فسرينا ليلتنا وأصبحنا على باب أنطاكية، فأخذتني عيني فحللت الهميان ونمت، ولم أستيقظ إلى ضحوة نهار، فاستيقظت ومددت يدي إلى الهميان فلم أجده.
فجعلت ألتفت إلى القافلة وأنظر إلى وجوه الناس، وقد أسقط في يدي ولم تبق لي حيلة، فاسترجعت ورفعت أمري إلى الله ﷾، وإذا رجل من أهل القافلة التفت إلي، فوقع وجهي في وجهه فإذا هو يضحك لما رأى ما بي فقال: ما لك أيها الفقيه؟ فقلت: خيرًا فراجعني فقلت خيرًا فقام إلي وقال: خذ هميانك عافاك الله تعالى: فسألته: كيف ظفرت به؟ فقال: رأيتك قد تدحرجت ذراعين أو ثلاثة، فالتفت فرأيت سوادًا في الموضع الذي كنت فيه نائمًا فثرت إليه وأخذته، فإذا هو الهميان، فرحمة الله عليه ورضوانه.
الباب الستون: في بيان الخصلة التي هي أساس الخصال وعماد الفضائل ومن فقدها لم تكمل فيه خصلة وهي الشجاعة، ويعبر عنها بالصبر ويعبر عنها بقوة النفس
قالت الحكماء: أصل الخيرات كلها في ثبات القلب، ومنها تستمد جميع الفضائل وهي الثبات والقوة على ما يوجبه العدل والعلم. والجبن غريزة يجمعها سوء الظن بالله تعالى، والشجاعة حالة متوسطة بين الجبن والتهور. وسئل الأحنف بن قيس عن الشجاعة فقال: صبر ساعة. وسئل أبو جهل عن الشجاعة فقال: تصبرون على حد السيوف فواق ناقة وهو ما بين الحلبتين. واعلم أن الفر من القتل طريدة من طرائد الموت، واستقبال الموت خير من استدباره. وقد قال الأول: رب حياة سببها التعرض للوفاة ووفاة سببها طلب الحياة. ومن حرص على الموت في الجهاد وهبت له الحياة. وقالوا: الهزيمة شفرة من شفار الموت والفار يمكن من نفسه والمقاتل يدفع عن نفسه. وقالوا: ثمرة الشجاعة الأمن من العدو.
واعلم أن من قتل في الحرب مدبرًا أكثر ممن قتل مقبلًا. وقالوا: تأخير الأجل حصن المحارب. وفيل لبعضهم: في أي جنة تحب أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل متأخر. وقيل لآخر: في أي سلاح تشتهي أن تقاتل عدوك؟ قال: بأدبار دولته وانقضاء صولته. واعلموا أن الشجاعة لمن كانت له مدة، وإذا انقضت المدة لم تغن كثرة العدة. وقال علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه: إذا انقضت المدة كانت الهلكة في الحيلة، وذلك أن كل كريهة تدفع أو مكرمة تكتسب لا تتحقق إلا بالشجاعة. ألا ترى أنك إذا هممت بأن تمنح شيئًا من مالك خار طبعك، ووهن قلبك وعجزت نفسك وشححت به؟ وإذا حققت عزمك وقويت نفسك وقهرت ذلك العجز، أخرجت المال المضنون به. وعلى قدر قوة القلب وضعفه يكون طيب النفس بإخراجه وكراهية النفس لإخراجه. وعلى هذا النمط تكون جميع الفضائل، فمهما تقارنها قوة النفس لم تتحقق وكانت مخدوجة.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: الشجاعة والجبن غرائز يضعها الله تعالى فيمن يشاء من عباده، فالجبان يفر من أبيه وأمه، والشجاع يقاتل عمن لا يؤب به إلى رحله، فبقوة القلب يصابر امتثال الأوامر والانتهاء عن الرواجز، وبقوة القلب يصابر اكتساب الفضائل وبقوة القلب ينتهي عن اتباع الهوى والتضمخ بالرذائل، وقال الشاعر:
جمع الشجاعة والخضوع لربه
ما أحسن المحراب في المحراب!
وبقوة القلب يصير الجليس على أذى الجليس وجفاء الصاحب، وبقوة القلب تتلقى الكلمة العوراء والفعلة الرديئة ممن جاءت، وبقوة القلب تكتم الأسرار ويدفع العار، وبقوة القلب تقتحم الأمور الصعاب، وبقوة القلب تتحمل أثقال المكاره، وبقوة القلب يصبر على أخلاق الرجال، وبقوة القلب تنفذ كل عزيمة وروية أوجبها الحزم والعدل والعقل، وبقوة القلب يضحك الرجال في وجوه الرجال وقلوبها مشحونة بالضغائن والأحقاد
[ ١٧١ ]
كما قال أبو ذر: إنا لنبش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم! وقال علي ﵁: أنا لنصافح أكفا نرى قطعها! وليس الصبر والشجاعة وقوة النفس أن تكون مصرًا على المحال لجوجًا في الباطل، ولا أن تكون جلدًا عند الضرب صبورًا على التعب مصممًا على التغرير والتهور، فإنما هذه من صفات الحمير والخنازير، ولكن تكون صبورًا على أداء الحقوق، صبورًا على أداء الحقوق، صبورًا على سماعها وإلقائها إليك غالبًا لهواك مالكًا لشهواتك، ملتزمًا للفضائل بجهدك عاملًا في ذلك على الحقيقة التي لا تحيدك عنها حياة ولا موت، حتى تكون عند موتك على الخبر الذي أشار به العلم وأوجبه العدل خير من البقاء على ما أوجب رفض العلم والعدل، كما قال علي للحسن ﵄: يا بني وما يبالي أبوك لو أن الخلق خالفوه إذا كان على الحق، وهل الخير كله للحق إلا بعد الموت؟ وعن هذا قالت حكماء الهند: إذا لم يكن للملك من نفسه معين كان في جميع أموره ضعيفًا مخذولًا.
واعلم أن الجبن مغلبة والحرص محرمة والعجز ذل والجبن ضعف، والجبان يعين على نفسه يفر من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، والشجاع يحمي من لا يناسبه ويقي مال الجار والرفيق بمهجته، والجبان يخاف من لا يحس به والجبان حتفه من فرقه، واعلم أن الشجاعة عند اللقاء على ثلاثة أوجه: رجل إذا التقى الجمعان وتزاحف العسكران وتكالحت الأحداق بالأحداق، برز من الصف إلى وسط المعترك يحمل ويكر وينادي هل من مبارز؟ والثاني إذا تناشب القوم واختلطوا ولم يدر أحد من أين يأتيه الموت، يكون رابط الجأش ساكن القلب حاضر اللب، لم يخامره ولا خالطته الحيرة فيتقلب تقلب المالك لأمره القائم على نفسه. والثالث إذا انهزم أصحابه يلزم الساقة ويضرب في وجوه القوم، ويحول بينهم وبين عدوهم فيقوي قلوب أصحابه ويرجي الضعف، ويمدهم بالكلام الجميل ويشجع نفوسهم، فمن وقع أقامه ومن وقف حمله ومن كردس عن فرسه كشف عنه حتى ييئس العدو منهم، وهذا أحمدهم شجاعة.
وعن هذا قالوا: المقاتل من قاتل وراء الفارين كالمستغفر من وراء الغافلين. ومن أكرم الكرم الدفاع عن الحريم وقالوا: لكل أحد يومان لا بد منهما أحدهما لا يعجل عليه، والثاني لا يغفل عنه فمال الجبان والفرار. وكان شيوخ الجند يحكون لنا في بلادنا قالوا: دارت حرب بين المسلمين والكفار ثم افترقوا فوجدوا في المعترك قطعة من بيضة الحديد، قدر ثلثها بما حوته مع الرأس، فيقال إنه لم ير قط ضربة أقوى منها. وكان شيوخ الجند في بلدنا طرطوشة يحكون لنا أنهم خرجوا في أيام سيف الملة في سرية إلى بلاد العدو، فبينما هم يسيرون إذا لقيتهم سرية للروم يريدون منا ما نريد منهم، قالوا وعرف بعضنا بعضًا، وكان في القوم صناديد الروم وكان فينا صناديد المسلمين، فتوافينا ساعة ثم شددنا وشدوا فالتقينا وتجالدنا ساعة، ثم منحها الله ﷿ أكتافهم فجعلناهم حصيدًا كأنهم جزر في الأوضام، وكان هناك بقربهم قرية فيها شيء من الخمر فشربناه وسكرنا ثم اشتهينا شرائح اللحم فقمنا نقطع لنا من لحومهم ونجعل على النار وأكلنا منها، ففزع من كان أسرناه منهم وبلغ الحديث إلى الروم، فانقلبت النصرانية تعجبًا منا وقذف الرعب في قلوبهم.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ لقي عمرو بن معدي كرب فقال له: يا عمرو أي السلاح أفضل في الحرب؟ فقال: فعن أيها تسأل؟ قال: ما تقول في السهام؟ قال منها ما يخطئ ويصيب. قال: فما تقول في الرمح؟ قال: أخوك وربما خانك! قال: فما
[ ١٧٢ ]
تقول في الترس؟ قال: هو الدائرة وعليه تدور الدوائر قال: فما تقول في السيف؟ قال: ذاك لأعدائك. وكان عمرو هذا من شجعان العرب وأبطالها، نزل يوم القادسية على النهر فقال لأصحابه: إني عابر على الجسر فإن أسرعتم مقدار جزر الجزور، وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، وقد عقرني القوم وأنا قائم بينهم. وإن أبطأتم وجدتموني قتيلًا بينهم. ثم حمل على القوم فانغمس فقال بعضهم لبعض: يا بني زبيد علام تدعون صاحبكم؟ والله ما نظن أن تدركوه حيًا فحملوا فانتهوا إليه وقد سرع عن فرسه وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضربه وما يقدر الفرس أن يتحرك، فلما غشيناه رمى الرجل بنفسه وخلى فرسه فركبه عمرو وقال: أنا أبو ثور كدتم والله تفقدونني! قالوا: أين فرسك؟ قال: رمي بنشابة فغار وشب فصرعني.
ويروى أن عمرًا حمل يوم القادسية على رستم، وهو الذي كان قدمه يزدجرد ملك الفرس يوم القادسية على قتال المسلمين فاستقبله عمرو وكان رستم على فيل فجذب عرقوبه فسقط رستم وسقط الفيل عليه، مع خرج كان فيه أربعون ألف دينار، فقتل رستم وانهزمت العجم. ويروى أن قاتل رستم زنيم بن عمرو. وأما الضربة التي حكيناها التي جاوزت ثلث البيضة بما حوته من الرأس، فلم يسمع بمثلها في جاهلية ولا إسلام، فحملتها الروم وعلقتها في كنيسة لهم، وكانوا إذا عيروا بانهزام يقولون: لقينا أقوامًا هذا ضربهم! فترحل أبطال الروم ليروها، وإنما كانت العرب تفخر في هذا الباب بقول النمر بن تولب يصف ضربة بسيف:
أبقى الحوادث والأيام من نمر
إسناد سيف قديم إثره بادي
يظل يحفر عنه إن ضربت به
بعد الذراعين والقيدين والهادي
وينشد قول النابغة في السيف أيضًا:
بعد السلوقي المضاعف نسجه
وتوقد بالصفاح نار الحباحب
وأين هذا ممن قد بيض الحديد بما حواه من الرأس؟ وأين الثريا من الثرى وأين الحسام من المنجل؟ ولولا كراهية التطويل لذكرنا من أمثال هذا الباب ما فيه العجب. وقد قالوا: السيف ظل الموت. والسيف لعب المنية. والرمح رشاء المنية. والسهام رسل لا تستأمر من أرسلها. والرمح أخوك وربما خانك. والدرع مشغلة للرجل متبعة للفارس، وإنها لحصن حصين. والترس مجن وعليه تدور الدوائر.