉ التقيا فقال يحيى لعيسى: تلقاني ضاحكًا كأنك آمن؟ فقال عيسى: وأنت تلقاني عابسًا كأنك آيس؟ فأوحى الله تعالى إليهما إن أحبكما إلي أبشكما لصاحبه. قلنا: كذلك يستحب أن يكون المؤمن وليست طلاقة الوجه والتبسم في وجه أخيك منهيًا عنه، وإنما المكر ومما ذكرناه في أول الباب من التملق والتصنع. وفصل الخطاب في هذا الباب ما روى هند بن أبي هالة في صفة مجلس النبي ﷺ فقال: كان أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير. ومعلوم أن من كان على رأسه الطير لا يبرح ولا يتحرك ولا يتكلم، ولا يطرف بعينه حذرًا من أن ينفر الطائر.
وقال ابن المقفع: كان لي صديق من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه. وكان خارجًا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد. وكان خارجًا عن سلطان فرجه فلا يدعو إليه مؤنة ولا يستخف له رأسًا ولا بدنًا. وكان خارجًا عن سلطان الجهالة فلا يقدم أبدًا إلا على ثقة لنفعه. وكان أكثر دهره صامتًا فإذا قال بد القائلين. وكان متضاعفًا مستضعفًا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديًا. وكان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيًا عادلًا وشهودًا عدولًا. وكان لا يلوم أحدًا على ما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره. وكان لا يشكو وجعًا إلا إلى من يرجو عنه البرء ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة. وكان لا يتبرم ولا يسخط ولا يشتكي ولا ينتقم من العدو، ولا يغفل عن الوالي ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته. فاقف هذه الأخلاق، فإن لم تطق فأخذ القليل خير من ترك الجميع.
وروي أن حكيمًا سمع رجلًا يذم الزمان وأهله، وأنه قد فسد الناس ولم يبق أحد يصحب فقال له: يا هذا أأنت تطلب صاحبًا تؤذيه فلا ينتصر وتنال منه فلا ينتصف، وتأكل رحله فلا يرزؤك بشيء وتجفو عليه فيحلم فلا ينتصف في الطلب، ولم تجد حاجتك ولكن إن أردت صاحبًا يؤذيك فلا تنتصر فلا تنتقم، ويأكل رحلك ولا تنال منه شيئًا وجدت أصحابًا وإخوانًا وخلانًا، وأنا أول من يصحبك.
فصل: في الفرق بين المداهنة والمداراة
من دارى سلم ومن داهن أثم. وهذا باب اختلط على معظم الخلق فداهنوا وهم يحسبون أنهم يحسنون وأنهم يدارون. فالمداهنة منهي عنها والمداراة مأمور بها. قال الله تعالى في المداهنة: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: ٩)
قال النبي ﷺ في المداراة: رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى التودد إلى الناس، وأمرت بمداراة الناس كما أمرت بأداء الفرائض. واعلم أنه إذا سقمت المداراة صارت مداهنة. فالمداراة أن تداري الناس على وجه يسلم لك دينك، وذلك أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ وقد قالت قريش: يا محمد اعبد آلهتنا سنة ونؤمن بك! فأبى. قالوا: فشهرًا! فأبى. قالوا: فيومًا! فأبى. قالوا: فساعة! فأبى. قالوا: فاستعملها بيدك وتؤمن بك. فوقف النبي ﷺ في ذلك وطمع إن فعل أن يؤمنوا فأنزل الله تعالى: ودوا لو تدهن فيدهنون.
وقيل له ﷺ: ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات، ومثاله أن يقول للظالم: أبقاك الله تعالى. ومن دعا للظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله تعالى. وهذا باب ينبغي لذوي الدين حفظه. وقد رأى بعض الفقهاء الخروج من هذه العهدة بالتعريض. وكان الفقيه ابن الحصار بقرطبة له جار نصراني يقضي حوائجه وينفعه، فكان الفقيه يكثر أن يقول له: أبقاك الله وتولاك، أقرا الله عينك! يسرني والله ما يسرك! جعل الله يومي قبل يومك. لا يزيده قط على هذه الكلمات، فيبتهج النصراني ويسره. فعوتب الفقيه في ذلك
[ ١٤٦ ]
فقال: إنما أدعو بمعاريض وقد علم الله ذلك من نيتي. أما قولي أبقاك الله وتولاك فأريد به أن يبقيه الله تعالى لغرم الجزية ويتولاه بالعذاب، وأما قولي أقر الله عينك فأريد أن يقر حركتها بستر يعرض لها فلا تتحرك جفونها، وأما قولي يسرني والله ما يسرك فإن العافية تسرني كما تسره، وأما قولي جعل الله يومي قبل يومك فأريد يومك أن يجعل الله اليوم الذي أدخله فيه الجنة برحمته قبل اليوم الذي يدخل فيه النار على كفره.