قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: ٦٧) . وقال سبحانه: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا*لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (الفرقان٢٩: ٢٨) . وينبغي للملك أن يجالس أهل العقل والأدب وذوي الرأي والحسب، وذوي التجارب والعب، فمجالسة العقلاء لقاح العقل ومادته، ولذلك حمدت آراء الشيوخ، فقال القدماء: المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم. وقالوا: عليكم بآراء الشيوخ، فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر، وتصدت لأسماعهم آثار الغير. وقالوا: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام. وقال عبد الملك لجلسائه: جنبوني ثلاثًا: لا تطغوني فإني أعرف بنفسي منكم، ولا تكذبوني فإنه لا رأي لكذوب، ولا تغتابوا عندي أحدًا فيفسد قلبي عليكم. وقال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديبًا وبتقلب الأيام عظة.
وقالوا: التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل. وقد قال هرم بن قطبة وهو أحد حكماء العرب، حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة: عليكم بالحديث السن الحديد النظر. وقال كثير من حكماء العرب: عليكم بمشاورة الشباب فإنهم ينتجون رأيًا لم يضره طول القدم، ولا استولت عليه رطوبة الهرم، والمذهب الأول أصدق على العقول. وقال عبد العزيز بن زرارة لمعاوية: عليك بمجالسة الألباء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن العقل يقع على العقل. قال ابن عباس: مجالسة العقلاء تزيد في الشرف. وقال سفيان بن عيينة: إن الرجل ممن كان قبلكم ليلقى الرجل العاقل فيكون بعقله عاقلًا أيامًا. وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه. مر سليمان بن داود ﵉ بقصر بأرض مصر فوجد فيه مكتوبًا:
[ ٧٢ ]
غدونا من قرى اصطخر
إلى قصر قفلناه
فمن يسأل عن القصر
فمبنيًا وجدناه
يقاس المرء بالمرء
إذا ما هو ماشاه
وللشيء على الشيء
علامات وأشباه
وللمرء على المرء
دليل حين يلقاه
فلا تصحب أخا الجهل
وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى
حكيمًا حين واخاه
قال: ووجد عليه نسرًا واقعًا فدعاه، فقال له: من بنى هذا القصر؟ فقال: لا أدري. فقال: كم لك منذ وقعت عليه؟ قال: تسعمائة سنة. وفي الأمثال: يظن بالمرء ما ظن بخليله. ولما حج عبد الله بن جعفر نزل بمكة ليلًا، فلما أصبح قال: يا أهل مكة عرفنا خياركم من شراركم في ليلة واحدة. قالوا: كيف ذلك؟ قال: نزلنا ومعنا أخيار وأشرار، فنزل أخيارنا على أخياركم وأشرارنا على أشراركم فعرفناكم. واعلم أنه ليس الدخان على النار بأدل من الصاحب على الصاحب. وقال الأوزاعي: الصاحب كالرقعة في الثوب، إن لم تكن من مثله شانته. وقال مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: يا أبا بحر ما أشتاق إلى غائب إذا حضرت، ولا أنتفع بحاضر إذا غبت؛ فأخذه إبراهيم الكاتب فنظمه فقال:
وأنت الهوى من بينهم
وأنت الحبيب وأنت المطاع
وما بك إن بعدوا وحدة
وما معهم إن بعدت اجتماع
وقال عبد الله بن طاهر: المال غاد ورائح والسلطان ظل زائل، والإخوان كنوز وافرة. وقال الأصمعي: تناظر رجلان وأعرابي حاضر فقال لأحدهما: مناظرة مثلك في الدين فرض والاستماع منك أدب، ومجالستك زين ومعرفتك عز، ومذاكرتك تلقيح للعقول وشحذ وإخاؤك شرف وفخر. وقال السمناني: غنى مخارق بين يدي المأمون:
وإني لمشتاق إلى ظل صاحب
يروق ويصفو إن كدرت عليه
عذيري من الإنسان لا إن جفوته
صفا لي ولا إن صرت طوع يديه
فطرب المأمون وقال: ويحك يا مخارق خذ مني نصف الخلافة وأعطني هذا الإنسان! وقالت الحكماء: النظر في عواقب الأمور تلقيح للعقول. وقالوا: العاقل لا تنقطع صداقته والأحمق لا تدوم مودته، فاتخذ من نصحاء أصحابك مرآة لطبائعك وفعائلك كما تتخذ لوجهك المرآة المجلية، فإنك إلى إصلاح طبائعك أحوج منك إلى تحسين صورتك. وقال المأمون للحسن بن سهل: نظرت في اللذات فوجدتها كلها مملولة خلا سبعة. قال: وما السبع يا أمير المؤمنين؟ قال: خبز الحنطة ولحم الغنم والماء البارد والثوب الناعم، والرائحة الطيبة والفراش الوطيء والنظر إلى الحسن من كل شيء. قال: فأين أنت يا أمير المؤمنين من محادثة الرجال؟ قال: صدقت وهي أولاهن. وقال هشام بن عبد الملك: قد قضيت الوطر من كل شيء فأكلت الحلو والحامض حتى لا أجد منهما طعمًا، وشممت الطيب حتى لا أجد له رائحة، وأتيت النساء حتى ما أبالي امرأة أتيت أم حائطًا، فما وجدت شيئًا ألذ من جليس سقطت بيني وبينه مؤونة التحفظ.
وقال عبد الملك بن مروان: قد قضيت الوطر من كل شيء إلا من مجالسة الأصحاب، ومحادثة الإخوان في الليالي الزهر على
[ ٧٣ ]
التلال العفر. وقال عبد الملك: من قرب السفلة وأدناهم وباعد ذوي العقل وأقصاهم استحق الخذلان، ومن منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده. ومن الكلام الشريف قول الحكماء: ما أحوج ذا القدرة إلى دين يحجزه وحياء يكفه وعقل يعدله، وإلى تجربة طويلة وعبر محفوظة، وإلى أعراق تسري إليه وأخلاق تسهل الأمور عليه، وإلى جليس رفيق ورائد شفيق، وإلى عين تنظر العواقب وعقل يخاف الغير. ومن لم يعرف لؤم ظفر الأيام لم يحترس من سطوات الدهر، ومن لم يتحفظ من فلتان الزلل لم يتعاظمه ذنب وإن عظم ولا ثناء وإن سمج، وإذا رأيت من جليسك أمرأ تكرهه أو خلة لا تحبها، أو صدرت منه كلمة عوراء أو هفوة غبراء، فلا تقطع حبله ولا تصرم وده، ولكن داو كلمه واستر عورته فأبقه وابرأ من عمله. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء: ٢١٦)، فلم يأمره بقطعهم وإنما أمره بالبراءة من عملهم السوء. قال الشاعر:
إذا راب مني مفصل فقطعته
بقيت وما بي للنهوض مفاصل
ولكن أداويه فإن صح سرني
وإن هو أعيى كان فيه تحامل
وجاء رجل إلى بعض الحكماء فشكى إليه صديقه، وعزم على قطعه والانتقام منه، فقال له الحكيم: أتفهم ما أقول لك فأكلمك، أم بك من ثورة الغضب ما يشغلك عنه؟ فقال: إني لما تقول واعٍ. فقال: أسرورك بمودته كان أطول أم غمك بذنبه؟ فقال: بل سروري. قال: أفحسناته عندك أكثر أم سيئاته؟ قال: بل حسناته. قال: فاصفح يصالح أيامك عن ذنبه وهب لسرورك جرمه، واطرح مؤونة الغضب والانتقام منه، ولعلك لا تنال ما أملت فتطول مصاحبة الغضب وأنت صائر إلى ما تحب.