اعلم أيها المريد أن الله تعالى يمتحن أنبياءه وأصفياءه بأعدائه، ويضطر أولياءه وأحباءه إلى أعدائه، رفعة وتقريبًا لأنبيائه وتمحيصًا لهفوات أوليائه، وذخرًا لهم عنده وزلفى لديه تعظيمًا لأقدارهم، وتشريفًا لمنازلهم وترفيعًا لدرجاتهم. قال الله تعالى تعزية لنبيه محمد ﷺ لعظيم ما كان يلقي من سطوات أعدائه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ
[ ١٩٦ ]
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: ١١٢) . وقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الفرقان: ٣١) . يا محمد لا تستوحش منا ولا تتهمنا في سيرتنا فهذه سيرتنا فيمن نحبه ويحبنا.
فالبلاء على وجهين: أحدهما كفارة لذنب والآخر رفع درجات وتوفير أجر. ولذلك كان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل؛ فالبلاء بلآن: بلاء رحمة لتضعيف درجة وتمحيص سيئة وبلوغ فضيلة وعلو منزلة، وبلاء عقوبة لانتهاك حرمة واقتراف معصية. لن تخلو المكارة أن تكون لحادث رحمة أو بلاء رغبة عما أنعم الله به منهما، أو لسيئة عند إضاعة فلا غنى عن زاجر عنها، فلأجل ذلك كان حلولها عظمت به المنة، ووجبت لله به النعمة، وكان جعفر بن محمد ﵁ إذا وقع مني شيء يكرهه يقول: اللهم اجعله أدبًا ولا تجعله غضبًا.
وفي الحديث عن النبي ﷺ: لو كان المؤمن في رأس جبل لقيض الله له من يؤذيه يا من ضاق صدره وحرج قلبه وساء خلقه، من عدو أقلقه وحاسد حسده، طب نفسًا وقر عينًا وانعم عيشًا، بشهادة النبي ﷺ لك بالإيمان، ولعدوك بالنفاق. بخ بخ إن عقلتها! أما لك في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أسوة؟ أما لك في الصالحين قدوة؟ فلو لم نلق الله ﷿ من الحسنات إلا بما اقترفناه اختيارًا للقينا الله تعالى فقراء من الحسنات ثقالًا من السيئات. قال الشاعر:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
ويبتلي الله بعض الناس بالنعم
وقال بعض الحكماء: الذي رأينا مما نحب فيما نكره أكثر مما رأينا مما نكره فيما نحب. وقال علي بن أبي طالب ﵁: ما أهمني ذنب أمهلت بعده حتى أصلي ركعتين. السجون قبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء، وأسعد الناس من كان القضاء له مساعدًا وكان لمساعدته أهلًا. غلب على الكريم من بدر إليه. الشماتة لؤم. عوام الناس عدة لخواصهم. مجيء القدر يسبق الحذر. من سخر من شيء حاق به. من عير بشيء عير به. الخلق نهب المصائب. مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها. أقل ما في الحيلة الخروج من الاستكانة.
جاني العقوبة على نفسه أعظم جرمًا عليها من المعاقب له عليها. قرابة بغير منفعة بلية عظيمة. والنعمة منعة. كفاك أدبًا لنفسك ما كرهته من غيرك. الحمية ثوب الجهل. الأنفة قوام السفيه. قل آنف لم يعقب ذلا. العادة كمين لا يأمن ازدحام الكلام مضلة الصواب. عجلوا القرا قبل سوء الظن وإلحاق السيئة. أعجب ما في هذا الإنسان قلبه وله مؤاد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سخ له الرخاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه الأياس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد بالغيظ، وإن استعد بالرضاء نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمر أسلمته الغرة، وإن حدثت له نعمة أخذته العزة، وإن امتحن بمصيبة فضحه الجزع، وإن أفاد مالًا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة أشغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد.
أفضل القول بديهة آمنة وردت في مقام خوف. أشد الناس غمًا الذي يرى غيره في الموضع الذي هو به أولى. ما أخذ الله طاقة أحد إلا رفع عنه طاعته. من العجب أن لا ترضى عمن ابتغى رضاك، وأعجب من ذلك أن تسخط عليه. زئير الأسد يشبه صولته. علامة العلم العلم بالعراض عند المناوهة. لا تغاروا حتى تروا. لا تفخروا حتى تفعلوا. لا تأنفوا حتى تظلموا. أوجب الشفعاء براءة الساحة. من لزم الصحة والاستقامة لزمته الغبطة والسلامة. قصص الأولين مواعظ الآخرين. البحث
[ ١٩٧ ]
يوضح الحق كما يورى النار القدح. ليس من الحسد سرور ولا مع الحرص راحة ولا مع السخط غنى.
قال جعفر بن محمد الصادق ﵁: عجبت لمن بلى بخمس كيف يغفل عن خمس عجبت لمن ابتلى بالضر كيف يذهب عنه أن نقول ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الانبياء: ٨٣) . والله تعالى يقول ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ (الانبياء: ٨٤) وعجبت لمن بلي بالغم كيف يذهب عنه أن يقول ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الانبياء: ٨٧) والله تعالى يقول ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الانبياء: ٨٨) وعجبت لمن خاف شيئًا كيف يذهب عنه أن يقول ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: ١٧٣) والله تعالى يقول ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (آل عمران: ١٧٤) وعجبت لمن مكر به كيف يذهب عنه أن يقول ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (غافر: ٤٤) والله تعالى يقول ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ (غافر: ٤٥) وعجبت لمن أنعم الله عليه بنعمة خاف زوالها كيف يذهب عنه أن يقول ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (الكهف: ٣٩) والله تعالى يقول ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (الكهف: ٣٩) كذا سنة الله ﵎ فيمن صدق في التجائه إليه، ولم يتوكل في مهماته إلا عليه.
اليمين مأثمة أو مندمة. ألذ الموارد منجاة من متلفة أو قدوم غائب بعد أن جاءت باليأس منه الركائب. وشر المصادر ظفر على قنوط. وشر الطبيعة مخالفة المروءة. فاصبر لحق وجب عليك وإن خالف هواك. بهاء المجلس الشريف بالرجل الفاضل. اليقين راحة. وروح العمل النافذ بالرجل المدبر كأنها الياقوت واللؤلؤ في تيجان الملوك. ما أنور الهدى! ما أظلم العمى! ما أكرم التقوى! ما أخدع الهوى! ما أتعب المنى! ما أسرع البلاء! ما أجهل الصبا! الجود أن تهضم الروح حظ الجسد، والإسراف أن يهضم الجسد حظ الروح، والعدل أن يعطي كل واحد منهما حظه، والشح أن تكف حظوظهما عنهما. عدو يخاف الله تعالى فيما يكره، خير من صديق لا يخافه فيما يحب. من العجب أن نطلب في صحة كل علم ما يقنعنا، ونكل العلم إلى الله تعالى من غير بحث عن صحته.
لا يرعك الباطل مما ترمى به، ولكن احذر أن يصدع عليك بالحق فتشهد عليك عيناك ووجهك. من بطل رشاؤه بطل منحه. الراغب فقير بقدر رغبته. الحق يعطى ويمنع. تجاوز عن ذنوب الناس تحتج عليهم، واجتنب الذنوب تقل صحبتهم عليك. الفراغ الفاضل عن الحمية أحد العلتين. الفرق ينسي الحجة. جاف العلية في كلامك وسو بينهم وبين السفلة في أحكامك. موت عز خير من حياة ذل. الأكفاء من كل نمط يتباغون. ما ضاع امرؤ عرف قدر نفسه. الدعة الهينة تكون بعد انقضاء العمل. لن يفارق الخير صاحبه حتى يفارقه. خير الناس من تواضع عن رفعة وعفا عن قدرة.
الحاسد يظهر وده في كلامه وبغضه في أفعاله باسم الصديق ومعنى العدو. الرياء يفسد العلانية. والعجب يفسد عمل السريرة. إذا كثرت القدرة قلت الشهرة. من عرف قدره كفاك نفسه. كفى بالظفر شفيعًا بالمذنب إلى الحليم. لسان الجاهل دليل حتفه. لا ظفر مع بغي ولا صحة مع نهم، ولا ثناء مع كبر ولا صداقة مع خب، من لم يعرف قدره فاكفه نفسك. أحق ما رد ما خالف شهادة العقل. قطع الظهر وأفسد الدين رجلان: جاهل ناسك وعالم فاجر، هذا يدعو الناس إلى جهله بنكسه وهذا ينفر الناس عن عمله بفسقه. من قوي هواه ضعف حزمه. من ظهر غيظه قل كيده. كفى بالظلم طاردًا للنعمة وداعيًا للنقمة. من قبل صلتك فقد باعك مروءته.
الهدية تفقأ عين الحكيم. صفو الرأي خير من استكدار الفكر. ما استنبط الصواب بمثل المشورة ولا حصنت النعمة بمثل المواساة. من لم يؤمن بالقدر فقد كفر، ومن حمد الله تعالى فقد فخر. ما اكتسبت البغضاء بمثل الكبر. من استغنى بالله ﷿ افتقر الناس إليه. التقصير يخلخلك
[ ١٩٨ ]
عن الصواب، والإفراط يقحمك في الخطأ. ثلاث خصال ما اجتمعن إلا في كريم: حسن المحضر واحتمال الزلة وقلة الملالة. كفى مخبرًا عما بقي مما مضى وكفى عبرًا لذوي الألباب ما جربوا. التهاون بالمطلوب أول أسباب حرمانه. الشبهة ظلمة. لن يضيع امرؤ صواب القول حتى يضيع صواب العمل. خير الأمور ما سر عاجله وحسنت عاقبته.
لا شرف مع سوء أدب ولا بر مع شح، ولا اجتناب محرم مع حرص ولا محبة مع زهو. بإحالة الفكر يستخرج الرأي المصيب وبحسن التأني تدرك المطالب، وبالنصفة يكثر المتواصلون. الفاحشة عار الأبد وعقوبة غد. الشماتة تعقب الندامة. من سخر ابتلى. قال الله تعالى: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون. إذا فقد المتفضلون هلك المتجملون. رب صبابة غرست من لحظة وحرب جنيت من لفظة. ما شاهد على غائب بأدل من طرف على قلب. شر المال ما لا ينفق منه. أفضل المال ما صين به العرض. وبالأفضال تشرف الأقدار. الذي يكون سببًا لفساد نفسه أذل ممن يفسده عدوه أو دهره. لا تعدن وديعة مالًا. الشهوة رق. الحرص كلب. يعبر عن الإنسان اللسان وعن المودة العينان.
لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعلى من التقوى ولا شفيع أغنى من التوبة. أولى الناس بالأمر من حافظ عليه. الخير موضوع لمن أراده موفور لمن عمل به. الرغبة مفتاح الطلب ومطية الخطوة. الحرص داع إلى الحرمان. التنفل بالحسنة ينفي السيئة. المكافأة بالسيئة دخول فيها. البغي سائق إلى الحين. إصلاح الرعية أنفع من كثرة الجنود. حق المذموم التأنيب وحق المحروم المعونة. من الجهل والجفاء إظهار الفرح عند المحزون. المحزون يحقد على الفرح ويشكر المكتئب في ظل السلامة تدب أفاعي الآفات. أعظم الناس قدرًا من لم يجعل الدنيا لنفسه قدرًا. ما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة. عزائم الأمور خيارها ومحدثاتها أشرارها. الملك يكتسب من اتفاقه والعامة تنفق من تكسبها. من أفنى عمره بجمع المال مخافة العدم فقد أسلم نفسه للعدم. قال الشاعر:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله
مخافة فقر فالذي فعل الفقر!
من لم يقدر على جمع الفضائل فلتكن فضائله ترك الرذائل. إذا لم تكن ملحًا تصلح فلا تكن ذبابًا تفسد. إصلاح بعض العدو أفضل من هلاكه. من سعادة المرء أن يطول عمره ويرى في عدوه ما يسره. خير الكتب ما إذا أعاد قاريه فيه النظر زاد حسنه ووقف على خيره. أثقل الأحمال من اتسعت مروءته وقلت مقدرته. استح من الله تعالى بقدر قربه من عقلك وأطعمه بقدر حاجتك إليه، وخفه بقدر قدرته عليك واعصه بقدر صبرك على النار، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها واعمل للآخرة بقدر بقائك فيها. الملك ينفق ليكتسب والعامة تكتسب لتنفق. الطاعة بقدر الفاقة.
يفحش زوال النعم إذا زال معها التجمل. أولى الأمور بك واجبها عليك. الدنيا العافية والشباب الصحة. إذا أقبل الأمر تشبه وإذا أدبر صرح. إذا عدل السلطان ملك قلوب الرعية، وإذا جار لم يملك منهم إلا الرياء والتصنع. الصدقة من سعة، وابدأ بمن تعول. إذا أضرت النوافل بالفرائض تركت النوافل وقدمت الفرائض. قدر الرجل على قدر همته وصدقته على قدر مروءته، وشجاعته على قدر أنفته وعفته على قدر غيرته. من أطاع الواشي ضيع الصديق. ومن جعل لنفسه حظًا من حسن الظن يروح عن قلبه. شر مالك ما لزمك إثم مكتسبه، وحرمت منفعة انفاقه. رب مغبوط بليلة قامت بواكيه في آخرها. لا ترج خير من لا يرجو خيرك ولا تأمن جانب
[ ١٩٩ ]
من لا يأمن جانبك.
تارك الطلب ضجرًا أرجى للعودة من تاركه جورًا. ثمرات الشهوات المخازي. الخصومة تمرض القلب. أعم الأشياء نفعًا ترك الأشرار. من استكفى الكفاة كفى الأعداء. خير مالك ما أغناك وخير منه ما وقاك، صولة الكريم صلم. ذنب أسد خير من رأس كلب. بجبهة العير يعدو وحافر الفرس. من استبد برأيه خفت وطأته على أعدائه. إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك. من أمن الزمان خانه ومن تعزز عليه أهانه. كما يجب أن تكون المرآة ضوء من الناظر فكذلك يجب أن يكون المؤدب أفضل ممن يؤدب. من ترك العمل بما ينبغي عمل ما لا ينبغي. ليس في الشر أسوة ولا في الحظ قدوة.
لم تكن لله ناصحًا حتى تحب عدوك إذا أطاع الله في عداوتك على عداوته وتقلع عما عاداك عليه، وتبغض وليك إذا عصى الله تعالى في موالاتك وتنزع عما والاك عليه. لا تكن على الإساءة أقوى منك على الإحسان. الشقي كل الشقاء من جمع لغيره وضن على نفسه بخيره. شر أخلاق الكريم أن يمنع خيره. من كانت الآخرة رأس ماله كانت الدنيا ربحه، ومن كانت الدنيا رأس ماله كانت الآخرة خسارته. أفضل العلم وقوف الرجل عند علمه. أفضل المال ما قضيت به الحقوق. البدع فخاخ محبوبة قد علقت عليها ألفاظ ظاهرة. رجاء العامة أمنية على ضلالة ورجاء الخاصة يقين على ثقة. القليل من الملك كالكثير من غيره. عطاء الملك زينة وسؤاله شرف.
وفي الأمثال: جاور بحرًا أو ملكًا. إذا كذب السفير بطل التدبير. أخبث الأزمنة زمان لا يتميز فيه الخطأ من الصواب. لا تعطوا إلى الفضول ما خفتم العجز عن الحقوق. الآذان أقماع تؤدي والقلوب قوابل تعي. من أحب أن يسمى داهيًا لم يظهر دهاه. لا دليل أهدى من التوفيق. الحلاء البلاء. من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن. الحفظ قيد للعلم. المدارسة إذكاء للفهم المقابسة إحياء للفطن. استزد النعمة بالشكر والقدرة بالعفو، والطاعة بالتألف والنصر بالتواصل ولله الرحمة للخلق. استقلال الكثير تعرض للتغيير. ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها: الكتاب يدل على عقل كاتبه، والرسول يدل على عقل مرسله، والهدية تدل على عقل مهديها.
لم يحكم على العقول حاكم كالغير ولم يحكمها محكم كالتجربة. من عاب سفلًا فقد رفعه ومن عاب سيدًا فقد وضع نفسه. من استنقص من قد أجمع الناس على فضله فقد سلط الناس على عرضه. أحق الناس أن يؤتمن على الدنيا أهل الآخرة. صح من صحت سرائره وسقم من سقمت ظواهره. بالكلام يعرف فضل العقل كما بالرسول يعرف قدر المرسل. ملاك أموركم الدين وعصمتكم التقوى وزينتكم الأدب وحصن أعراضكم الحلم. إذا أعطيت ما لا ترضى فارض بما أعطيت. كلما ازداد الخير كثرة كان الخارج منه أشد حسرة. بقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الوقعة. الإبقاء على العمل أشد من العمل. من التوقي ترك الإفراط في التوقي. توريث الحرمة والذمام سنة في المروءة كما أن وراثة التركة فريضة في الديانة. لا تمدحن امرأ بأكثر من قدره فتكون مهينًا لنفسك، كذابًا على غيرك.
لا تفرحن بسقطة عدوك فإنك لا تدري متى يحدثها الزمان بك. من الجفاء الكلام في الأمر الجسيم من غير مشاورة. أكثر الناس مخادعة لنفسه في أمر جسده عند الحمية. وفي أمر مروءته عند الشهوة، وفي أمر دينه عند الشبهة، المصائب بغتات، العاقل المدبر أرجى من الأحمق المقبل، أشرف الصنائع ما لم يكن مكافأة لماض ولا رجاء لباق. ارض النظير ثم كافئه وأيسر الملهى ثم استمع منه، لم تكن غواية ولا هداية إلا وإليهما سائق وعنهما ناكص. إحسانك إلى الحر يحرضه على
[ ٢٠٠ ]
المكافأة، وإحسانك إلى الخسيس يبعثه على معاودة المسئلة. ليس يمتحن الأديب بأن يكون فاعلًا للخير، إنما يمتحن بأن يكون تاركًا للشر.
من صنع معك خيرًا فضاعفه له وإلا فلا تعجز أن تكون مثله. الأشرار يتبعون مساوي الناس ويغفلون عن محاسنهم، كما يتبع الذباب المواضع النغلة من الجسد ويدع صحيحه. الظرف فطنة مازجتها عبادة مع حذر وتوقي، فإذا خلت الفطنة من التوقي فصاحبها لا يستمتع به أهل المروءة، وإذا خلت الفطنة من العبادة وقارنتها ملاحة فصاحبها طيب الظرف فطنة معها بعض إرسال الألفاظ يرتفع عنها أهل الجلالة من المخلصين في باطن الدنيا والتمييز في باطن الحال.
وسمعت القاضي أبا العباس الجرجاني رحمة الله تعالى يقول بالبصرة: أول من نطق بهذه الكلمة عمر بن الخطاب ﵁، وذلك أنه أتى بسارق فقال له: أسرقت قل أم لا؟ فقال الرجل: لا. فقال عمر ﵁: إنك لظريف. جهد البلاء الإقلال والعيال. ينبغي للعالم أن يتطامن للجاهل بقدر ما رفعه الله تعالى عليه. العقل أفقر إلى الحكمة والأدب من الجسد إلى الطعام والشراب. أعظم الناس غمًا من زالت نعمته وبقيت شهوته وضاقت مقدرته. قلة العيال أحد اليسارين معالجة الموجود خير من انتظار المفقود. من عدم الحياء عند الفضيحة والصبر عند النصيحة سهلت عليه المعاصي كلها. العالم مثل السراج من مر به اقتبس منه. من تقدم بحسن النية نصره التوفيق.
لم تكن لله ناصحًا حتى تحب أن يكون له عدوك مطيعًا. من آذى الناس بغير سلطان كان مصيره إلى الهوان. مادحك بما ليس فيك مخاطب لغيرك، فجوابه وثوابه ساقطان عنك. المكر والخديعة في النار. الأحداث تأتي عليما منه يأتي الحذر. المأكول للبدن والموهوب للمعاد والمحفوظ للعدو. من غضب على من لا يقدر على غمه فقد عذب نفسه واشتد غيظه. أطلب ما يعنيك ودع ما لا يعنيك، فإن في ترك ما لا يعنيك درك ما يعنيك. من أنكى الأشياء لعدوك أن تريه أنك لا تعاديه. كل آت قريب. الاستغناء عن الشيء خير من الاستغناء به. ومن خير خبر أن تسمع بالمطر. لا فخر فيما يزول ولا غنى فيما لا يبقى.
شر العيوب ما كان مضمنًا للعيوب. شر الذنوب ما كان علة للذنوب. أبلغ الرسل الكتب. حاول الأمور بالنصفة وأنا زعيم لك بالظفر، من أراد جمالًا لا تهدمه الأيام فليصحب المروءة والصيانة فهما ذروة الشرف. رب أمر له ما بعده. من سبق إليك كان له صفوه. من شروط المروءة التغابن للضعيف. المروءة ترك الريبة. يكاد استقصاء القوى من الضعيف أن يكون ظلمًا. يكاد استيفاء الغني من الضعيف أن يكون جورًا. القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، أوله حكم وآخره علم، المحادثة على الطعام تزيد في الشهوة وتذهب الحشمة وتزيل الانقباض. لن تنال ما تحب حتى تصبر على كثير مما تكره، ولن تنجو مما تكره حتى تصبر عن كثير مما تحب. ذهاب البصر خير من كثير من النظر.
لا تعد العزم عزمًا إذا ساق غمًا. مع الرأي الأول وهم. النظرة بعد النظرة تعقب لما قبلها وتزيد لما بعدها. ليس مدح الرجل بما فيه تزكية. أنعم الناس من كفي أمر دنياه ولم يهمه أمر دينه. الغريب من فقد إخوانه ونظراءه وإن كان في وطنه. الغريب من لا صديق له. الغريب الفقير. الغريب الأحمق. الغريب من لا ناصر له. شيئان لا يستحي العاقل منهما: المرض وذو القرابة الفقير، من كانت الدنيا سبب صلته فإنها سبب قطيعته، فاحذر أن تجعلها وسطًا بينك وبين أحد. علامة الأشرار أن من خالطهم لم يسلم منهم،
[ ٢٠١ ]
ومن تركهم لا يصرفوا شرهم عنه. وأما الأخيار فمن خالطهم ربح عليهم ومن غالظهم ترك رشده.
البر ثلاثة: الصدق في الغضب، والجود في العسر، والعفو عند المقدرة. من عتب على الزمان طالت معتبته. ستساق إلى كل ما أنت لاق. إذا صحب الارتياد الرشاد وجد المراد. ما عتق من الذم من ملكه الجهل. ولا ظفر بالعز من احتمل ما في المعصية من الذل، ولا خرج من الدناءة من صرف عقله إلى الدنيا. آخر الظلمة هريب. المسئلة آخر المكسبة. ما عد من أهل الحجا من كان من أهل الهوى، ولا كان من أهل التقى من حاد عن سبيل الهدى. من ذم أدنى الإحسان لامتناع أقصاه لم يحمد شيئًا منه. من دواعي الهلكة إضاعة المعرفة. واعجبا لمن يبني داره وجسمه يهدم، ولمن يبرم أمور الدنيا وأموره في نفسه تحل! قال علي ﵁: من لم يكن معنا كان علينا. الساكت أخو الراضي الكاتم للعلوم كمن لا علم له، أو غير واثق فيه الصواب. المرء مخبو تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه. قيمة كل امرئ ما يحسن. العلم بما في المصيبة من الثواب ينسي المصيبة. شر من المعصية سوء الخلق. فقهاء الحكمة ربيع القلوب. الخصومة تكشف العورة وتورث المعرة. بلاء المؤمن من عافيته كالنار حريقها من نورها. قد يكون الناس إدراكًا إذا كان الطمع هلاكًا. من لم يرفع نفسه عن قدر الجاهل رفع الجاهل قدره عليه. الذلة مع القلة تجوع الحرة ولا تأكل بثديها. موت عاجل خير من ضنا آجل. الغضب عند المناظرة منساة للحجة. الاختصار أثبت للمتكلم وأفهم للسامع. الكلب في الحاضرة ينبح الضيف ويدفع الزائر ويرد السائل، والكلب في البادية يعين الصاحب وينذر بالضيف ويدفع السارق.
لا تغتر بقول الجاهل الملك في يدك لؤلؤة وأنت تعلم أنها بعرة. مثل الصلاة في سائر العبادات مثل السفينة مع جميع من فيها، إن سلمت سلم الكل وإن أصيبت أصيب الكل. الحب والبغض فتنة. من طلب المطمع حرم، ومن طلب المؤنس عجز. قد ينصر المنطق من يعنى به. إذا فسد الزمان كسدت الفضائل وضرت الرذائل ونفعت، وصار خوف الموسر أكثر من خوف المعسر لقاء أهل الخير عمارة القلوب. لا يصد الكثير من لا يصد نفسه الواحدة، بالعمل يحسن المنطق وبالقوة يتم العمل. الفكرة مرآة. من أعظم الناس محنة من قل ماله وكثر مجده. الأدب مع العقل كالشجرة المثمرة والعقل بلا أدب كالرجل العقيم.
الماء ألين من القول والقلب أقسى من الحجر، وقد يثلم الماء الحجر إذا كثر انحداره عليه. أشد الأشياء إخفاء الفاقة. أولى الناس بالرحمة عالم يجري عليه حكم جاهل، لم يغب من شهد رأيه ولم يفن من بقي أثره ولم يمت من خلد عمله.
وقد سبق المثل: ليس بها لك من ترك مالك. كما أنه قبيح إذا ركبنا الخيل أن تجري بنا حيث أرادت دون أن ندبرها، كذلك قبيح أن تجري البدن والنفس بالعقل حيث أراد من الشهوات. أشق الأمور معرفة المرء بنفسه عائب المجمع عليه محجوج. ليس شيء من البر إلا ودونه عقبة من الصبر. ضرب الإنسان عار باق ووتر مطلوب.
قيل لحكيم: هل للغضب مادة تحسمه؟ قال: نعم أن يعلم الإنسان أنه ليس يجب أن يكون مطاعًا أبدًا ولا يجب أن يخدم أبدًا ولا يجب أن يتحمل خطاؤه أبدًا، بل قد يطيع ويخدم ويتحمل الخطأ ويصبر على النوائب، فإذا فعل ذلك لم يغضب، وإذا غضب فقليل. السعيد من وعظ بغيره. لا ينفع كثرة العلم من لا يعمل كما لا يغني ضوء الشمس عن من لا يبصر. رضي بالذل
[ ٢٠٢ ]
من كشف ضره بترك الورع، وأزرى بنفسه من استشعر الطمع. البدع فخوخ يسترها زخرفة الكلام وخدع المقال. الناس في الدنيا بالإخوان وفي الآخرة بالأعمال. صديق الرجل عقله وعدوه حمقه. من اجتمعت عليه النعمة أديمت له الرغبة.
يتحفظ الأحمق من كل شيء إلا من نفسه. لا وجود إلا بمال ولا صداقة إلا بوفاء ولا فقه إلا بورع. العليل الذي يشتهي أرجى من الصحيح الذي لا يشتهي. قلوب الرجال وحشية فمن تألفها أقبلت عليه. اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال لقاء الرجل أخلاءه مسلاة للهم. من لم يصلح على تدبير الله تعالى لم يصلح على تدبير نفسه. الأحلام فرح ووهم كاذب، والعامل بها كالمعتمد على الظل الزائل. الدنيا دول فما كان لك منها أتاك عن ضعف، وما كان عليك لم تقو على دفعه بقوتك. العافية خير من الواقية. الكريم لا يستحي من إعطاء القليل. العفاف زينة الفقير.
الكرم حسن الفطنة. واللؤم سوء التغافل، اختلاف كلام المرء دليل على ميل الهوى به. من حق النعمة أن يرى أثرها. من كان شبعه في الطعام لم يزل جائعًا، ومن كان غناه في المال لم يزل فقيرًا، ومن كان قصده بحوائجه الخلق لم يزل محرومًا، ومن استعان في أمره بغير الله تعالى لم يزل مخذولًا. من خاف من فوقه خافه من تحته، ومن لم يخف من فوقه لم يخفه من دونه. ما تحسنه ولا تعمل به لغيرك نوره وعليك بوره. واعجبًا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى، عين العز في طلب ما يبقى. من حذرك كمن بشرك. الشفيع جناح الطالب. إذا أقبلت الدنيا عليك فأنفق منها فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنها لا تبقى. قال الشاعر:
فأنفق إذا أيسرت غير مقتر
وأنفق إذا ما أدبرت حين تعسر
فلا الجود يفني المال والحظ مقبل
ولا البخل يبقي المال والحظ مدبر
ولغيره:
لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة
فلن يضر بها التبذير والسرف
وإن تولت فأحرى أن تجود بها
فالشكر منها إذا ما أدبرت خلف
الغريب: في كل مكان مظلوم. من سلك الجلد أمن من الغبار. لم يتجاوز الحد من ركب القصد. عجبًا للئيم يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الكرم الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء! من يطل ذيله يكثر ويله. وقال علي ﵁: من يبطل فعل أبيه تمنطق به. غثك خير من سمين غيرك. إذا أحببت أن لا يفوتك ما تشتهي فاشته ما يمكنك. من قصد أسهل ومن أسرف أوعر. القصد أخذ الحمام. شر السير الحقحقة: يؤنسك في المجالس مجلس لا يقصر بك ولا تقام عنه. أقلع الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك. وازجر المسيء بإثابة المحسن لكي يرغب في الإحسان. لن يهلك من مالك ما وعظك. الخلاف يهدم الرأي. خير الناس لغيره خيرهم لنفسه.
إحسان الله تعالى مكفور عند من أصبح مصرًا على ذنب مستور. يصير التخلق خلقًا بالاجتهاد والاعتياد. الحجر الغصب في البنيان رهن على الخراب. ربما يشرق شارب الماء به. رب رأي أنفع من مال وحزم أوفى من رجال. من استوعب الحلال تاقت نفسه إلى الحرام. من ذم الزمان لم يحمد الأخوان. بتقلب الأحوال تعلم جواهر الرجال. من عرف الزمان لم يحتج إلى ترجمان، ومن عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد. رسولك ترجمان عقلك. الطاعة غنيمة الأكياس عند تفريط العجزة. كلما اشتد الظلام قوي ضوء السراج.
[ ٢٠٣ ]
الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد. أولى الناس بالرحمة من احتاج إليها فحرمها.
من لم يدر قدر البلية لم يرحم أهلها. كفاك أدبًا لنفسك ما كرهته لغيرها. مجالسة الأحمق غرر والقيام عنه ظفر. لا تسأل عما لم يكن فإن في الذي قد كان شغلًا. البخل جامع لمساوي العيوب وهو زمام يقاد به إلى كل سوء. إذا صلح القلب وصح العمل كان التوفيق. إحراز العواقب بالاجتهاد، والاجتهاد أربح بضاعة. التوفيق خير قائد كمال العمل التوفيق من ترفق في استتمام الحظ من النعمة أدرك وبلغ، مقاربة الناس في أخلاقهم آمن من غوائلهم، لا تنظر إلى أحد بالموضع الذي رتبه فيه زمانه، ولكن انظر إليه بقيمته في الحقيقة فإنها مكانه الطبيعي. أبعد الناس سفرًا من سافر في طلب أخ صالح. ليست البركة من الكثرة ولكن الكثرة من البركة.
وقال داود ﵊: إذا كان ما ترى من الجهل يغيظك إذن يكثر الجهل ويطول غمك. قيل لبزرجمهر: ما لكم لا تعاتبون الجهلة؟ قال: لأننا ما نريد من العميان أن يبصروا. العشق مرض نفس فارغة لا همة لها. إجالة الفكر واستخراج الفطنة تتبع الإساءة بالندم وتتبع الندم بالإقلاع. الأمن بالبراءة وكثرة الصديق بالتواضع. وأعم الأشياء نفعًا فقد الأشرار. من بذر عداوة حصد ندامة. السمنة للنساء غلمة وللرجال غفلة. قال المسيح ﵊: ما حلم لمن لم يصبر عندالجهل وما قوة لمن يرد الغضب، وما عبادة لمن يتواضع للرب سبحانه. عبادة النوء كالمجيء في غير وقت والجلوس فوق القدر. إذا وقعت الضرورة ارتفعت المشورة.
قيل لحكيم: أخرج الهم من قلبك. قال: ليس بإذني دخل. من اغتر بحاله قصر في احتياله. إياكم وطلب الأمور من غير وجوهها فيعييكم طلبها ولا تدركوا حظًا منها. هيئة الزلل تورث الحصر. وقيل لحكيم: لأي شيء تزوجت امرأة دميمة وأنت وسيم؟ قال: اخترت من الشر أقله. وقيل لحكيم: ما تقول في الزواج؟ قال: لذة شهر وهم دهر ووزن مهر ودق ظهر. فتنة عالم إلى إبليس خير من غواية ألف رجل جاهل. تمني المعاتب ولا تمني المعاذير. الموالاة في الإسلام بمنزلة الحلف في الجاهلية. سب الجاهل للحكماء تشريف لهم عند أهل الفضل، لأن الجاهل منسوب إلى فعله، وكما أن الحكيم يتألم بحديث الجاهل كذلك الجاهل يتألم لسماع الحكمة. أغنى الناس عن الحقد من عظم قدره عن المجازاة. الكبير الهمة من الرجال من كان عنف الناصح عنده ألطف موقعًا من ملق الكاشح. إن كانت الجدود من الحظوظ فما بال الحرص، وإن كانت الأمور ليست دائمة فما بال السرور، وإن كانت الدار الدنيا غدارة فما بال الطمأنينة؟ وقال الشعبي: ما رأيت الله ﷾ أعطى عباده من أجل الحلم. وقال عمر بن الخطاب ﵁: خمس من لم تكن فيه فلا ترجه لشيء من أمر الدنيا والآخرة: من لم يعرف الوثيقة في أرومته والدماثة في خلقه والكرم في طبعه، والنبل في نفسه والتحاقر عند ربه. وقال أبو عبد الله بن حمدون: كنت مع المتوكل لما خرج إلى دمشق، فركب يومًا إلى رصافة هشام بن عبد الملك، فنظر إلى قصورها ثم خرج فرأى ديرًا قديمًا هناك حسن البناء بين مزارع وأشجار وأنهار، فدخله فبينا هو يطوف إذ بصر برقعة قد التصقت في صدره، فأمر بقلعها فإذا فيها هذه الأبيات:
أيا منزلًا بالدير أصبح خاليًا
تلاعب فيه شمال ودبور
كأنك لم يسكنك بيض أو أنس
ولم يتبختر في فنائك حور
[ ٢٠٤ ]
وأبناء أملاك غواشم سادة
صغيرهم عند الأنام كبير
إذا لبسوا أدارعهم فعوابس
وإن لبسوا تيجانهم فبدور
على أنهم يوم اللقاء ضراغم
وأنهم يوم النوال بحور
ليالي هشام بالرصافة قاطن
وفيك ابنه يا دير وهو أمير
إذا العيش غض والخلافة لدنة
وأنت طروب والزمان غدير
وروضك مرتاد ونورك مزهر
وعيش بني مروان فيك نضير
بل فسقاك الغيث صوب سحائب
عليك لها بعد الرواح بكور!
وعزيت نفسي وهي نفس إذا جرى
لها ذكر قومي أنة وزفير
لعل زماني جار يومًا عليهم
لهم بالذي تهوى النفوس يدور
فيفرح محزون وينعم بائس
ويطلق من ضيق الوثاق أسير
رويدك إن اليوم يتبعه غد
وإن صروف الدائرات تدور!
فلما قرأها المتوكل ارتاع وتطير وقال: أعوذ بالله من شر أقداره. ثم دعا صاحب الدير فسأله عمن كتبها فقال: لا علم لي به. وأما الكتب وصفاتها فتجل عن بلوغ الوصف ولقد أحسن ابن الجهم في قوله:
سمير إذا جالسته كان مسليًا
فؤادك عما فيه من ألم الوجد
يفيدك علمًا أو يزيدك حكمة
وغير حسود أو مصر على الحقد
ويحفظ ما استودعته غير غافل
ولا خائن عهدًا على قدم العهد
زمان ربيع في الزمان بأسره
يبيحك روضًا غير ذاوٍ ولا جعد
تنور آدابًا بورد بدائع
أخص وأولى بالنفوس من الورد
وأنشد بعض الأعاجم:
إذا ما خلا الناس في دورهم
بخمر سلاف وخود كعاب
وآنستهم لحساب الليال
صفاء الندامى وزهو السحاب
خلوت وصبحي كتب العلوم
وبيت عروسي بيت الكتاب
ودرس العلوم شراب العقول
فدوروا علي بذاك الشراب
وما يجمع المرء في دهره
سوى العلم يجمعه للثواب
ومن أحسن ما ينشد في الكتب:
إذا ما خلوت من المؤنسين
جعلت المؤانس لي دفتري
فلم أخل من شاعر محسن
ومن عالم صالح منذر
ومن حكم بين أبياتها
فوائد للناظر المفكر
وإن ضاق صدري بأسراره
وأودعته السر لم يظهر
وإن صرح الشعر باسم الحبيب
فلم أحتشمه ولم أحصر
وإن عدت من ضجر بالهجا
وسب الخليقة لم أحذر
[ ٢٠٥ ]
ونادمت فيه كريم المغب
لندمانه طيب المخبر
فلست أرى مؤنسًا ما حييت
عليه نديمًا إلى المحشر
وأنشد ابن حزم وبعض الأدباء:
إن سصبنا الملوك تاهوا علينا
واستبدوا بالرأي دون الجليس
أو صحبنا التجار عدنا إلى الفقر
وصرنا إلى حساب الفلوس
فلزمنا البيوت نتخذ الح
بر ونملأ به وجوه الطروس
لو تركنا وذاك كنا ظفرنا
من أمانينا بعلق نفيس
غير أن الزمان أعمى بنيه
حسدونا على حياة النفوس
وقال غيره:
أنست إلى التفرد طول عمري
فما لي في البرية من أنيس
جعلت محادثي ونديم نفسي
وأنسي دفتري بدل العروس
قد أستغنيت عن فرسي برجلي
إذا سافرت أو بغل أنوس
ولي عرس جديد كل يوم
بطرح الهم في أمر العروس
فبطني سفرتي والخرج جسمي
وهمياني فمي أبدًا وكيسي
وبيتي حيث يدركني مسائي
وأهلي كل ذي عقل نفيس
ولئن كان الناظمون قد وصفوا فجودوا وقالوا فأبلغوا فقد قصروا، وأجل ممدوح من أستقصى في مدحه المنتهى، واستمد في تقريظه المحتفل، وكيف لا والكتاب نعم الأنيس في ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل! وعالم مليء علمًا وظرف حشي ظرفًا وإناء مليء راحًا وحبذا بستان يحمل في أكمامه جوهرًا أو دررًا! وروضة نقلت في حجر. هل سمعت بشجرة تؤتي أكلها كل حين وساعة بألوان مختلفة وطعوم متباينة؟ هل سمعت بشجرة لا تذوي وزهر لا يتوى وثمر لا يفنى؟
ومن لك بجليس يفيدك الشيء وخلافه والجنس وضده؟ ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء. إن غضبت عليه لم يغضب وإن سخطت عليه لم يجب. أكتم من الأرض وأنم من الريح، وألهى من الهوى وأخدع من المنى وأمتع من الضحى، وأنطق من سبحان وائل وأعيي من باقل. هل سمعت بمعلم واحد تحلى بحلل كثيرة وجمع أوصافًا غزيرة عربي فارسي هندي رومي يوناني؟ إن وعظ أسمع وإن ألهى أمتع، وإن أبكى أدمع وإن ضرب أوجع. يفيدك ويستفيد منك ويزيدك ويستزيد منك. إن حدث فسر وإن مدح فنزهة. قبر الأسرار وحرز الودائع وقيد العلوم، وينبوع الحكم ومعدن المكارم ومؤنس لا ينام. يفيدك علم الأولين ويخبرك عن كثير من أنباء الآخرين. هل سمعت في الأولين أو بلغك عن أحد من السافلين، من جميع هذه الأوصاف مع قلة مؤنته وخفة محمله؟ لا يرزءك شيئًا من دنياك. نعم الذخر والعقدة والشغل والحرفة، جليس لا يضرك ورفيق لا يملك. يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السفر طاعته في الحضر إن أدمت النظر إليه أطال إمتاعك وشحذ طباعك، وبسط لسانك وجود بنانك وفخم ألفاظك. إن ألفته خلد على الأيام ذكرك وإن درسته رفع في الخلق قدرك، وإن جملته نوه عندهم باسمك. يقعد العبيد مقاعد السادة ويجلس السوقة
[ ٢٠٦ ]
مجالس الملوك فأكرم به من صاحب وأعزز به من مرافق! وقد قال فيه الأول:
لنا جلساء لا نمل حديثهم
ألباء مأمونون غيبًا مشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى
ورأيًا وتأديبًا وعقلًا مسددا
فلا فتنة نخشى ولا سوء عشرة
ولا نتقي منهم لسانًا ولا يدا
فإن قلت أموات فما أنت كاذب
وإن قلت أحياء فلست مفندا!
فهذا ما أردنا أن نمليه في هذا الكتاب. شعر:
فاكتبوا إن شئتم أنقاشه
[ ٢٠٧ ]