قد ذكرنا الخصال التي تجري من المملكة مجرى الأساس من البنيان، ونذكر الآن الخصال التي تجري من المملكة مجرى التاج والطيلسان وحسن الهيئة والكمال، فأصلها وقاعدتها العفو. قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) . فلما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم فذهب جبريل ثم عاد فقال: يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عن ظلمك. واعلموا أرشدكم الله أن الله تعالى أمر بالعفو وندب إليه، وذكر فضيلته وحث عليه ووصف به نفسه، فقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٤) . فأوجب الله تعالى محبته للعافين وأثنى عليهم بالإحسان فقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (الشورى: ٤٣)، وعزائم الأمور من صفات المصطفين من الرسل ﵈. قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الاحقاف: ٣٥)
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: ٣٧) . وقال سبحانه: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (النور: ٢٢) . فاستعطف الخلق وندبهم إلى أن يعفو عن الجناة والظالمين والخاطئين كما يحبون أن يفعل الله بهم. وقال فيمن انتصر ولم يعف: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (الشورى: ٤١) . فرفع الحرج عن المنتصر والمنتقم ولم يوجب له فضيلة. ثم كشف الغطاء وأزاح العذر وصرح بتفضيل العافين على المنتصرين، والواهبين حقوقهم على المنتقمين، فقال
[ ٧٤ ]
﷾: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (النحل: ١٢٦) . وهذا نص لا يحتمل التأويل. وتحقيق القول في ذلك أن الانتصار عدل والعفو فضل، وفضل الله أحب إلينا من عدله، لأنه إن عدل علينا فأخذناه بحقه هلكنا، وإن عفا عنا برحمته تخلصنا، ولو كان العدل يسع الخلائق لما قرنه الله تعالى بالإحسان، ولما علم أن في العدل استقصاء ومناقشة، وذلك مما تضيق عنده النفوس وتحرج له الصدور. نيط الإحسان بالعدل فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠) . وأيضًا فإن الانتصار سيئة والعفو حسنة. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ (فصلت: ٣٤) . والدليل على أن الانتصار سيئة قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (الشورى: ٤٠) . غير أنه إنما سميت سيئة لما كانت منتجة سيئة لا أنه لا يجوز الانتصار، وهو كقول عمرو بن كلثوم الثعلبي:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فسمى الجزاء على الجهل جهلًا وإن لم يكن في الحقيقة جهلًا. وعن هذا روت عائشة ﵂ قالت: ما رأيت النبي ﷺ منتصرًا من مظلمة ظلمها قط، غير أنه إذا انتهك شيء من محارم الله تعالى فلا يقوم لغضبه شيء. وروي أنه ﷺ قال: ينادي منادٍ يوم القيامة من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. فإن عفوت أيها الطالب كان أجرك على الله، وإن لم تعف كان حقك قبل من ظلمك، ولأن يكون أجرك في ضمان الله تعالى أوثق من أن يكون قبل مخلوق. وأيضًا فإنك إن لم تعف نلت حقك بلا زيادة عليه، وإن عفوت كانت حسنة أسديتها لأخيك، والله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الأنعام: ١٦٠) . وشفع الأحنف ابن قيس إلى السلطان في محبوس فقال له: إن كان مجرمًا فالعفو يسعه، وإن كان بريئًا فالعدل يسعه.
وقيل لبعض الكتاب بين يدي أمير المؤمنين: بلغ أمير المؤمنين عنك أمر. فقال له: لا أبالي! فقيل له: ولم لا تبالي؟ فقال له: إن صدق الناقل وسعني عفوه، وإن كذب وسعني عدله. ولما دخل عيينة بن حصن على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل وما تحكم فينا بالعدل! فغضب عمر وهم أن يوقع به، فقال ابن أخيه: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩) . وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان عمر وقافًا عند كتاب الله تعالى. وقال النبي ﷺ: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. وقال: ارحم ترحم. وكان يقال: أولى الناس بالسلطان أحقهم بالرأفة والرحمة. وفي الإنجيل أفلح أهل الرحمة لأنهم سيرحمون.
وقال سليمان بن داود ﵉: لقد أبغض الله المتسرعين إلى هرق الدماء، انتهت إليهم القسوة والغلظة والتباعد من الرحمة. ولما تمكن داود من قتل جالوت أبقى عليه وهو يومئذ عدوه وطالبه وقال: رب أعظم دمي في عين أعدائي كما عظمت في عيني دم عدوي، وكذلك خلصني من جميع الهموم. وقالت حكماء الهند: لا سؤدد مع انتقام، ولا رياسة مع عزازة نفس وعجب. وقالت الحكماء: ليس الإفراط في شيء أجود منه في العفو، ولا هو في شيء أقبح منه في العقوبة. وكذلك التقصير مذموم في العفو محمود في العقوبة. واعلم أنك لأن تخطئ في العفو في ألف قضية خير من أن تخطئ في العدل في قضية واحدة. وقال معاوية ﵁: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكبر من حلمي، وعورة لا يواريها ستري.
وقال المأمون:
[ ٧٥ ]
ليس علي في الحلم مؤونة، ولوددت أن أهل الجرائم علموا رأيي في الحلم فيذهب الخوف فتخلص لي قلوبهم وقال رجل للمنصور: يا أمير المؤمنين إن الانتقام انتصاف والتجاوز فضل، والمتجاوز قد جاوز حد المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأن لا يرتفع إلى أعلى الدرجتين، فاعف عنا يعف الله عنك. فعفا عنهم. وأنشدوا:
وإذا بغى باغ عليك بجهله
فاقتله بالمعروف لا بالمنكر
وقال بعضهم لمسلم بن قتيبة لما عفا عنه: والله ما أدري أيها الأمير، أي يوميك أشرف: أيوم ظفرت أم يوم عفوت؟ وقال الشاعر:
ما زلت في العفو للذنوب وإط
لاقك جان يجرمه علق
حتى تمنى العصاة أنهم
عندك أمسوا في القيد والحلق
ورفع إلى أنوشروان: إن العامة تؤنب الملك في معاودة الصفح عن المذنبين مع تتابعهم في الذنوب، فوقع المجرمون مرضى ونحن أطباء، وليس معاودة الداء إياهم بمانعنا من معاودة العلاج لهم. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم ومن عفو إلى قدرة. وقال رجل لعبد الملك بن مروان لما ظفر بالمهلب: ما رأيت أحدًا يا أمير المؤمنين ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك ولا عفا عفوك. وقال بعض التابعين: المعاقب مستدع لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم أو مكافأتهم أيام قدرتهم، ولأن يثني عليك باتساع الصدر خير من أن تنسب إلى ضيقه، وإقالة العثرة موجبة إقالة عثرتك من ربك، وعفوك عن الناس موصول يعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله تعالى لك، والله يحب العافين. وقال المنصور: عقوبة الأحرار التعريض وعقوبة الأشرار التصريح. وقال المأمون:
لما رأيت الذنوب جلت
عن المجازة بالعقاب
جعلت فيها العقاب عفوًا
أمضى من الضرب للرقاب
وقال الأحنف: لا تزال العرب بينة الفضل ما لم تعد العفو ضيمًا والبذل شرفًا. وفي الحكمة: إذا انتقمت فقد انتصفت، وإذا عفوت فقد تفضلت. وقال بعض الحكماء: اقبل العذر وإن كان مصنوعًا، وإلا أن يكون مما أوجبت المروءة قطيعته، أو يكون في قبولك عذره تشجيعه على المكروه أو عونه على الشر، فإن قبولك العذر فيه اشتراك في المنكر. ولما دخل الفيل دمشق حشد الناس لرؤيته وصعد معاوية في علية له متطلعًا، فبينا هو كذلك إذ نظر في بعض الحجر في قصره رجلًا مع بعض حرمه، فأتى الحجرة ودق الباب فلم يكن من فتحه بد، فوقعت عينه على الرجل فقال له: يا هذا أفي قصري وتحت جناحي تهتك حرمي وأنت في قبضتي؟ ما حملك على ذلك؟ فبهت الرجل وقال: حلمك أوقعني! قال له معاوية: فإن عفوت عنك تسترها علي؟ قال: نعم. فخلى سبيله، وهذا من الدهاء العظيم والحلم الواسع أن يطلب الستر من الجاني، وهو عروض قول الشاعر:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم
وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وأتى موسى الهادي برجل قد جنى، فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل: إن اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما ذكرت ذنب، ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة
فلا تزهدن عند المعافاة في الآجر!
فأمر بإطلاقه. وقال المهلب: لا شيء أبقى للملك من العفو، فإن الملك إذا وثقت رعيته منه
[ ٧٦ ]
بحسن العفو لم يوحشها الذنب وإن عظم، وإن خشيت منه العقوبة أوحشها الذنب وإن صغر، حتى يضطره ذلك إلى المعصية. ومن الحكمة البالغة في هذا قول سابور وقد جمع أولاده فقال: يا بني إذا أعجزكم أن تملؤا قلوب الرعية حياء فاملؤوها خوفًا، وليس ذلك بأن تحمل العقوبة على من لا يستحقها ولكن تعجيلها لمن يستحقها. وفي هذا المعنى قال الله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ (الأنفال: ٥٧) . وهذا المعنى لا يختل عما أوجبناه، وهذا معنى قول سابور ولا يخالف ما قررنا من حسن العفو، بل هذا المحمول على الواجب المستحق أو على ما في تركه إغراء بركوب أمثاله، فها هنا يكون العفو مفسدة.
فيا أيها المعاقب إذا أقمت على مذنب عقوبة فلا تكن كالمستشفى المتلذذ بعذابه، لأنك وإياه أخوان لأب وأم آدم وحواء، لم تفضله بحولك وقوتك بل بما فضلك الله به تطولًا عليك، فاذكر لو كنت في مقامه وكان في مقامك، ولا تأمن من تقلب الدهر فتقوم مقامه بين يدي من لا يرحم ولا ينظر في العواقب، واحذر التفريط والتقصير فأقم نفسك مذنبًا أقيم للعقوبة، وليكن عقابك مقدرًا كما كان عطاؤك مقدرًا، وليكن عقابك للتقويم لا للانتقام وللزجر لا للهوى. وعن هذا قال بزرجمهر: لا ينبغي للملوك أن يكرموا أحدًا بهوان من ليس للهوان أهلًا، وأن يهينوا أحدًا بكرامة من ليس للكرامة أهلًا. لا تكن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا على البخل أسرع منك إلى البذل. قال الشاعر:
صفوح عن الإجرام حتى كأنه
من العفو لم يعرف من الناس مجرمًا
فليس يبالي أن يكون به الأذى
إذا ما الأذى بالكره لم يغش مسلمًا
وقال سليمان بن داود ﵉: التنكيل والعقوبة أمنية الملك الشرير وعلى مثله يبعث الله ملكًا غير رحيم. وقال معاوية: لا ينبغي للملك أن يظهر منه غضب أو رضى إلا ثواب أو عقاب. وقال أزدشير: فضل الملك على السوقة إنما هو بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم. فكلما استكثر منها بانت فضيلته واستحقاقه لموضعه من الولاية عليهم، وكلما نقص منها قرب من السوقة. وقال المأمون: إني لأجد لعفوي لذة من لذة الانتقام. واعلم أنه إذا عاقب الملك وأهان على ظن بغير يقين، أدخل على نفسه من قبح الخطأ في الرأي أعظم مما أدخل على صاحبه من العقوبة.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: الغالب بالشر مغلوب وما ظفر من ظفر إلا بالإثم. وقيل لأفلاطون: أي شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الله تعالى؟ فقال: الإحسان إلى الناس. وقال حكيم: الحلم قوام السفيه والعفو زكاة العقل. وقال حكيم: السيد الذي لا يشين حسن الظفر بقبح الانتقام، وخير مناقب الملوك العفو. وكان يحيى بن معاذ يقول: سبحان من أذل العبد بالذنب وأذل الذنب بالعفو. إلهي إن عفوت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم. إلهي إن كنت لا ترضى إلا عن أهل طاعتك، فكيف يصنع الخاطئون؟ وإن كان لا يرجوك أهل وفائك فبمن يستغيث المستغيثون؟ وقال الشاعر:
وإن الله ذو حلم ولكن
بعز الحلم ينتقم الحليم
وروي أن الحجاج أخذ قطرى بن الفجاءة فقال: لأقتلنك! قال: ولم؟ قال: لخروج أخيك علي. قال: إن معي كتاب أمير المؤمنين أن لا تأخذني بذنب أخي! قال: هاته. قال: فإن معي أوكد منه، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤) . فتعجب من جوابه وخلى سبيله. ولما وفد عقيل بن أبي طالب على
[ ٧٧ ]
معاوية أمر له بمائة ألف درهم، فلما أراد الانصراف رأى في الطريق جارية بأربعين ألف درهم، فرجع إلى معاوية فأخبره. قال: وما تصنع بها؟ قال: تلد لي غلامًا فإن أغضبتني يضرب مفرقك بالسيف. فأمر له بها فابتاعها فولدت له مسلم بن عقيل، ثم قدم مسلم إلى الشام فابتاع منه معاوية ضيعة، فبلغ الحسين بن علي الخبر فكتب إلى معاوية: إني لا أجيز بيع مسلم! فأرسل معاوية إلى مسلم فقال: هذا كتاب الحسين يأمر برد المال. فقال مسلم: أما دون أن أضرب مفرقك بالسيف فلا! فضحك معاوية وقال: والله لقد تهددني أبوك بذلك قبل أن يشتري أمك، وسوغه المال. فقال الحسين حين بلغه ذلك: غلبنا معاوية جودًا وحلمًا!