روى أبو داود في السنن أن النبي ﷺ قال: من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا والسر فيه أنك إذا قدرت على قضاء حاجته من عند السلطان الظالم أو السيد القاهر، صار ذلك واجبًا عليك وروى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ استعمل رجلًا يقال له ابن اللتبية، فلما جاء قال: يا رسول الله هذا لكم وهذا لي. فغضب النبي ﷺ وقال: ما بال الرجل نستعمله على عمل من أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا أهدي لنا، أفلا قعد أحدكم في بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى له؟ قال مالك: وكان عمر بن الخطاب ﵁ يشاطر العمال فيأخذ نصف أموالهم. وشاطر أبا هريرة ﵁ وقال له: من أين لك هذا المال؟ فقال له أبو هريرة: دواب تناتجت وتجارات تداولت. فقال: إذن الشطر. وإنما شاطرهم حين ظهرت لهم أموال بعد الولاية لم تكن تعرف لهم. وروى مالك عن ابن عمر ﵄ أنه اشترى هو وأخوه عبيد الله إبلًا، فبعثا بها إلى الحما فرعت فقال عمر: رعيتما في الحما فشاطرهما وشاطر، سعد بن أبي وقاص حين قدم من الكوفة كأنه رأى أن ما أصاب العامل من غير رشوة فإن كان حلالًا فلا يستحق ذلك لأن لمن له الإمرة قوة على أن ينال من الحلال ما لا يناله غيره، فجعله كالمضارب للمسلمين.
ولما رفع أبو موسى الأشعري ﵁ مالًا من بيت المال لعبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب ﵁ بالبصرة،
[ ١٤٣ ]
فاشتريا به بضاعة فربحت بالمدينة، فأراد عمر أن يأخذ جميع الربح، وأخذ عمر ﵁ النصف لبيت المال. وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عماله: أما بعد فإنما هلك من كان قبلكم بمنعهم الحق حتى يشتري، وبسطهم الباطل حتى يفتدي الملك بالدين يقوى، والدين بالملك يبقى. وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا قدم عليه العمال يأمرهم أن يدخلوا نهارًا ولا يدخلوا ليلًا، كيلا يحجبوا شيئًا من الأموال.
وقال عتاب بن أسيد: والله ما أصبت في عملي الذي ولاني النبي ﷺ إلا ثوبين معدين كسوتهما مولاي كيسان. وروى أن علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه استعمل أبا مسعود الأنصاري على السواد، فما رجع إلا وقد امتلأت داره فقال: ما هؤلاء قالوا: كذلك يصنعون بالرجل إذا استعمل قال: كل هؤلاء يريدون أن يأكلوا في أمانتي، ويروى في إمارتي، ورجع إلى علي ﵁ وقال: لا حاجة لي في العمل. وقد ذكرنا أن النبي ﷺ دعا عبد الرحمن بن سمرة ليستعمله فقال: يا رسول الله اختر لي، فقال: اقعد في بيتك وفي الأمثال: إن الهدية نعمي وتصم. وقال بعض الحكماء: الرشوة رشاء الحاجة. وأنشد بعضهم:
إذا أتت الهدية دار قوم
تطايرت الأمانة من كواها
ولبعضهم:
إن الهدية حلوة
كالسحر يجتلب القلوبا
تدني البعيد من الهوى
حتى تصيره قريبا
وترد مضطغن العداوة
بعد جفوته حبيبا
ومما قلته في الرشوة:
وأكرم من يدق الباب شخص
ثقيل الحمل مشغول اليدين
ينوء إذا مشى نفسًا ونفخًا
وينطح بابه بالركبتين
وأكرم شافع يمشي إليها
أبو المنقوش فوق الصفحتين
ولبعضهم:
إذا كنت في حاجة مرسلًا
وأنت بإنجازها مغرم
فأرسل بأكمه جلابة
به صمم أغطش أبكم
ودع عنك كل رسول سوى
رسول يقال له الدراهم
وكتب عبد الملك إلى قاضيه الحارث بن عامر، وقد ارتشى بمكرمة:
إذا رشوة في باب قوم تقحمت
لتسكن فيه والأمانة فيه
سعت هربًا منه وولت كأنها
حليم تولى عن جواب سفيه