أفضل الملوك من كان شركة بين الرعايا، لكل واحد منهم فيه قسطة، ليس أحد أحق به من أحد، لا يطمع القوي في حيفه ولا ييأس الضعيف من عدله. كان النبي ﷺ تأخذ بيده من إماء المدينة، فتطوف به على سكك المدينة حتى يقضي حاجتها. وفي حكم الهند: أفضل السلطان من أمنه البريء وخافه المجرم، وشر السلطان من خافه البريء وأمنه المجرم. وقال عمر بن الخطاب ﵁ للمغيرة لما ولاه الكوفة: يا مغيرة ليأمنك الأبرار وليخفك الفجار. وفي حكم الهند أيضًا: شر المال ما لا ينفق منه وشر الإخوان الخاذل، وشر السلطان ما خافه البريء، وشر البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن، وخير السلطان من أشبه النسر حوله الجيف لا من أشبه الجيفة حولها النسور؛ وعن هذا المعنى قالوا: سلطان تخافه الرعية خير لهم من سلطان يخافها.
وفي الأمثال العامة: رهبوت خير لك من رحموت. وكان يقال: شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء والقسوة على الضعفاء والبخل عند الإعطاء. وقال عمر ابن الخطاب ﵁: ثلاثة من المقافر: جار ملازم إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة أذاعها، وامرأة إن دخلت عليها لسنتك وإن غبت عنها لم تأمنها، وسلطان إن أحسنت لم يحمدك وإن أسأت قتلك. وقال رجل لبعض الحكماء: متى أضل وأنا أعلم؟ فقال: إذا ملكتك أمراء، إن أطعتهم أذلوك وإن عصيتهم قتلوك. وقال أبو حازم لسليمان بن عبد الملك: السلطان سوق ما نفق عنده أتى به. وفي كتاب ابن المقفع: الناس على دين الملك إلا القليل، فإن يكن للبر والمروءة عنده نفاق، فسيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض. وسمع زياد رجلًا يذم الزمان فقال: لو كان يدري ما الزمان لعاقبته، إن الزمان هو السلطان.
وقال معاوية لابن السكوي: صف لي الزمان. فقال: أنت الزمان إن تصلح يصلح، وإن تفسد يفسد. والمثل السائر في كل زمان وعلى كل لسان: الناس على دين الملك. وقال بعض الحكماء: إن أحق الناس من يحذر العدو الفاجر والصديق الغادر والسلطان الجائر. وقال بزرجمهر: أدوم التعب صحبة السلطان السيئ الخلق. وقال بعض الحكماء: إذا ابتلت بصحبة سلطان لا يريد صلاح رعيته، فقد خيرت بين خيرتين ليس بينهما خيارًا: إما الميل مع الوالي على الرعية وهو
[ ٦٠ ]
هلاك الدين، وإما الميل مع الرعية على الوالي وهو هلاك الدنيا، فلا حيلة لك إلا الموت أو الهرب منه. وقالوا: الملك العادل كالنهر الصافي، ينتفع به الأخيار والأشرار ولا يضر أحدًا، والملك السوء مثل الجيفة، يسرع إليها شرار الحيوان ويتحاماها خيار الناس.