قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤) وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: ٤٥) وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ٤٧) وردت هذه الآيات الثلاث في بني إسرائيل فكل من لم يحكم بما جاء من عند الله تعالى ورسوله ﷺ كملت فيه هذه الأوصاف الثلاثة: الكفر والظلم والفسق، والكفر موقوف على خلاف العقيدة. وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (ابراهيم: ٤٢) . وقال أحمد بن حضرويه: لو أذن لي في الشفاعة ما بدأت إلا بالظالمين لأني نلت منه تعزية الله تعالى في قوله ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون. وقال: ولا أغتنم سفرًا لا يكون فيه من لا يؤذيني ولا يظلمني شوقًا مني لتعزية الله تعالى للمظلومين. وقال ميمون بن مهران: كفى بهذه الآية وعيدًا للظالم وتعزية للمظلوم.
وقال كعب الأحبار لأبي هريرة ﵁: في التوراة من يظلم يخرب بيته. قال أبو هريرة: وذلك في كتاب الله تعالى ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ (النمل: ٥٢) فالظلم أدعى شيء إلى سلب النعم وحلول النقم. وروى مسلم في الصحيح عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه سبحانه أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار. إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكموجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، يرويه أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر مسند إلى النبي ﷺ، وكان أبو إدريس إذا حدث به جثا على ركبتيه. وروى عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: الظلم ظلمات يوم القيامة. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: من كانت عنده لأخيه مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر
مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه. وروى سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين. قال أبو جعفر الطحاوي: معناه يقلب شجاعًا أقرع فيطوقه كما قال النبي
[ ١٥٠ ]
ﷺ في مانع الزكاة: يجيء ما له يوم القيامة شجاعًا أقرع يتبعه يقول أنا مالك أنا كنزك! وكان هذا داخلًا في قوله تعالى ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ١٨٠) .
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: مطل الغنى ظلم وروى أبو موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢) وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا! قالوا: يا رسول الله هذا أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تأخذون فوق يده. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: ناس معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن كأسنمة البخت، لا يرين الجنة ولا يجدن ريحها. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الاسراء: ١٦)
وفي الآية تأويلان: أحدهما أنا أمرناهم بالطاعة ففسقوا أي خرجوا عن الطاعة، والثاني على قراءة المدني كثرنا عددهم وأسبغنا النعم عليهم فعصوا وبغوا.
ومنه قول النبي ﷺ: خير المال سكة مأبورة أو مهرة مأمورة أي كثيرة النتاج.
واعلموا أن حشرات الأرض وهوامها تلهن العصاة، وقال مجاهد: إذا أشعثت الأرض تقول البهائم هذا من أجل عصاة بني آدم لعن الله عصاة بني آدم! وذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة: ١٥٩) . وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: إن الحسل ليموت هزلًا بذنب ابن آدم يعني أن بذنوب الخلق يمتنع القطر فلا تنبت الأرض، فتهلك الدواب والحشرات، وسمع أبو هريرة ﵁ رجلًا يقول: إن الظالم لا يضر إلا بنفسه فقال: بلى والله إن الحبارى لتموت هزلًا في وكرها بظلم الظالم. وقال ابن مسعود: خطيئة ابن آدم قتلت الحسل. وروى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. فقال رجل: يا رسول الله وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: وإن كان قضيبًا من أراك.
قال ابن عباس ﵄: ما ظهر الغلول في قوم قط إلا فشا في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنا في قوم قط إلا فشا فيهم الموت، ولا أنقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير حق إلا فشا فيهم الدم، ولا خفر قوم العهد إلا سلط عليهم العدو. وقال بعض الحكماء: اذكر عند الظلم عدل الله فيك، وعند المقدرة قدرة الله عليك، ولا يعجبك امرؤ رحب الذراعين سفاك الدماء فإن له قاتلًا لا يموت. وروي أن بعض الملوك رقم على بساطه هذه الأبيات:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا
فالظلم مصدره يفضي إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه
يدعو عليك وعين الله لم تنم
لا شك دعوة مظلوم يحل بها
دار الهوان ودار الذل والنقم
وأنشدنا أبو عبد الله الدامغاني قاضي القضاة ببغداد:
إذا ما هممت بظلم العباد
فكن ذاكرًا هول يوم المعاد
فإن المظالم يوم القصاص
لمن قد تزودها شر زاد
وقال سحنون بن سعيد: كان يزيد بن حاتم يقول: ما هبت شيئًا قط هيبتي رجلًا ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله، فيقول حسبك الله الله بيني وبينك. وقال بلال بن مسعود: اتقوا الله فيمن لا ناصر له إلا الله. وقال أبو سليمان الداراني: لما دخل إخوة يوسف ﵇ عليه عرفهم ولم يعرفوه. وكان على وجهه برقع فخلى كبيرهم وكان ابن خالته وقال له: بم أوصاك أبوك؟ قال: بأربع.
[ ١٥١ ]
قال: وما هن؟ قال: يا بني لا تتبع هواك فتفارق إيمانك، فإن الإيمان يدعو إلى الجنة والهوى يدعو إلى النار، ولا تكثر منطقك في ما لا يعنيك فتسقط من عين الله، ولا تسيء بربك الظن فلا يستجيب لك، ولا تكن ظالمًا فإن الجنة لم تخلق للظالمين. وبكى علي بن الفضل يومًا فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غدًا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة. ولمحمود الوراق:
إني وهبت لظالمي ظلمي
وتركت ذاك له على علمي
فرأيته أسدى إلي يدًا
لما أبان بجهله حلمي
رجعت إساءته عليه أسى
حقًا فآب مضاعف الجرم
وغدوت ذا أجر ومحمدة
وغدا بكسب الذنب والإثم
ما زال يظلمني وأرحمه
حتى رثيت له من الظلم
فكأنما الإحسان كان له
وأنا المسيء إليه في الحكم
وروي أن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرًا غيري. وقال ابن مسعود ﵁: لما كشف الله تعالى العذاب عن قوم يونس ﵇ ترادوا المظالم، حتى كان الرجل ليقلع الحجر من أساسه ويرده إلى صاحبه. وقال أبو ثور بن يزيد: الحجر في البنيان من غير حله عربون على خرابه. وقال غيره: لو أن الجنة وهي دار البقاء أسست على حجر من الظلم لأوشك أن تخرب، وقال الحكيم: العدل مرمة والظلم ظلمة. بالعدل تجر إليك الجوانح وبالجور تهجم عليك الجوانح. فاحذر من لا جنة له إلا الثقة بمنزل الغير ولا سلاح له إلا الابتهال إلى مقلب الدول وقال مالك بن دينار: قرأت في بعض الكتب: يا معشر الظلمة لا تجالسوا أهل الذكر فإنهم إذا ذكروني ذكرتهم برحمتي، وإذا ذكرتموني ذكرتكم بلعنتي.
وقال أبو أمامة ﵁: يجيء الظالم يوم القيامة حتى إذا كان على جسر جهنم لقيه المظلوم وعرف ما ظلمه به، فما يبرح الذين ظلموا بالذين ظلموا حتى ينزعوا ما بأيديهم من الحسنات، فإن لم يجدوا حسنات حمل عليهم من سيئاتهم مثل ما ظلموا حتى يردوا الدرك الأسفل من النار. وفي صحيح مسلم: إن هشام بن حكيم مر بالشام على أناس وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤوسهم الزيت، قال: ما هذا؟ قالوا: يعذبون في الخراج. قال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا. وأخبرني رجل ممن كان يقرأ العلم بالإسكندرية قال: كان ههنا شيخ عينًا للمساكين يدور حولهم، فرأيته في النوم بعد وفاته فقلت: من أين تجيء؟ فقال لي: لا تسأل! فأعدت عليه فقال: لا تسأل! فسألته فقال: لا تسأل من الجحيم! فقلت له: قل لي إلى أين تذهب؟ قال: إلى مثل الدار التي خرجت منها. قلت: كيف لقيت؟ قال: وماذا لقيت كأن لحمي جعل في هاون ودق حتى صار مثل المخ! وأخبرني رجل من أهل الدين والعلم قال: رأيت فلانًا البياع في النوم بعد وفاته فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أنا محبوس عن الجنة. قلت: بماذا؟ قال: كنت أبيع في الدكان فيزدحم الناس علي فآخذ دراهمهم فأجعلها في فمي، وكلما تفرغت وزنتها وأعطيت كل إنسان حقه، فاختلطت في فمي الفضتان فدفعت لأحدهما فضة الآخر، وكانت أنقص من فضته بحبة، ثم حوسبت فبقي علي حبة فقلت له: فادفع له الحبة فتخلص، فجعل يقلب كفيه ويقول: من أين أدفع له؟ يكررها مرات؟
[ ١٥٢ ]
وروى أن يونس ﵊ لما نبذ بالعراء وأنبت الله عليه شجرة من يقطين كان يأوي إلى ظلها، فيبست فبكى فأوحى الله تعالى إليه: أتبكي على شجرة فقدتها ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون أردت أن تهلكهم؟ وقيل لابن السماك الأسدي أيام معاوية ﵁: كيف تركت الناس؟ قال: بين مظلوم لا ينتصف وظالم لا ينتهي.
وقال بعض الحكماء: أفقر الناس أكثرهم كسبًا من حرام، لأنه استدان بالظلم ما لا بد من رده. وقال رجل: كنت جالسًا عند عمر بن عبد العزيز ﵁، فذكر الحجاج فشتمته ووقعت فيه، فقال عمر ﵁: إن الرجل ليظلم بالمظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم ويسبه حتى يستوفي حقه، فيكون للظالم الفضل عليه. وقال عمرو بن دينار: نادى رجل في بني إسرائيل: من رآني فلا يظلمن أحدًا فإذا رجل قد ذهب ذراعه من عضده وهو يبكي ويقول: من رآني فلا يظلمن أحدًا. فسئل عن حاله فقال: بينما أنا أسير على شاطئ البحر في بعض سواحل الشام إذ مررت بنبطي قد اصطاد سبعة أنوان، فأخذت منه نونًا وهو كاره بعد أن ضربت رأسه، فعض النون إبهامي عضة شديدة ثم أكلناه فوقعت الأكلة في إبهامي، فاتفقت الأطباء على قطعها فقطعتها فوقعت في كفي ثم ساعدي ثم عضدي، فمن رآني لا يظلمن أحدًا.
فخرجت أسيح في البلاد وأنا أريد قطع عضدي إذ رفعت لي شجرة فأويت إلى ظلها فنعست، فقيل لي في المنام: لأي شيء تقطع عضدك؟ رد الحق إلى أهله. فجئت إلى الصياد فقلت له: يا عبد الله أنا مملوك فأعتقني! فقال: ما أعرفك. فأخبرته فبكى وتضرع وقال: أنت في حل! فلما قالها تناثر الدود من عضدي وسكن الوجع فقلت له: بماذا دعوت علي. فقال: لما ضربت رأسي وأخذت السمكة نظرت إلى السماء وبكيت وقلت: يا رب اشهد أنك عدل تحب العدل وهذا عدل منك، وإنك الحق تحب الحق وخلقتني وخلقته وجعلته قويًا وجعلتني ضعيفًا، فأسألك بالذي خلقتني وخلقته أنتجعله عبرة لخلقك. وقال معاوية: إن أولى الناس بالعفو أقدرهم على الانتقام، وإن أنقص الناس عقلًا من ظلم من دونه.
وقال بعض الحكماء: الظلم على ثلاثة أوجه: ظلم لا يغفره الله ﷿، وظلم لا يتركه الله تعالى، وظلم لا يعبأ الله ﷾ به شيئًا فأما الظلم الذي لا يغفره الله تعالى فهو الشرك به، وأما الظلم الذي لا يتركه الله تعالى فمظالم العباد بعضهم بعضًا، وأما الظلم الذي لا يعبأ به فظلم العبد بينه وبين الله تعالى. وقال ميمون بن مهران: من ظلم رجلًا مظلمة ففاته أن يخرج منها فاستغفر الله دبر كل صلاة له رجوت أن يخرج من مظلمته. وقال يوسف بن أسباط: توفي رجل من الحواريين فوجدوا عليه وجدًا شديدًا وشكوا ذلك إلى المسيح ﵇، فوقف على قبره ودعا فأحياه الله تعالى وفي رجليه نعلان من نار، فسأله عيسى ﵇ عن ذلك فقال: والله ما عصيت قط إلا أني مررت بمظلوم فلم أنصره فتنعلت هاتين النعلين! وأنا أوصيك إذا فعلت بأحد مكروهًا فادع الله تعالى له واستغفر له كما فعل موسى ﵇ لما آذى هارون ﵇ وأخذ برأسه ولحيته، ثم تبين له براءته وأن بني إسرائيل غلبوه عليه وعلى عبادة العجل، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأعراف: ١٥١)
. وروي أن قوم لوط ﵇ كانت فيهم عشر خصال فأهلكهم الله ﷿ بها: كانوا يتغوطون في الطرقات وتحت الأشجار المثمرة وفي المياه الجارية وفي شواطئ الأنهار، وكانوا يحذفون الناس بالحصى فيعورونهم، وإذا اجتمعوا في المجالس أظهروا المنكر بإخراج الريح منهم، وكانوا يرفعون ثيابهم قبل أن يتغوطون، ويأتون بالطامة الكبرى
[ ١٥٣ ]
وهي اللواط؛ قال الله تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (العنكبوت: ٢٩) والنادي المجلس، ويلعبون بالحمام ويرمون بالجلاهق وضرب الدف وشرب الخمور، وقص اللحية وتطويل الشارب والتصفيق ولبس الحمرة، وتزيد عليهم هذه الأمة بإتيان النساء بعضهن لبعض وإنما حملهم على إتيان الرجال أنهم كانت لهم ثمار كثيرة في منازلهم وحوائطهم، فأصابهم قحط وقلة من الثمار فقالوا: بأي شيء نمنع ثمارنا حتى لا يطرقها أحد من الناس؟ فاصطلحوا على أن من وجدوه فيها نكحوه وغرموه أربعة دراهم، ففعلوا وما سبقهم بها أحد من العالمين، قال ابن عباس ﵄: كان بدو الفاحشة فيهم أنهم هموا بذلك فجاءهم إبليس اللعين في هيئة صبي أجمل ما يكون وأكمل شيء، فراوده الناس ونكحوه واجترءوا على ذلك وقال أبو العتاهية في الظلم:
أما والله إن الظلم لؤم
وإن الظلم مرتعه وخيم
تنام ولم تنم عنك المنايا
تنبه للمنية يا نؤوم
تروم الخلد في دار المنايا
وكم قد رام غيرك ما تروم
إلى ديان يوم الدين تمضي
وعند الله تجتمع الخصوم
سل الأيام عن أمم تقضت
فتخبرك المعالم والرسوم
وروي أن أنوشروان كان له معلم حسن التأديب فعلمه حتى فاق في العلوم، فضربه المعلم يومًا من غير ذنب فأوجعه فحقد أنوشروان عليه، فلما ولي الملك قال له: ما حملك على ما صنعت من ضربي يوم كذا وكذا ظلمًا؟ قال له: لما رأيتك ترغب في العلم رجوت لك الملك بعد أبيك، فأحببت أن أذيقك طعم الظلم لئلا تظلم إذا وليت. فقال له أنوشروان: زه زه! وقال عبد الرحمن: جمع زياد بن أمية الناس بالكوفة في إمارته عليهم، ليحرضهم على لعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه والبراءة منه، فملئ منهم المسجد والرحبة والقصر وكان على الناس يومًا عظيمًا، قال: وكنت في القوم فأغفيت إغفاءة ومعي أناس من أصحابي من الأنصار، فرأيت في منامي شيئًا قد أقبل طويل العنق أهدب، فأفزعني منظره فقلت له: من أنت؟ قال: أنا النقار ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر! فاستيقظت فزعًا فأخبرت أصحابي بالذي رأيته فوالله ما كان ريث حلب ناقة، وأنا في الحديث، إذ خرج علينا صاحب زياد فقال: أيها الناس انصرفوا فإن الأمير عنكم مشغول، فإذا هو قد ضربه الله سبحانه بالفالج في تلك الساعة.
وروي أن عبد الله بن مصعب الزبيري سعى إلى الرشيد يحيى بن عبد الله بن حبيب الحسن بن الحسن السبط الطالبي ﵇، فجمع الرشيد بينهما فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين لقد قال في باطلا وأنا استحلفه. قال عبد الله أنا أحلف. فقال له: قل نقلت الحول والقوة دون حول الله وقوته إلى حولي وقوتي إن لم أكن صادقًا فيما أدعيته عليك، فتلجلج وامتنع عن اليمين، فغضب الرشيد وقال له: إن كنت صادقًا فاحلف! فحلف بهذه اليمين فقال يحيى: الله أكبر لا يحلف بها أحد كاذبًا إلا عوجل. فأخذ في يومه وضربه الله بالجذام وسود وجهه وبدنه. قال سليمان بن جعفر: لقد دخلت عليه في اليوم الثالث من بليته قبل وفاته بيوم، فوالله ما عرفته وجدته كالزنجي وقد تقطع جذامًا! وروي أن مالك بن دينار دخل على بلال بن أبي بردة فقال له بلال: ادع الله لي يا أبا يحيى. قال: وما ينفعك دعائي وبالباب مائتان يدعون عليك؟ ومثل ذلك قول سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ادع لي. فقال: أنا أدعو الله لك ههنا، ومظلوم بالباب يدعو الله عليك فأي الدعوتين أحق بالإجابة؟ وكان سديف مولى بني هاشم يقول في دعائه: اللهم قد صار فيئنا دولة بعد القسمة وإمارتنا غلبة بعد المشورة، وعهدنا ميراثًا بعد الاختيار للامة، واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة، وحكم في أبشار المسلمين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة. اللهم قد استحصد زرع الباطل وبلغ نهيته واستجمع طريده، فأتح له من الحق يدا حاصدة تبدد شمله وتفرق أمره، ليظهر الحق في أحسن صورة وأتم نور.
وقال شوذب: قال عمر بن عبد العزيز: يذكر الظلمة الوليد بالشأم والحجاج بالعراق وقرة بن شريك بمصر، وعثمان بن حبان بالحجاز ومحمد بن يوسف باليمن، امتلأت والله الأرض جورًا! فأما ظلم الوليد فقال عبد الرحمن بن محمد الأنصاري: رأيت أبيات النبي ﷺ وعليها المسوح السود، فلما قدم الوليد المدينة نظر إلى أبيات النبي ﷺ فقال: ما بالها يدخلها الجنب والحائض؟ اهدموها، فهدموها، وقال حبيب بن عبد الله بن الزبير عمد إلى آية من كتاب الله كنا ننظر إليها فمحاها، فبلغت كلمته الوليد فكتب إلى خليفته: أقم حبيبا على باب المسجد فاضربه مائة سوط، ثم أقمه على البئر ينزع بالبكرة وكان في يوم شديد البرد فمات، وقال الشعبي: دخلت على يزيد بن هبيرة فوالله لقد أردت كلمة أرضي بها أمير المؤمنين ولا أسخط بها خالقي، فما قدرت عليها.
ونظر الرجل إلى أبي يوسف القاضي وعليه خلعة الرشيد فقال: جئتك لآخذ عنك ديني فإذا أنت في زي قارون! وقال وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: إذا لم تكن ظالمًا فلا تصحب الظالمين فتهون في عيني. وقال ابن عباس ﵄: يكون في آخر الزمان قوم ينهون عن إتيان الولاة ولا ينتهون، يباعدون الفقراء ويقربون الأغنياء وينقبضون عند الحقراء، وينبسطون عند الكبراء، أولئك الجبارون أعداء الرحمن! وقال علي بن أبي طالب ﵁: يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم.
وروي أن عيسى ﵇ بينما هو في سياحته إذا بفارس قد نزل على شاطئ نهر، فأكل وشرب ثم ركب وانصرف ونسي كيسًا كان معه، فأقبل صبي فأخذ الكيس ومضى، ثم أقبل شيخ فتوضأ وصلى ونام، فذكر الفارس الكيس فرجع فأيقظ الشيخ من نومه وسأله عن الكيس، فأنكر أن يكون وجد شيئًا فانتزع سيفه فقتله. فقال عيسى ﵇: يا أكرم الأكرمين الصبي أخذ الكيس وقتل الشيخ. فأوحى الله إليه: إن أبا الفارس ظلم أبا الصبي على الكيس والشيخ قتل أبا الفارس. وأنشدوا:
يا ذا الذي ليس له زاجر
عن ظلم أمثاله ولا ناهي
إني لمن قوم إذا أوعدوا
توعدوا للوعد بالله!