وهي ثلاثة: اللين وترك الفظاظة والمشاورة، وأن لا يستعمل على الأعمال والولايات راغب فيها ولا طالب لها. ولما علم الله تعالى ما فيها من انتظام الملة واستقامة الأمر نص عليها الله سبحانه ورسوله. اعلم أن هذه الخصال من اساس الممالك وقل من يعمل بها من الملوك، اثنتان نزلتا من السماء وواحدة قالها الرسول ﷺ: أما الإلهية فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩)
وفي الآية إشارتان: إحداهما أن الفظاظة تنفر الأصحاب والجلساء وتفرق الجموع والحشم، وإنما الملك ملك بجلسائه وأصحابه وأتباعه وحشمه. وأخلق بخصلة تنفر الأولياء وتطمع الأعداء، فقمن بكل سلطان رفضها والاحتراز من سوء مغبتها، ولتكن كما قال الله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥) . وروي أن النبي ﷺ كان جالسًا مع أصحابه، فجاء رجل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذا الأبيض المتكئ. فقال الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: قد أجبتك! دل الأثر على أنه ما استأثر بشرف المجلس ولا باينهم بزي ولا مقعد.
وقد يبلغ باللين ما يبلغ بالغلظة. ألا ترى أن الرياح تهول أصواتها فيتداخل لها الشجر وتنعطف الأفنان والأغصان، وفي الفرط تنكسر الأغصان، والماء بلينه في أصول الشجر يقلعها من أصلها. وإذا كانت الحية مع صعوبتها وسمها وتغيبها في حجرها ترقى بالكلام حتى تستعطف فتخرج، فالإنسان أحرى أن يستمال بلين القول وحسن المنطق، فإذا أردت أن تنتقم ممن يسيء إليك فكافئه بكل كلمة سوء قالها كلمة جميلة وحسن ثناء عليه.
والإشارة الثانية أنه قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: الآية١٥٩) . فإذا قيل لنا: كيف يشاورهم وهو نبيهم وإمامهم، وواجب عليهم مشاورته وأن لا يفصلوا أمرًا دونه؟ قلنا: هذا أدب أدب الله به نبيه ﵇، وجعله مأدبة لسائر الملوك والأمراء والسلاطين. لما علم الله تعالى ما في المشاورة من حسن الأدب مع الجليس ومساهمته في الأمور، فإن نفوس الجلساء والنصحاء والوزراء تصلح عليه وتميل إليه وتخضع عنوة بين يديه، شرعه لنبيه ﷺ ولذي الإمرة من أهل ملته.
[ ٥٠ ]
ألا ترى أن النبي ﷺ كان في غزوة، فأمرهم بالنزول فقال له سعد: يا رسول الله إن كان هذا بأمرك فسمعًا وطاعة، وإن يكن غير ذلك فليس بمنزل. فسمع منه النبي ﷺ وقال: ارتحلوا! ومن أقبح ما يوصف به الرجال، ملوكًا كانوا أو سوقة، الاستبداد بالرأي وترك المشاورة، وسنعقد للمشاورة بابًا إن شاء الله تعالى. والخصلة الثالثة ما روى البخاري ومسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله استعملني. فقال النبي ﷺ: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده. والسر فيه أن الولايات أمانات وتصريف في أرواح الخلائق وأموالهم، والتسرع إلى الأمانة دليل على الخيانة، وإنما يخطبها من يريد أكلها، فإذا أؤتمن خائن على موضع الأمانات كان كمن استرعى الذئب على الغنم. ومن هذه الخصلة تفسد قلوب الرعايا على ملوكها، لأنه إذا اهتضمت حقوقهم وأكلت أموالهم فسدت نياتهم، وأطلقوا ألسنتهم بالدعاء والتشكي، وذكروا سائر الملوك بالعدل والإحسان فكانوا كالبيت السائر الذي أنشدناه أولًا.
وراعي الشاء يحمي الذئب عنها فكيف إذا الذئاب لها رعاء؟
وإذا خان أهل الأمانات وفسد أهل الولايات، كان الأمر كما قال الأول:
بالملح يصلح ما يخشى تغيره فكيف بالملح أن حلت به الغير؟
ولغيره في مثل ذلك:
ذئب تراه مصليًا فإذا مررت به ركع!
يدعو وجل دعائه: ما للفريسة لا تقع؟
عجل بها يا ذا العلا إن الفؤاد قد انقطع!
ومن أشراط الساعة التصدي للأمانة وخطبة الولاية. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: من أشراط الساعة أن تكون الزكاة مغرمًا والأمانة مغنمًا، فحينئذ يدعو عليه الضعيف وأهل الصلاح ويقعد له الشرير بالمراصد ويخامر عليه القوي، ويقبح ثناؤه عند الجماعة ويتمنوا الراحة منه، وينتظرون من يصلح لها سواه.