اعلموا أرشدكم الله أن أول من اتخذ الدواوين وأجرى الأعطية على ما روي عمر بن الخطاب، فكان يفضل أهل السابقة ثم الذين يلونهم حتى أجرى على العامة شيئًا واحدًا ثلاثمائة وأربعمائة، وفرض للعيال مائة درهم في كل سنة. وكان أبو بكر يسوي بين الناس في العطاء ولا يفضل أهل السابقة ويقول: إنما عملوا لله فأجورهم على الله، وإنما هذا المال عرض حاضر يأكله البر والفاجر، وليس ثمنًا لأعمالهم. وكان عمر يقول: لا أجعل من قاتل رسول الله ﷺ كمن قاتل معه. ولم يقدر عمر الأرزاق إلا في ولاية عمار، فأجرى على عمار ستمائة درهم مع عطائه لولاته وكتابه ومؤذنه ومن كان يلي معه في كل شهر لما بعثه، وبعث معه عثمان بن حنيف وابن مسعود إلى العراق. وأجرى عليه في كل يوم نصف شاة ورأسها وجلدها وأكارعها ونصف جريب كل يوم. وأجرى على عثمان بن حنيف ربع شاة وخمسة دراهم كل يوم، مع عطائه وكان عطاؤه خمسة آلاف درهم. وأجرى على عبد الله بن مسعود مائة درهم في كل شهر وربع شاة في كل يوم وأجرى على شريح القاضي مائة درهم في كل شهر وعشرة أجربة.
وإنما فضل عمارًا عليهم لأنه كان على الصلاة. قال مالك: وكان عمر لايفرض لصغير ورضيع وإذا فطم فرض له، فمر من الليل وصي يبكي يبغي الرضاع وأمه لا ترضعه، فقال لها عمر: أرضعيه! قالت: إذًا لا يفرض له عمر. قال: بلى هو يفرض له! ثم فرض عمر بعد ذلك للمولود مائة درهم في كل سنة؛ قال ابن حبيب: وفرض عمر للعيال كل عيل من ذكر وأنثى جريبين من بر في كل شهر، وقسطين من زيت وقسطًا من خل ومائة درهم في كل
[ ١٣٣ ]
سنة. قال: والجريب قفيز بالقرطبي، والقسط قدر ثمن ربع الزيت بالقرطبي. قال الحسن: وكان عطاء سليمان خمسة آلاف، وكان على زهاء ثلاثين ألفًا من الناس، وكان يخطب الناس في عباءة يلبس نصفها ويفرش نصفها، وإذا خرج عطاؤه أمضاه وكان يسف الخوص ويأكل من عمل يديه.
وقال الحسن: قدم على عمر بن الخطاب وفد من أهل البصرة مع أبي موسى الأشعري، قال: فكنا ندخل عليه وله في كل يوم خبز يلث، فربما وافقناها مأدومة بسمن وأحيانًا بزيت وأحيانًا باللبن، وربما وافقنا القديد اليابس قد دق ثم أغلي عليه بماء، وربما وافقنا اللحم العريض وهو قليل. فقال لهم يومًا: إني والله أرى تقذيركم وكراهيتكم لطعامي، وإني لو شئت لكنت أطيبكم طعامًا وأرفهكم عيشًا، وأما والله ما أجهل كراكر وأسمنة وصنابًا وصلائق، قال: والصلاء الشواء والصناب الخردل والصلائق الخبز الرقائق، ولكني سمعت الله عير قومًا بأمر فعلوه فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (الاحقاف: ٢٠) .
فكلمنا أبو موسى فقال: لو كلمتم أمير المؤمنين لفرض لكم من بيت المال طعامًا تأكلونه. فكلمناه فقال: يا معشر الأمراء، هل ترضون لأنفسكم ما أرضاه لنفسي؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين، إن المدينة أرض العيش بها شديد، ولا نرى طعامك يغنينا ولا يؤكل طعامك، وأنا بأرض ذات ريف وإن أميرنا يغنينا وإن طعامه يؤكل! قال: فنظر ساعة ثم رفع رأسه فقال: قد فرضت لكم من بيت المال شاتين وجريبين. فإذا كان بالغداة فضع إحدى الشاتين على أحد الجريبين، فكل أنت وأصحابك ثم ادع بشراب واسق الذي عن يمينك ثم اسق الذي عن شمالك ثم قم لحاجتك، فإذا كان العشاء فضع الشاة الغابرة على الجريب الآخر فكل أنت وأصحابك، ألا وأشبعوا الناس في بيوتهم وأطعموا عيالهم، والله ما أرى رستاقًا يؤخذ منه كل يوم شاتان وجريبان إلا يسرعان في خرابه! وكان عمر قد أطعم جريبين بالخل والزيت لثلاثين رجلًا فكفاهم، فأجراه على كل رجل في كل شهر ممن كان في الدواوين، مكان ما كانت فارس تجريه على خيولهم وأساورتهم. وقال سعيد بن المسيب وأبو سلمة: كان عمر بن الخطاب أبا العيال يسلم على أبوابهن ويقول: ألكن حاجة وأيتكن تريد أن تشتري شيئًا؟ فيرسلن معه بحوائجهن، ومن ليس عندها شيء اشترى لها من عنده. وإذا قدم الرسول من بعض الثغور يتبعهن بنفسه في منازلهن بكتب أزواجهن ويقول: أزواجكن في سبيل الله وأنتن في بلدة رسول الله، إن كان عندكن من يقرأ وإلا فاقربن من الأبواب حتى أقرأ لكن. ثم يقول: الرسول يخرج يوم كذا وكذا فاكتبن حتى نبعث بكتبكن. ثم يدور عليهن بالقراطيس والدواة ويقول: هذه دواة وقرطاس فادنين من الأبواب حتى أكتب لكن. ويمر بالمغيبات فيأخذ كتبهن فيبعث بها إلى أزواجهن.
وقال الربيع بن زياد الحارثي: كنت عاملًا لأبي موسى الأشعري على البحرين، فكتب إليه عمر بن الخطاب يأمره بالقدوم عليه هو وعماله، وأن يستخلفوا جميعًا. فلما قدمت المدينة أتيت برقا فقلت: يا برقا مسترشد وابن سبيل! أي الهيئات أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عماله؟ فأومأ إلى الخشونة، فعمدت إلى خفين مطارفين ولبست جبة صوف ولبست عمامتي على رأسي، فدخلنا على عمر بن الخطاب فصففنا بين يديه فصعد فينا وصوب فلم تأخذ عينه غيري، فدعاني فقال: من أنت؟ قلت: الربيع بن زياد الحارثي. قال: وما تتولى من أعمالنا؟ قلت: البحرين. قال: وما ترتزق؟ قلت: ألفًا. قال: كثير فما
[ ١٣٤ ]
تصنع بها؟ قلت: أتقوت منها بشيء وأعود على أقارب لي، فما فضل عنهم فعلى فقراء المسلمين. قال: فلا بأس عليك ارجع إلى موضعك. فرجعت إلى موضعي من الصف فصعد فينا وصوب فلم تقع عينه إلا علي فدعاني فقال لي: كم سنك؟ قلت: خمسة وأربعون سنة. قال: الآن استحكمت.
ثم دعا بالطعام وأصحابي حديثو عهد بلين العيش وقد تجوعنا له، فأتى بخبز وأعضاء بعير فجعل أصحابي يعافون ذلك، فجعلت آكل وجعلت أنظر إليه يلحظني من بينهم، ثم سبقت مني كلمة تمنيت أني سحت في الأرض ولم أقلها فقلت: يا أمير المؤمنين إن الناس محتاجون إلى سلامك، فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا فزجرني وقال: كيف قلت؟ فقلت: أقول يا أمير المؤمنين لو تنظر إلى قوتك من الطحين أن يخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم ويطبخ لك اللحم كذا، فيؤتى بالخبز لينًا وباللحم غريضًا. فسكن غيظه ثم قال: ههنا زغت. قلت: نعم. قال: يا ربيع إنا لو شئنا لملأنا هذه الرحاب من صلائق وسنابك، يعني الخبز الحواري ولكني رأيت الله تعالى عاب على قوم شهواتهم فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (الاحقاف: ٢٠) ثم أمر أبا موسى بإقراري على عملي وأن يستبدل بأصحابي.
وقال قبيصة بن ذؤيب: دعا عمر بن الخطاب ﵁ عمير بن سعد، وكان على أهل حمص، فقال: علام يحبك أهل الشام؟ فقال: إني أحبهم فأحبوني. قال: مالك اليوم؟ قلت: عبدي وفرسي وبغلي وخادمي! قال: فما تلبس في الشتاء؟ قال: عصابة أشد بها رأسي وجبة وكساء. قال: فما تلبس في الصيف؟ قال: قميصًا وريطة. قال: فأعطاني عمر ألف دينار وقال خذها وأنفق منها وأعط منها. قلت: لا أرب لي فيها وستجد من هو أحوج إليها مني! قال: خذها فإن النبي ﷺ دفع إلي مالًا وهو دون ما أعطيتك، فقلت له كما قلت لي فقال: يا عمر ما آتاك الله من هذا المال عطاء من غير أن تعرض له أو تشرف له نفسك فاقبله فأخذه فانطلق به إلى امرأته فقال: أترين رجلًا له هذا من فقراء المهاجرين هو أم من الأغنياء؟ فقالت: بل من الأغنياء. فقسمها حتى بقيت منها صرت أظن فيها ثلاثين أو نحو ذلك فقالت له امرأته: أليس لي أنا حق؟ فأعطاها إياها.
قال رجاء بن حيوة: رأيت امرأة تسأل عن دار عمر بن عبد العزيز ﵁، فأرشدناها إلى الدار فرأت دارًا متهشمة فقالت لخياط هناك: استأذن لي على فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز. فقال: ادخلي وصوتي لها فإنها تأذن لك. فدخلت فلما أبصرت ما هنالك قالت: جئت أرم فقري من بيت الفقراء وإذا رجل يعمل في الطين وهناك امرأة فسألتها عن أمير المؤمنين فقالت: هو ذاك يعمل في الطين. فقالت له: يا أمير المؤمنين، مات زوجي وترك لي ثماني بنات! فبكى عمر بكاء شديدًا ثم قال لها: ما تريدين؟ قالت: تفرض لهن. فقال: نفرض للكبرى ما اسمها؟ قالت: فلانة. فكتبها فقالت: الحمد لله. قال: وما اسم الثانية؟ قالت: فلانة. فكتبها فقالت: الحمد لله حتى متب السابعة، فقالت: جزاك الله خيرًا يا أمير المؤمنين! فطرح القلم من يده وقال لها: لو أنك وليت الحمد أهله لأتممناهن لك مري السبع فليواسين الثامنة.