يا أيها الملك ليس أحد فوق أن يأمر بتقوى الله، ولا أحد دون أن يؤمر بتقوى الله، ولا أحد أجل قدرًا من أن يقبل أمر الله، ولا أرفع خطرًا من أن يتعلم حكم الله، ولا أعلى شأنًا من أن يتصف بصفة من صفات الله. ومن صفات الله تعالى: العلم الذي وصف به نفسه وتمدح بسعته، فقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥) . والكرسي هو العلم، والكراسي هم العلماء. وإذا كان العلم فضيلة فرغبة الملوك وذوي الأخطار والأقدار والأشراف والشيوخ فيه أولى، لأن الخطأ فيهم أقبح والابتداء بالفضيلة فضيلة. حكي أن إبراهيم بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه. فقال: يا عم ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، شغلونا في الصغر
[ ٦٣ ]
واشتغلنا في الكبر! فقال المأمون: لم لا تتعلم اليوم؟ قال: أويحسن لمثلي طلب العلم؟ قال: نعم. والله لأن تموت طالبًا للعلم خير من أن تعيش قانعًا بالجهل! قال: ومتى يحسن طلب العلم؟ قال: ما حسنت بك الحياة.
وروي أن بعض الحكماء رأى شيخًا يطلب العلم ويحب النظر فيه ويستحي. فقال: يا هذا، أتستحي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله؟ ولأن الصغر أعذر وإن لم يكن في الجهل عذر. وفي منثور الحكم: جهل الشاب معذور وعلمه محقور، فأما الكبير فالجهل به أقبح ونقصه عليه أفضح، لأن علو السن إذا لم يكسبه فضلًا ولم يفده علمًا، كان الصغير أفضل منه، لأن الأمل فيه أقوى. وحسبك نقيصة في رجل يكون الصغير المساوي له في الجهل أفضل منه. وكل ما ذكرنا من حاجة الشيخ إلى العلم فحاجة السلطان إليه أكثر، ودواعيه إلى اكتسابه أشد، لأن من عداه إنما يخصه نفسه الواحدة فيفوت عليه تحصيل ما يقومها به، والملك منتصب سياسة أهل مملكته وتعليمهم وتقويم أودهم، فهو إلى العلم أحوج، كما قال الشاعر:
إذا لم يكن مر السنين مترجمًا عن الفضل في الإنسان سميته طفلًا
وما تنفع الأعوام حين تعدها ولم تستفد فيهن علمًا ولا عقلا؟
أرى الدهر من سوء التصرف مائلًا إلى كل ذي جهل كائن به جهلا!
وما يألف الإنسان إلا شبيهه كذاك رأينا العير قد يألف البغلا!
وقال بعض الحكماء: كل عز لا يوطده علم مذلة، وكل علم لا يؤيده عقل مضلة. وكيف يستنكف ملك أو ذو منزلة علية عن طلب العلم؟ وهذا موسى ﵇ ارتحل من الشام إلى مجمع البحرين في أقصى المغرب على بحر الظلمات، إلى لقاء الخضر ليتعلم منه، فلما ظفر به قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (الكهف: ٦٦) . هذا وهو نبي الله وكليمه. وهذا محمد رسول الله ﷺ وصفوته من جميع خلقه، قد أوصاه ربه ﷾ وعلمه كيف يستنزل ما في خزائنه، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤) . فلو كان في خزائنه أشرف من العلم لنبهه عليه. وهذا آدم ﵇ لما فخرت الملائكة بتسبيحها وتقديسها لربها وفخر آدم بالعلم: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: ٣١) . فلما عجزوا أمرهم بالسجود له. وأخلق بخصلة تستدعي السجود لحاملها أن يتنافس فيها كل ذي لب! وهذا فصل الخطاب لمن تدبره.
ولا ينصبن لك عذرًا بما روي في بعض الأخبار مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش على الحجر، مثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء. وسمع الأحنف رجلًا يقول: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، فقال الأحنف: الكبير أكبر عقلًا ولكنه أشغل قلبًا؛ ففحص عن المعنى ونبه على العلة. وقد كان أصحاب النبي ﷺ يسلمون شيوخًا وكهولًا وأحداثًا، وكانوا يتعلمون العلم والقرآن والسنن وهم بحور العلم وأطواد الحكم والفقه، غير أن العلم في الصغر أرسخ أصولًا وأبسق فروعًا، وليس إذا لم يحوه كله يفته كله. قال رجل لأبي هريرة ﵁: إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه! فقال أبو هريرة: كفى يتركك له تضييعًا. وبعض الخير من كل الشر. وإنما مثل الجاهل تحت عبء الجهل مثل الحمال تحت حمل ثقيل، فإن هو كلما أعيى نقصه قليلًا فيوشك أن ينقصه كله فيستريح منه، وإن هو لم يطرح القليل حتى يطرح الكثير فما أوشك أن يصرعه حمله، فكذلك الجاهل إذا تعلم قليلًا قليلًا يوشك أن يأتي على بقيته، وإن لم يتعلم في الكبر ما فاته في الصغر فأوشك به أن يموت تحت عبء الجهل!
الباب الثاني والعشرون: في وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
[ ٦٤ ]
﵁ لكميل بن زياد في العلم وأهله
قال كميل بن زياد النخعي: خرجت مع علي بن أبي طالب ﵁ إلى الجبانة، فلما أصحرنا تنفس الصعداء، ثم قال: يا كميل بن زياد، إن القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير. احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا منه إلى ركن وثيق. العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال. والعلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفقة. والعلم حاكم والمال محكوم عليه. ومحبة العلم دين يدان الله تعالى به يكسبه الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته. مات خزنة الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أشخاصهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة.
إن ههنا، وأشار بيده إلى صدره، لعلمًا جمًا لو أصبت له حملة بل قد أصبت له لقنًا غير مأمون عليه، يستعمل الدين للدنيا فيستظهر بحجج الله على كتابه، أو كما قال، وبنعمه على عباده، أو منقادًا لأهل الحق لا بصيرة له في أخبائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك! أو مهمومًا باللذات سريع الانقياد للشهوات، أو مغرى شأنه جمع المال والادخار ليسا من رعاة الدين أقرب شبهًا بهما الأنعام السائمة. اللهم فكذلك يموت العلم بموت حامليه، ولكن لن تخلو الأرض من قائم لله تعالى بحججه لئلا تبطل حجج الله وبيناته، ومن أولئك، وأين أولئك، أولئك الأقلون عددًا الأكثرون عند الله قدرًا، تجول الحكمة في قلوبهم حتى يزرعها في قلوب أشباههم، ويودعوها في صدور نظرائهم. هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوحشه المترفون واستأنسوا بما استوحش الجاهلون. صحبوا الدنيا بأجساد أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده وأمناؤه على عباده، ودعاته إلى دينه. آه شوقًا إلى رؤيتهم!