وهذا الباب مما يعده الحكماء من أساس المملكة وقواعد السلطنة، ويفتقر إليه الرئيس والمرؤوس. وقد ذكرنا في باب الخصال الفرقانية ونذكر ههنا فوائدها ومحاسنها. اعلموا أن المستشير وإن كان أفضل رأيًا من المشير فإنه يزداد برأيه رأيًا، كما تزداد النار بالسليط ضوءًا، فلا تقذفن في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيمنعك ذلك عن المشاورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر به ولكن للانتفاع به، وإن أردت الذكر كان أفخر لذكرك وأحسن عند ذوي الألباب لسياستك أن يقولوا: لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوته. ولا يمنعك عزمك على إنفاذ رأيك وظهور صوابه لك عن الاستشارة، ألا ترى أن إبراهيم الخليل ﵇ أمر بذبح ابنه عزمة لا مشورة فيها، فحمله حسن الأدب وعلمه بموقعه في النفوس على الاستشارة فيه، فقال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات: ١٠٢) . وهذا من أحسن ما يرسم في هذا الباب.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين والثلاثة الآراء كالثلاثة لا تكاد تنقطع. وروي أن روميًا وفارسيًا تفاخرا. فقال الفارسي: نحن لا نملك علينا من يشاور. وقال الرومي: ونحن لا نملك علينا من لا يشاور. وقال بزرجمهر: إذا أشكل الرأي على الحازم كان بمنزلة من أصل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها فالتمسها فوجدها، كذلك الحازم بجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص له الصواب. وكان يقال: من كثرت استشارته حمدت إمارته. وفي حكم الهند قال بعض الملوك: إن الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزامة، وكما يزداد البحر بمواده من الأنهار، وينال بالحزم والرأي ما لا يناله بالقوة والجند، ولم تزل حزمة الرجال يستحلون مرائر قول النصحاء، كما يستحلي الجاهل المساعدة على الهوى.
قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي أخلاق المخلوع، يعني أخاه الأمين. فقال: كان واسع الصدر ضيق الأدب، يبيح من نفسه ما تأباه همم الأحرار ولا يصغي إلى نصيحة ولا يقبل مشورة، يستبد برأيه فيرى سوء عاقبته ولا يردعه ذلك عما يهم به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: يجمع الكتائب بالتبذير ويفرقها بسوء التدبير. فقال المأمون: لذلك ما حل محله. أما والله لو ذاق لذاذة النصائح، واختار مشورات الرجال وملك نفسه عند شهوتها ما ظفر به. وقال بعضهم: إنفاذ الملك الأمور بغير روية كالعبادة بغير نية، ولم تزل العقلاء على اختلاف آرائهم يشهدون العيوب، ويستشيرون صواب الرأي من كل أحد حتى الأمة الوكعاء.
هذا وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي. وكان يقال: من أعطي أربعًا لم يمنع أربعًا: من أعطي
[ ٧٨ ]
الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب. وقال بعضهم: خمير الرأي خير من فطيره وتقديمه خير من تأخيره. وقال صاحب كتاب التاج: إن بعض ملوك العجم استشار وزراءه، فقال بعضهم: لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدًا إلا خاليًا، فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر للسلامة، وأعفى لبعضنا من غائلة بعض. وكان بعض ملوك العجم إذا شاور مرازبته فقصروا في الرأي، دعا الموكلين بأرزاقهم فعاقبهم فيقولون: تخطئ مرازبتك وتعاقبنا؟ فيقول: نعم لم يخطئوا إلا لتعلق قلوبهم بأرزاقهم وإذا اهتموا أخطأوا.
وكانوا إذا اهتموا بمشاورة رجل بعثوا إليه بقوته وقوت عياله لسنة ليتفرغ لبه. وكان يقال: النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت وإذا شاورت فاصدق الخبر تصدقك المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتى من قبل نفسك. وقال بعض ملوك العجم: لا يمنعك شدة بأسك في باطنك، ولا علو مكانك في نفسك من أن تجمع إلى رأيك رأي غيرك، فإن أصبت حمدت وإن أخطأت عذرت، فإن في ذلك خصالًا منها إن وافق رأيك رأي غيرك ازداد رأيك شدة عندك، وإن خالفه عرضته على نظرك، فإن رأيته معتليًا لما رأيته قبلته، وإن رأيته متضعًا استغنيت عنه. وذلك أنه يجدد لك النصيحة ممن شاورته وإن أخطأ، وتمحض لك مودته وإن قصر، ولو لم يكن من فضيلة المشورة إلا أنك إن أصبت مستبدًا سلبت فائدة الإصابة بألسنة الحسدة، وقال قائل: هذا اتفاق ولو فعل كذا لكان أحسن، وإذا شاورت فأصبت حمد الجماعة رأيك لأنهم لنفوسهم يحمدون، وإن أخطأت حمل الجماعة خطأك لأنهم عن أنفسهم يكافحون.
واعلم أن القول الغليظ يستمع لفضل عاقبته كما يتكاره شرب الدواء المر لفضل مغبته. وقال أعرابي: ما عثرت قط حتى عثر قومي. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئًا حتى أشاورهم. وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم يا بني عبس! فقال: نحن ألف رجل وفينا حازم واحد، ونحن نطيعه فكأنا ألف حازم. وكان ابن أبي هبيرة أمير البصرة يقول: اللهم إني أعوذ بك من صحبة من غايته خاصة نفسه، والانحطاط في هوى مستشيره. وفي حكم الهند: من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة، أخطأ الرأي وازداد مرضًا وحمل الوزر. وقالت الحكماء: لا تشاور معلمًا ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء، ولا صاحب حاجة يريد قضاءها ولا خائفًا ولا من يرهقه أحد السبيلين.
وقالوا: لا رأي لحاقب ولا لحازق ولا لحاقن، ولا تشاور من لا توفيق عنده. الحازق: هو الذي ضغطه الخف الضيق والحاقب: هو الذي يجد في بطنه درأ. وقالوا من شكا إلى عاجز أعاره عجزه وأمده من جزعه. ومن لطيف ما جرى في الاستشارة أن زيادًا بن عبيد الله الحارثي استشاره عبد الله بن عمر في أخيه أبي بكر أن يوليه القضاء، فأشار به فبعث إلى أبي بكر فامتنع عليه، فبعث زياد إلى عبيد الله يستعين به على أبي بكر، فقال أبو بكر لعبيد الله: أنشدك الله أترى لي القضاء؟ قال: اللهم لا. قال زياد: سبحان الله استشرتك فأشرت علي به ثم أسمعك تنهاه. فقال: أيها الأمير استشرتني فاجتهدت لك الرأي ونصحتك ونصحت للمسلمين، واستشارني فاجتهدت له رأيي ونصحته. وروي أن الحجاج بعث إلى المهلب يستعجله في حرب الأزارقة، فكتب له المهلب: إن من البلاء أن يكون الراعي لمن يملكه دون من يبصره.
[ ٧٩ ]
فصل في النصيحة:
اعلموا أن النصح لمسلمين وللخلائق أجمعين من سنن المرسلين. قال الله تعالى إخبارًا عن نوح ﵇: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ (هود: ٣٤)
وقال شعيب ﵇: ونصحت لكم فكيف آسي على قوم كافرين. وقال صالح ﵇: ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين. وقال النبي ﷺ: إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة! الدين النصيحة! الدين النصيحة! قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم. فالنصح في الجملة فعل الشيء الذي به الصلاح والأمانة، مأخوذ من النصاحة وهي السلوك التي يخاط بها وتصغيرها نصيحة، تقول العرب: هذا قميص منصوح أي مخيط. ونصحته نصحًا إذا خطته.
ويختلف النصح في الأشياء لاختلاف الأشياء. فالنصح لله: هو وصفه بما هو أهله، وتنزيهه عما ليس بأهل له عقدًا وقولًا، والقيام بتعظيمه والخضوع له ظاهرًا وباطنًا، والرغبة في محابه والتباعد عن مساخطه، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه، والجهاد في رد العصاة إلى طاعته قولًا وفعلًا، وإرادة بث جميع ما ذكرناه في عباده، والنصيحة لكتابه: إقامته في التلاوة وتحسينه عند القراءة، وتفهم ما فيه واستعماله والذب عنه من تأويل المحرفين وطعن الطاعنين، وتعليم ما فيه للخلائق أجمعين؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (صّ: ٢٩)
والنصيحة للرسول ﷺ: مؤازرته ونصرته، والحماية من دونه حيًا وميتًا، وإحياء سنته بالطلب وإحياء طريقته ببث الدعوى، وتأليف الكلمة والتخلق يالأخلاق الطاهرة.
والنصيحة للأئمة: معاونتهم على ما تكلفوا القيام به في تنبيههم عند الغفلة وإرشادهم عند الهفوة، وتعليمهم عندما جهلوا وتحذيرهم ممن يريد السوء بهم، وإعلامهم بأخلاق عمالهم وسيرتهم في الرعية، وسد خلتهم عند الحاجة ونصرتهم في جمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم. والنصح لجماعة المسلمين: الشفقة عليهم وتوقير كبيرهم والرحمة لصغيرهم، وتفريج كربهم ودعوتهم إلى ما يسعدهم، وتوقي ما يشغل خواطرهم ويفتح باب الوسواس عليهم. ومن النصيحة للمسلمين: رفع مؤنة نفسه وبدنه وحوائجه عنهم. قال الأصمعي: لقط عمر بن الخطاب ﵁ نواة من الطريق فأمسكها بيده حتى مر بدار قومٍ فألقاها في الدار وقال: يأكلها داجنهم.
والنصح لجميع الملل أن يحب إسلامهم، ويدعوهم إلى الإيمان بالقول ويحذرهم سوء مغبة الكفر، وبالسيف إن كان ذا سلطان، أو يكفوا عن قتال المسلمين فيكونوا ذمة، وإلا فالقتل نصحًا لله لإقامة أمره فيهم. روى معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: ثلاث لا يضل عليهن قلب مسلم: العمل لله ومناصحة ولاة الأمر والاعتصام بجماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط بمن وراءهم. وروى جابر بن عبد الله: بايعت النبي ﷺ على السمع والطاعة فلقنني وبما استطعت والنصح لكل مسلم. وقال أنس: إن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وقال أبو الدرداء: العلم يعلمه البر والفاجر والحكمة ينطق بها البر والفاجر، والنصيحة لله لا تثبت إلا في قلوب المنتخبين الذين صحت عقولهم وصدقت نياتهم.
واعلم أن جرعة النصيحة مرة لا يقبلها إلا أولو العزم. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي. وقال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز ﵁: قل لي في وجهي
[ ٨٠ ]
ما أكرهه، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكرهه. وقال مالك: النصيحة لله في أرضه هي التي بعث الله بها أنبياءه، ومن أمر الإسلام القصد والنصيحة لعباد الله في أمورهم، والنفوس مستثقلة للنصح نافرة عن أهله مائلة إلى ما وافق هواها. وفي منثور الحكم: ودك من نصحك وقلاك من مشى في هواك. وكان يقال: أخوك من احتمل ثقل نصيحتك. وقال بعضهم:
عرضت نصيحةً مني لمزيدٍ
فقال: غششتني والنصح مر!
وما لي أن أكون نصحت زيدًا
وزيد طاهر الأثواب بر
ولكن قد أتاني أن زيدًا
يقال عليه في نقعاء شر
فقلت له: تجنب كل شيء
يقال عليك إن الحر حر
وقال آخر:
وعلى النصوح نصيحتي
وعلي عصيان النصوح
وقال القطامي:
ومعصية الشفيق عليك مما
يزيدك مرة منه استماعا
وخير الأمر ما استقلت منه
وليس بأن تتبعه اتباعا
وقال ورقاء بن نوفل:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم:
أنا النذير فلا يغرركم أحد!
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته
إلا الإله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يومأً خزائنه
والخلد قد حاولت عادًا فما خلدوا
وقال ابن وهب: إنما يحسن الاختيار لغيره من يحسن الاختيار لنفسه، ولا خير لك فيمن لا خير له في نفسه. وقالت العلماء: لن ينصحك امرؤ لا ينصح نفسه. وقال بعضهم: رأيي ورأيك في المعرفة أمثل لنفسك من رأيك لأنه خلو من هواك. وقال أبو الدرداء: إن شئتم لأنصحن لكم: إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويعلمون في الأرض نصحًا. وروي أن رجلًا لطم إبراهيم بن أدهم فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إنك تثيبني وتعاقبه فلا تثبني ولا تعاقبه. ومن الخصال التي تجري مجرى الجمال والكمال: الحلم.