أيها الملك إذا اعتجلت الأمور في صدرك واضطربت عليك القواعد، ومرجت في قلبك وجوه الآراء وتنكرت عليك المعارف، واكفهر لك وجه الزمان ورأيت آثار الغير، فلا تغلبنك خصلتان اترك للناس دينهم ودنياهم ولك الزمان من طوارق الحدثان وما يأتي به الملوان؛ فقد ترى أن المأمون قال في آخر موافقته مع أخيه الأمين: قد نفذت الأموال وألحت الأجناد في طلب الأرزاق فقال المأمون: بقيت لأخي خصلة لو فعلها ملك موضع قدمي هاتين قيل له: وما هي؟ فقال: والله إني لأضن بها على نفسي فكيف على غيري؟ فلما خلص له الأمر سئل عن تلك الخصلة فقال: لو أن الأمين نادى في جميع بلاده أنه قد حط الخراجات والوظائف السلطانية وسائر الجبايات عشر
[ ١١٣ ]
سنين، ملك علي ولكن الله غالب على أمره.
ولما خشي المأمون انتقاض بيعته مع أهل خراسان في فتنته مع أخيه الأمين، فاستشار الفضل بن سهل وكان وزيره فقال له الفضل: قد قرأت القرآن وحديث النبي ﷺ، والذي عندي أن تجمع الفقهاء وتدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة، وبسط العدل والقعود على اللبود وتواصل النظر في كشف المظالم، وتكرم القواد والملوك وأبناء الملوك تعدهم بالمواعيد الكريمة والمراتب السنية والولايات المشاكلة، ففعل ذلك وحط عن أهل خراسان ربع الخراج، فمالت وجوه الخلائق إليه وكانوا يقولون: ابن أختنا وابن عم نبينا ﵊. وانقاد إليه رافع بن الليث وكان من عظماء الملوك بخراسان. ودخل تحت هذه الترجمة أمر اتفق عليه حكماء العرب والروم والفرس والهند وهو أن يصطنع وجوه كل قبيلة والمقدمين من كل عشيرة، ويحسن إلى حملة القرآن وحفظة الشريعة ويدني مجالسهم، ويقرب الصالحين والمتزهدين وكل مستمسك بعروة الدين.
وكذلك يفعل بالأشراف من كل قبيلة والرؤساء المتبوعين من كل نمط، فهؤلاء هم أزمة الخلق وبهم يملك من سواهم. فمن كمال السياسة والرياسة أن يبقى على كل ذي رياسة رياسته وعلى كل ذي عز عزه وعلى كل ذي منزلة منزلته، فحينئذ تكون لك الرؤساء أعوانًا، ومن دانت له الفضلاء من كل قبيلة فأخلق به أن يدوم سلطانه، والعامة والأتباع دون مقدميهم وساداتهم أجساد بلا رؤوس، وأشباح بلا أرواح وأرواح بلا قلوب. ولما قامت العامة على السلطان بقرطبة ولبسوا السلاح، كان شيخ جالس على كير يعالج صنعته فقال: ما بال الناس؟ قالوا: قامت العامة على السلطان. قال: ولهم رأس؟ قالوا: لا. قال: سق الكير يا صبي! فسارت مثلًا.