وقال حكيم: ما كتمته عن عدوك فلا تطلعن عليه صديقك، فإن لم يكن لك يد من إذاعته لقرينة تقتضيه من صديق مساهم أو استشارة ناصح مسلم، فمن صفات أمين الأسرار أن يكون ذا عقل ودين ونصح مروءة، فإن هذه الأمور تمنع من الإذاعة وتوجب حفظ الأمانة، ومن كملت فيه فهو عنقاء مغرب، ولا تودع سرك عند من يستدعيه فإن طالب الوديعة خائن. قال صالح بن عبد القدوس: لا تودع سرك لطالبه منك فالطالب للسر مذيع. وفي الجملة: إذا زال سرك عن عذبة لسانك فالإذاعة مستولية عليه إذا أودعته قلب ناصح محب، فاحتمال مرارة الكتمان على قلبك أسهل عليك من التململ بتمليك سرك لغيرك.
واعلم أن إشاء سر غيرك أقبح من إظهار سر نفسك لأنه يبوح بإحدى وصمتين: إما الخيانة إن كان مؤتمنًا أو النميمة إن كان مستخبرًا. وقال بعض الحكماء لابنه يا بني كن جوادًا بالمال في مواضع الحق، ضنينا بالأسرار عن جميع الخلق، فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر والبخل بمكتوم السر. وكان يقال: صدور الأحرار قبور الأسرار. وقال الشاعر:
ألم تر أن وشاة الرجا
ل لا يتركون أديمًا صحيحا
فلا تفش سرك إلا إليك
فإن لكل نصيح نصيحا
وقال غيره:
ما كل مكتوم يباح به
احذر لسانك من جوالبه
فمرارة الكتمان أعذب من
بث تحاذر من عواقبه
ليس الهوى ما كنت تعرفه
أيام تلعب في جوانبه
هذا هوى لو فضحت به
ضحك الحسام إلى مضاربه
الباب الرابع والثلاثون: في بيان الخصلة التي يصلح عليها الأمير والمأمور وهي رهين من سائر الخصال وزعيم بالمزيد من الآلاء والنعماء من ذي الجلال والإكرام وهي الشكر
قال الله تعالى حكاية سليمان بن داود ﵉، وقد آتاه الله تعالى ملك الدنيا والجن والإنس والطير والوحش و﴿الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (صّ: ٣٦)
فلما استمكن ملكه قال ﷺ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (النمل: ٤٠) فما عدها نعمة كما عدها ملوك الأرض، ولا حسبها كرامة من الله تعالى عليه كما ظنها ملوك الأرض، بل خاف أن تكون استدراجًا من حيث لا يعلم كما قال الله تعالى في أمة أراد هلاكهم ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ*وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (الأعراف١٨٣: ١٨٢)
جاء في التفسير: أصب عليهم النعم وأنسيهم الاستغفار، وإنما الفرح بما أوتي من الدنيا والغبطة بزهوتها والاغترار بزبرجها من شعار الكفار، ألا ترى إلى قول قارون اللعين: إنما أوتيته على علم عندي فكان جزاؤه ما قال الله تعالى ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (القصص: ٨١) ولما خاف سليمان ﵇ أن يكون استدراجًا كان جوابه ما قال الله تعالى ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (صّ: ٣٩)
واعلم أرشدك الله أن الشكر ليس هو حافظ النعم فقط، بل هو مع حفظه لها زعيم بزيادة النعم وأمان من حلول النقم. والشكر على ثلاث مراتب: شكر بالقلب وشكر باللسان وشكر بالجوارح. فأما الشكر الواجب على جميع الخلق فشكر القلب، وهو أن تعلم أن النعمة من الله تعالى وحده، وأن لا نعمة على الخلق من أهل السموات والأرض إلا بداءتها من الله تعالى، حتى يكون الشكر لله تعالى عن نفسك وعن غيرك، بمعرفة إنعام الله تعالى عليك وعلى غيرك. وهذا النوع هو الذي يقال فيه: يجب على العبد أن يشكر الله تعالى على نعم أسديت إلى غيره.
[ ١٠٥ ]
والدليل على أن الشكر محله القلب وهو المعرفة قوله تعالى ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (النحل: ٥٣)
أي أيقنوا أنها من الله تعالى. وإلى هذه الكلمة انتهى جميع ما قاله الخلق في الشكر، والدليل عليه أيضًا قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: ١٢٣)
أي فاتقوني فإنه شكر لنعمتي وخلق الله الحياة نعمة على العبد فقال تعالى ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ٥٦)
والعبارة عنه أن يقال الشكر اعتراف القلب بإنعام الله تعالى على وجه الخضوع.
ويقال فيه: الشكر اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة.
وقال أبو عثمان: الشكر معرفة العجز عن الشكر. وروي أن داود ﵇ قال: إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك؟ فأوحى الله تعالى إليه: الآن قد شكرتني. وقال وهب بن منبه: قال داود ﵇: إلهي ابن آدم ليس فيه شعرة إلا تحتها منك نعمة وفوقها منك نعمة فمن أين يكافئها؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود إنني أعطي الكثير وأرضى باليسير، وإن شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمني وفي هذا يقال: الشكر على الشكر أتم الشكر؛ وذلك بأن ترى شكرك بتوفيقه ويكون ذلك التوفيق من أجل النعمة فتشكره على الشكر، ثم تشكره على شكر الشكر إلى ما لا يتناهى، وهذا الشكر أيضًا واجب. ونظم محمود الوراق كلاما في المعنى فقال:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة
علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله
وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا مس بالسراء عم سرورها
وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
فما منهما إلا له فيه نعمة
تضيق بها الأوهام والسر والجهر
ومن أقر بنعمة الله وإحسانه فقد أقر بقدر ما كلف، لأن أحدًا لا يمكنه أن يوازي شكر نعمة الله تعالى. وفي مناجاة موسى ﵇: إلهي خلقت آدم بيدك وفعلت وفعلت فكيف يشكرك؟ قال: أن يعلم أن ذلك مني، فكأن معرفته بذلك شكره لي.
فصل:
وأما شكر اللسان فقال تعالى فيه ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: ١١)
قيل: يعني النبوة. وقيل: يعني القرآن، وحكم الآية عام في جميع النعم روى النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى، والتحدث بالنعم شكر. وقال الله تعالى حكاية عن أهل الجنة أنهم قالوا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (الزمر: ٧٤) وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: تذاكروا النعم فإن ذكرها شكر. وكتب عدي بن أرطاه إلى عمر بن عبد العزيز، لما حفر نهر البصرة الذي يقال له نهر عمراني: حفرت لأهل البصرة نهرا عذب لهم مشربه وجادت عليه أموالهم ولم أر لهم على ذلك شكر، فإن أذنت لي قسمت عليهم ما أنفقت عليه. فكتب إليه عمر بن عبد العزيز إني لا أحسب أهل البصرة خلوا من رجل قال الحمد لله حيث حفرت هذا النهر وأن الله قد رضيها شكرًا من جنته، فارض بها شكرا من نهرك والسلام.
وحقيقة الشكر في هذا القسم الثناء على المحسن بذكر إحسانه. وعلى هذا القول يوصف الرب تعالى بأنه شكور حقيقة، فشكر العبد لله تعالى ثناؤه عليه بذكر إحسانه، وشكر الله للعبد ثناؤه عليه بإحسانه، وإحسان الرب للعبد إنعامه عليه. وهذه اللفظة مأخوذة من قولهم دابة شكور إذا ظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف. ويقال: وجه شكور إذا كان ممتلئ المحاسن ظاهرها. وفي الحديث: يقول الله تعالى: أنا والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد
[ ١٠٦ ]
غيري وأرزق ويشكر غيري. وقال بعضهم: إنما أوتي الناس لأنهم في موضع صبرهم يحسبون أنهم في موضع شكر.
فصل:
وأما الشكر الذي على الجوارح فقال الله تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: ١٣) فجعل العمل شكرًا. وقال عطاء: دخلت على عائشة ﵂ مع عبيد بن عمير فقال لها عبيد: يا أم المؤمنين حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ. فبكت وقالت: وأي شيء لم يكن عجبا؟ إنه أتاني في ليلة فدخل معي فراشي حتى مس جلده جلدي ثم قال: يا ابنة أبي بكر ذريني أتعبد لربي، فقلت: إني أحب قربك. فأذنت له فقام إلى قربة ماء فتوضأ وأكثر صب الماء، ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فأذنه بالصلاة فقلت له: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورا فلملا أفعل وقد نزل علي: إن في خلق السموات والأرض.
فجعل النبي ﷺ الشكر بالعمل وبين فيه مراد الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (الفرقان: ٦٢)
أي كل واحد منهما يخلف الآخر، فمن فاته العمل في أحدهما عمله في الآخر فجعل الأوراد والأعمال بالجوارح شكرا. وروي أن النبي ﷺ قام حتى انتفخت قدماه فقيل له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورا؟ وقال أبو هارون: دخلت على أبي حازم فقلت له: رحمك الله ما شكر العينين؟ قال: إذا رأيت بهما خيرًا أذعته، وإذا رأيت بهما شرًا سترته. قلت له: ما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا حفظته، وإذا سمعت بهما شرا نسيته. قلت: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لك ولا تمنع حق الله فيهما. قلت: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله صبرا وأعلاه علما. قلت: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون٦: ٥)
فإن أنت فعلت فأنت الشاكر حقا. وفي حكمة إدريس ﵇: لن يستطيع أحد أن يشكر الله تعالى على نعمة بمثل الإنعام على خلقه، ليكون صانعا إلى الخلق مثل ما صنع به الخالق تعالى.
وإذا ثبت أن فعل الطاعات شكر فإن فيهما ما هو أشد ملازمة من غيره. فالطاعة في مواساة الفقراء أشكل بالشكر على الغنى من غيرها لأنها من جنس النعمة، فإذا أردت أن تحرس دوام نعم الله تعالى عليك فأدم مواساة الفقراء. والطاعة في رفع ذوي الضعة والخمول والمسكنة بغير معصية أشبه بالشكر على رفع قدرك والتنويه باسمك. والطاعة في تمريض الفقراء وتلطيف أغذيتهم أشبه بالشكر على العافية من سائر الطاعات. والطاعة في الشفاعات عند السلطان وقضاء حوائج الغربان والإخوان أشبه بذوي الحاجة من سائر الطاعات. وعلى هذا المثال ينبغي أن تقابل سائر نعم الله تعالى على العبد. ومن العبارات الجامعة للشكر أن يقال معرفة بالجنان وذكر باللسان وعمل بالجوارح.
فصل: في الكلام على الزيادة
قال الله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (ابراهيم: ٧) قال قوم: إنما خاطب الله تعالى بهذا وبقوله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) قوما دون قوم. والدليل عليه أنا نرى من يشكر على الغنى ثم يبتلى بالفقر، ومن يشكر على العافية ثم يبتلي بالمرض، والله تعالى لا يخلف
[ ١٠٧ ]
وعده. وقال قوم: معناه لأزيدنكم نعم الآخرة. فإن قيل: إنما تكون الزيادة من جنس المزيد عليه. فأجابوا: بأن النعم الدنيوية والأخروية وإن تفاضلت واختلفت كلها متجانسة من حيث أنها نعمة. وقال قوم: معناه لأزيدنكم خيرًا، والخير والصلاح قد يكون في كثير من الأوقات بالمنع والسقم ونحوهما، فإن من سأل الله تعالى أن يعطيه مالًا أو يصح جسمه، وهو يعلم أنه إن وهبه المال أنفقه في المعاصي، أو وهبه الصحة وصرف صحته إلى المشي في الآثام، فالمنع ههنا موهبة من الله جزيلة. ومن ههنا قالت العلماء: منع الله تعالى عطاء.
وقال قوم: يمكن تقدير الاستثناء فيها لئن شكرتم لأزيدنكم إلا أن تعصوا فأعاقبكم بالحرمان فأجعل ذلك كفارة لكم، وهو أصلح من أن أعاقبكم في الآخرة، والناس لا يسلمون من الذنوب، ولو تهيأ أن يسلموا من الذنوب لدرت الزيادات. قال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (المائدة: ٦٦) وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (نوح: ١٠-١٢) وقال قوم: الآية خاصة لا محالة إذ لو كانت على عمومها لوجب أن لا يموت من يشكر الله تعالى على الحياة.
قال الشيخ: قلت إن الله تعالى وعد الزيادة وقوله الحق، وقد جعل العبادة علامة يعرف بها الشاكر، فمن لم يظهر عليه المزيد علمنا أنه لم يشكر، فإذا رأينا الغنى يشكر الله تعالى بلسانه وماله في نقصان، علمنا أنه لم يشكر بل قد أخل بالشكر الذي أخذ عليه، إما لا يزكيه أو يزكي لغير أهله أو يؤخره عن وقته أو يمنع حقًا واجبًا عليه فيه، من كسوة عريان أو طعام جائع وشبهه، فيدخل في قول النبي ﷺ: لو صدق السائل ما أفلح من رده. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١) . إذا غيروا ما بهم من الطاعات غير الله تعالى ما منه من الإحسان، وإذا كان قوم في العافية فإن الله تعالى لا يغير ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم يترك أدب أو إخلال بحق أو إلمام بذنب، كما قال بعضهم: أدنى الشكر أن لا يعصي الله تعالى بنعمه، وإن جوارحك كلها من نعم الله تعالى عليك فلا تعصه بها.
ويحتمل أن يكون معنى الآية لئن شكرتم لأزيدنكم إن شئت ألا ترى أنه قال: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها، وكثير من الخلق يريدون حرث الدنيا ولا يؤتونه، فيكون التقدير نؤته منها لمن نشاء، بدليل قوله في الآية الأخرى: عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد وهكذا قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) ثم إن كثيرًا من الناس يدعون فلا يستجاب لهم ولكن معنى الآية أستجب لكم إن شئت ولمن شئت، بدليل قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (الأنعام: ٤١) . وهذا من باب حمل المطلق على المفيد. قال الجنيد: كنت بين يدي السري وأنا ابن تسع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي: يا غلام ما الشكر؟ فقلت له: أن لا يعصى الله ﷿ بنعمه. قال: يوشك أن يكون حظك من الله لسانك. فلا أزال أبكي على هذه الكلمة. فإن قيل: ما معنى قوله ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (النحل: ١٨) . وما يحصل من الأفعال في الوجود يمكن احصاؤه؟ قلنا نعم الله على وجهين دفع ومنع، فالمنع يمكن إحصاؤه ودفع البلايا نعم لا يمكن إحصاؤها، وما يدفع الله عنهم مما في مقدوره من ذلك وما يدفع الله تعالى عن العبد لا يحصى.
فصل:
ثم عدنا إلى أقوال العلماء والحكماء في الشكر فقال بعض الحكماء: موضع الشكر من النعمة موضع القرى من الضيف، إن وجده لم يذم وإن عدمه لم يقم. وأجمعت حكماء العرب والعجم على هذه اللفظة فقالوا: الشكر قيد النعم. وقالوا: الشكر قيد الموجود وصيد المفقود. وقالوا: مصيبة وجب أجرها خير من نعمة لا يؤدى شكرها. وقال بعض الحكماء: من أعطى
[ ١٠٨ ]
أربعة لم يمنع أربعة: من أعطى الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطى الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب. وكان يقال: إذا رعيت النعم بالشكر فهي أطواق، وإذا رعيت بالكفر فهي أغلال. قال حبيب:
نعم إذا رعيت بشكر لم تزل
نعمًا فإن لم ترع فهي مصائب
وبعث الحجاج إلى الحسن بعشرين ألف درهم فقال: الحمد لله الذي ذكرني. قال علي بن أبي طالب: لا تكن ممن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي تنهى ولا تنتهي، وتأمر الناس بما لم تأت، تحب الصالحين ولا تعمل بما عملوا وتبغض المسيئين وأنت منهم، تكره الموت لكثرة ذنوبك ولا تدعها طول حياتك. وقال المغيرة بن سعيد: اشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك. فإنه لا بقاء لنعمة إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت، وإن الشكر زيادة من النعم وأمان من النقم. وكان الحسن يقول: ابن آدم متى تنفك عن شكر النعم وأنت مرتهن بها؟ كلما شكرت نعمة تجدد لك بالشكر أعظم منها عليك، فأنت ما تنفك بالشكر عن نعمة إلا إلى ما هو أعظم منها.
وقال سفيان: لما جاء البشير إلى يعقوب ﵇ قال: على أي دين تركته؟ قال: على السلام. قال: الحمد لله الآن تمت النعمة. وروى أن عثمان بن عفان ﵁: دعا إلى قوم ليأخذهم على ريبة فافترقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق عثمان رقبة شكر الله تعالى إذا لم يجر على يديه فضيحة رجل مسلم. ويروى أن الحسن بن علي التزم الركن وقال: إلهي نعمتني فلم تجدني شاكرًا وأبليتني فلم تجدني صابرًا، فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر ولا أنت أدمت الشدة بترك الصبر! إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم ولا من الجافي إلا الجفا! وقال عون بن عبد الله: الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية والصبر عند المصيبة.
وروي أن نملة قالت لسليمان بن داود: يا نبي الله أنا على قدري أشكر لله منك، وكان راكبًا على فرس ذلول فخر عنه ساجدًا ثم قال: لولا أني أبجلك لسألتك أن تنزع عني ما أعطيتني. وقال صدقة بن يسار: بينما داود ﵇ في محرابه إذ مرت به دودة فتفكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله تعالى بهذه؟ فأنطقها الله تعالى وقالت: يا داود تعجبك نفسك، لأنا على قدر ما آتاني الله أذكر لله وأشكر له منك فيما آتاك. ولمحمود الوراق:
إلهي لك الحمد الذي أنت أهله
على نعم ما كنت قط لها أهلا!
متى ازددت تقصيرًا تزدني تفضلًا
كأني بالتقصير أستوجب الفضلا!
وكان لبعضهم صديق فحبسه السلطان، فأرسل إليه فقال له صاحبه: اشكر الله تعالى. فضرب الرجل فكتب إليه اشكر الله فجيء بمحبوس مجوسي مبطون، وقيد وجعل حلقة في رجله وحلقة في رجل المجوسي، وكان المجوسي يقوم بالليل مرات ويحتاج هذا إلى أن يقوم معه ويقف على رأسه حتى يفرغ، فكتب إلى صاحبه فقال: اشكر الله تعالى فقال: إلى متى تقول وأي بلاء فوق هذا؟ فقال له صاحبه: لو وضع الذي في وسطه في وسطك، كما وضع القيد الذي في رجله في رجلك ما كنت تصنع؟ ولبعضهم:
ومن الرزية أن شكري صامت
عما فعلت وأن برك ناطق
أأرى الصنيعة منك ثم أسرها
إني إذن ليد الكريم لسارق!
وقال رجل لسهل بن عبد الله: إن اللص دخل داري وأخذ متاعي. فقال: اشكر الله تعالى، لو دخل
[ ١٠٩ ]
اللص إلى قلبك وهو الشيطان وأخذ التوحيد منه فما كنت تصنع؟ ولما بشر إدريس ﵇ بالمغفرة سأل المغفرة فقيل له فيه فقال لأشكره فإني كنت أعمل قبل المغفرة، فبسط الملك جناحه فرفعه إلى السماء ويروى أن نبيًا من الأنبياء ﵈ مر بحجر صغير يخرج منه الماء فتعجب منه فأنطقه الله تعالى فقال: منذ سمعت الله تعالى يقول ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: ٦) وأنا أبكي من خوفه، فدعا النبي ﵇ أن يجيره الله من النار، فأوحى الله إليه إني أجرته من النار، فمر النبي ثم عاد فوجد الحجر يتفجر منه مثل ما كان، فعجب فأنطق الله تعالى الحجر فقال له: لم تبكي؟ فقال ذلك بكاء الحزن والخوف، وهذا بكاء الشكر والسرور! وروى أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: ارحم عبادي المبتلى والمعافى. فقال: إلهي ما بال المعافى؟ قال: لقلة شكره على عافيتي إياه. وأولى رجل أعرابيًا إيلاء حسنًا فقال: لا أبلاك الله بلاء يعجز عنه صبرك، ولا أنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك! وأنشدوا:
سأشكر لا إني أجازيك منعمًا
بشكري ولكن كي يرى ذلك الشكر
وأذكر أيامًا لدي اصطنعتها
وآخر ما يبقى على الشاكر الذكر
ولبعضهم:
أوليتني نعمًا أبوح بشكرها
وكفيتني كل الأمور بأسرها
فلأشكرنك ما حييت وإن أمت
فلتشكرنك أعظمي في قبرها!
ولبعض العرب في المعنى:
إلهي قد أحسنت عودا وبدأة
إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر
فمن كان ذا عذر لديك وحجة
فعذري إقراري بأن ليس لي عذر
وكان مطرف يقول: إلهي تكون منك النعمة وعليك تمامها، وأنت تعين على شكرها وعليك ثوابها. وهذا باب عظيم من النعم على العباد. قال الله تعالى في الثناء على بعض عباده: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (الاسراء: ٣) . وقال شاكرًا لأنعمه اجتباه وكذلك سائر ما أثنى الله على عباده ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (لقمان: ١٢) .
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ﴾ (الاسراء: ٧) . ليس للرب تعالى فيها قليل ولا كثير، فإنه أجل من أن ينال الحظوظ وأجل من أن يلحقه ثناء مثن أو شكر شاكر، فأخبر أن العلو والجلال له دونهم وأنه مقدس عن الناس بثناء مثن أو كفر كافر. قال تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ (ابراهيم: ١٠) فواعجبا أعطى ثم أثنى! وقال علي بن أبي طالب ﵁: كفر النعمة داعية للمقت، ومن جازاك بالشكر فقد أعطاك أكثر ما أخذ منك، وحقيق بمن أسديت إليه نعمة أو قضيت له حاجة أن يكافي، فإن لم يقدر فليشكر، فإن شكرها فقد أدى حقها. قال الشاعر:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجد
لرفعة مالٍ أو علو مكان
لما أمر الرحمن بالشكر خلقه
فقال: اشكروا لي أيها الثقلان
وقال بعضهم:
لئن عجزت عن شكر برك قوتي
وأقوى الورى عن شكر برك عاجز
فإن ثنائي واعتقادي وطاعتي
لأفلاك ما أوليتنيه مراكز
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وقفت علينا امرأة فقالت: يا قوم تغير علينا الدهر إذ قل منا الشكر
[ ١١٠ ]