قال سليمان بن داود ﵉: الرحمة والعدل يحرزان الملك٠ وقال زياد: ملاك السلطان ثلاثة أشياء: الشدة على المذنب ومجازاة المحسن وصدق القول. ولما غزا سابور ذو الأكتاف ملك الروم وأخرب بلاده، وقتل جنوده وأفنى بطارقته، قال له ملك الروم: إنك قد قتلت وأخربت فأخبرني ما الأمر الذي تثبت به حتى قويت على ما أرى، وبلغت في السياسة ما لم يبلغه ملك؟ فإن
[ ٥٩ ]
كان مما يضبط الأمر بمثله أديت إليك الخراج وصرت كبعض الرعية في الطاعة لك. فقال له سابور: إني لم أزد في السياسة على ثمان خصال: لم أهزل في أمر ولا نهي، ولم أخلف في وعد ولا وعيد، ووليت أهل الكفاية، وأثبت أهل النهي لا أهل الهوى، وضربت للأدب لا للغضب، وأودعت قلوب الرعية المحبة من غير جراءة والهيبة من غير ضغينة، وعمت بالقوت ومنعت الفضول. فأذعن له وأدى إليه الخراج.
وكتب الوليد إلى الحجاج أن يكتب إليه بسيرته، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي وأنمت هوائي، وأدنيت السيد المطاع في قومه ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلدت الخراج الموفي لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسي قسمًا يعطيه حظًا من نظري ولطيف عنايتي، وصرفت السيف إلى البطر والمسيء، فخاف المذنب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب. وقال أبو عبيدة: إذا كان الملك محصنًا لسره بعيدًا من أن يعرف ما في نفسه، متخيرًا للوزراء مهيبًا في أنفس العامة، متكافئًا بحسن البلاء، لا يخافه البريء ولا يأمنه المجرم، كان خليقًا ببقاء ملكه.