وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي، وهو ثقابة المعرفة وإصابة الفكرة وليس له حد ينتهي إليه، لأنه ينمو إذا استعمل وينقص إذا أهمل. ونموه يكون بأحد وجهين: إما أن يقارنه من مبدأ النشو ذكاء وحسن فطنة كالذي قال الأصمعي: قلت لغلام حدث من
[ ٦٦ ]
أولاد العرب كان يحادثني، وأمتعني والله بفصاحته وملاحته: أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم وأنك أحمق؟ قال: لا والله! قلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى علي حمقي؛ استخرج هذا الصبي بفرط ذكائه ما يدق على من هو أكبر منه سنًا. وقيل لبعض الصبيان: ألك أب؟ قال: فكأني عيسى بن مريم! وقد قالت الحكماء: آية العقل سرعة الفهم وغايته إصابة الوهم، وليس للذكاء غاية ولا لجودة القريحة نهاية. ألا ترى أن أياس بن معاوية الذي يضرب المثل بذكائه قال لأبيه وهو طفل، وكان أبوه يؤثر أخاه عليه: يا أبت، تعلم ما مثلي ومثل أخي معك إلا أنا كفرخ الحمام، أقبح ما يكون أصغر ما يكون، وكلما كبر ازداد ملاحة وحسنًا، فتبنى له العلالي وتتخذ له المربعات وتستحسنه الملوك، ومثل أخي مثل الجحش أملح ما يكون أصغر ما يكون وكلما كبر قبح وصار إلى القهقرى، إنما يصلح لحمل الزبل والتراب.
والوجه الثاني ما يصلح لذوي الحنكة وصحة الروية لطول ممارسة والأمور كثيرة التجارب، ومرور العبر على أسماعهم وتقلب الأيام وتصرف الحوادث وتناسخ الدول، قد مرت على عيونهم وجوه الغير وتصدت لأسماعهم أنواع الأخبار وآثار العبر. قال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديبًا وبتقلب الأيام عظة. وقالوا: التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل. ولذلك حمدت آراء الشيوخ حتى قالوا: المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم، فعليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن عدموا ذكاء الطبع فقد أفادتهم الأيام حنكة وتجربة. وقال الشاعر:
ألم تر أن العقل زين لأهله
ولكن تمام العقل طول التجارب
وقال الآخر:
إذا طال عمر المرء في غير آفة
أفادت له الأيام في كرها عقلا
غير أن للعقل آفات، كما قال بعض الحكماء: كيف يرجو العاقل النجاة، والهوى والشهوة قد اكتنفاه، والهوى أبعد من أن تنفذ فيه حيلة الحازم المحتال، وهو أغمض مسلكًا في الجنان من الروح في الجثمان، وأملك في النفس من النفس والمالك للشيء. ولهذا قيل: كم من عاقل أسير عند هوى أمير؟ فمن أحب أن يكون حرًا فلا يهوى وإلا صار عبدًا كما قال علي بن الجهم:
أنفس حرة ونحن عبيد
إن رق الهوى لرق شديد
واختلف الناس في العقل المكتسب إذا تناهى وزاد في الإنسان، هل يكون فضيلة أم لا؟ فقال معظم العقلاء: إنه فضيلة لأنه أذن كان مجموع آحاد وللآحاد فضائل، ولا شك أن كثرة الفضائل فضيلة. وأما الشيء المحدود فتكون الزيادة فيه نقصًا من المحدود كالتهور في الشجاعة، والتبذير في الكرم. وأما الزيادة في العقل المكتسب فزيادة علم بالأمور وحسن إصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن بما قد كان. وروي أن النبي ﷺ قال: أفضل الناس أعقل الناس. وقال ﵇: العقل حيث كان إلف مألوف. وقال القاسم بن محمد: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب الخصال عليه.
ولما مات بعض الخلفاء تخشخشت الروم واحتشدت واجتمعت ملوكها وقالوا: الآن يستقل المسلمون بعضهم ببعض فتمكننا الغرة فيهم والوثبة عليهم، وضربوا في ذلك مشاورات وتراجعوا فيه بالمناظرات، واجتمعوا على أنه فرصة الدهر وثغرة النحر. وكان رجل منهم من ذوي الرأي والمعرفة غائبًا عنهم فقالوا: من الحزم عرض الرأي عليه. فلما أخبروه بما أجمعوا
[ ٦٧ ]
عليه قال: لا أرى ذلك صوابًا. فسألوه عن علة ذلك فقال: غدًا أخبركم إن شاء الله. فلما أصبحوا غدوا عليه للوعد وقالوا: لقد وعدتنا. قال: نعم. فأمر بإحضار كلبين عظيمين قد أعدهما، ثم حرش بينهما وألب كل واحد منهما على الآخر فتواثبا وتهارشا حتى سالت دماؤهما، فلما بلغا الغاية فتح باب بيت عنده وأرسل منه على الكلبين ذئبًا عنده قد أعده، فلما أبصراه تركا ما كانا عليه وتألفت قلوبهما ووثبا جميعًا على الذئب، فنالا منه ما أرادا. ثم أقبل الرجل على أهل الجمع فقال لهم: مثلكم مع المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب، لا يزال الهرج والقتال بينهم ما لم يظهر لهم عدو من غيرهم، فإذا ظهر لهم عدو من غيرهم تركوا العداوة بينهم وتألفوا على العدو. فاستحسنوا قوله وتفرقوا عن رأيهم.
وأما المذموم في هذا الباب فصرف العقل إلى الدهاء والمكر. قال الشعبي: دهاة العرب ستة: معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أمية وقيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن بديل بن ورقا. قال الأصمعي: كان معاوية يقول: أنا للأناة وعمرو للبداهة، وزياد للصغار والكبار، والمغيرة للأمر العظيم. قال قبيصة بن جابر: ما رأيت أعطى الجزيل مال من غير سلطان من طلحة بن عبيد الله، ولا رأيت أثقل حلمًا ولا أطول أناة من معاوية، ولا رأيت أغلب للرجال ولا أبذلهم حين يجتمعون من عمرو بن العاص، ولا أشبه سرًا بعلانية من زياد، ولو أن المغيرة كان في مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج من أبوابها كلها. وقال أبو الدرداء: قال لي النبي ﷺ: يا عويمر ازدد عقلًا تزدد من ربك قربًا. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ومن لي بالعقل؟ قال: اجتنب محارم الله وأد فرائض الله تكن عاقلًا، ثم تنفل صالح الأعمال تزدد في الدنيا عقلًا وتزدد من ربك قربًا وعليه عزًا. وتروى هذه الأبيات لعلي بن أبي طالب ﵁:
إن المكارم أخلاق مطهرة
فالعقل أولها والدين ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها
والجود خامسها والعرف سادسها
والبر سابعها والصبر ثامنها
والشكر تاسعها واللين عاشيها
والنفس تعلم أني لا أصدقها
ولست أرشد إلا حين أعصيها
والعين تعلم من عيني محدثها
إن كان من خربها أو من أعاديها
وقال بعض الحكماء: العاقل من عقله في إرشاد، ومن رأيه في إمداد، فقوله سديد وفعله حميد، والجاهل من جهله في إغواء، فقوله سقيم وفعله ذميم. فأما من صرف فضل عقله إلى الدهاء والمكر والشر والحيل والخديعة، كالحجاج وزياد وأشباههما، فمذموم. وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لست بالخب والخب لا يخدعني. وقال المغيرة: كان والله عمر ابن الخطاب ﵁ أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.
والموصوف بالدهاء والمكر مذموم، وصاحبه محذور تخاف غوائله وتحذر عواقب حبائله. وقد أمر عمر بن الخطاب ﵁ أبا موسى الأشعري أن يعزل زيادًا عن ولايته، فقال زياد: أعن موجده أو جناية يا أمير المؤمنين؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكن كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك.
وكتب زياد إلى معاوية ﵁: إن العراق في شمالي ويميني فارغة، فولني الحجاز أكفك أهله. فبلغ ذلك ابن عمر فقال: الهم كفه. فطعن في إصبعه بعد أيام فمات. فنحن وإن كنا نرغب عن الدهاء والمكر فإنا
[ ٦٨ ]
نرغب في الحيلة ونوصي بها. والإتساع في الحيلة مما تواصى به العقلاء قديمًا وحديثًا، وليس شيء من أمور الدنيا لطالب الرفعة وباغي الوسيلة، ومرتاد أي أمر كان، دق أو جل، خير من الحيلة. وأضعف الحيلة أنفع من كثرة الشدة. وقالت الحكماء: ملاك العقل الحيلة والتأني للسبب الضعيف والقوي من الأمور. وروي أن رجلًا وقف بكسرى فقال: أنا أصنع ما تعجز الخلائق عنه. قال: ما هو؟ قال: تشد برجلي حبلًا طرفه برقبة فيل وبرجلي الأخرى كذلك، ويشد طرفه برقبة فيل ثم تساق الفيلة بالزجر والضرب فلا أتزحزح. ثم تعاطى أن يفعل ذلك بأربعة من الفيلة فمرت بحدتها فقسمته شطرين، فقال كسرى: من لم يكن أكبر ما فيه عقله هلك بأصغر ما فيه؛ فنظمه بعض الشعراء فقال:
من لم يكن أكبره عقله
أهلكه أصغر ما فيه
وسمعت القاضي أبا الوليد يحكي أن رجلًا استأذن هارون الرشيد فقال: إني أصنع ما تعجز الخلائق عنه. فقال الرشيد: هات. فأخرج أنبوبة فصب فيها عدة إبر ثم وضع واحدة في الأرض وقام على قدميه، وجعل يرمي إبرة إبرة من قامته فتقع كل إبرة في عين الإبرة الموضوعة حتى فرغ دسته. فأمر الرشيد بضربة مائة سوط ثم أمر له بمائة سوط ثم أمر له بمائة دينار، فسئل عن جمعه بين الكرامة والهوان فقال: وصلته لجوده ذكائه وأدبته لكي لا يصرف فرط ذكائه في الفضول. ومن زعم أن العقل المكتسب إذا تناهى لا يكون فضيلة، قال لأن الفضائل هبات متوسطة بين الفضيلتين ناقصتين، فما جاوز التوسط خرج عن حد الفضيلة، كالكرم الذي هو متوسط بين البخل والتبذير، والشجاعة وسط بين التهور والجبن.
وقالت الحكماء للإسكندر: أيها الملك عليك بالاعتدال في كل الأمور فإن الزيادة عيب والنقصان عجز. وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: خير الأمور أوسطها. وقال علي بن أبي طالب ﵁: خير الأمور الأوسط، إليه يرجع العالي ومنه يلحق التالي. قالوا: ولأن زيادة العقل تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر، وذلك مذموم. قلنا: هذا كله باطل بما قدمناه لنصرة القول الأول، وهو منقوض بالعقل الغريزي وبالعلوم وسائر الفضائل. وأما قولهم بأنه يقضي بصاحبه إلى الدهاء والمكر. قلنا: الدهاء والمكر كسب معان أخر غير العقل ليست من لوازم العقل، فإن شاء تداهى ومكر وإن شاء كف، كما تقول في كل شر يكتسبه العاقل باختياره: ليس عقله أوقعه فيه بل إنما أوقعه فيه قلة عقله. وكان بزرجمهر لما فرغ من كتاب أمثاله، ونسق كل باب على حياله يقول: ليس العجب ممن حفظ هذه الأمثال فصار عالمًا، إنما العجب ممن حفظها ولم يصر عالمًا. وأنا أقول: ليس العجب ممن قرأ كتابي هذا وصار مهذبًا كاملًا إنما العجب ممن قرأه ولم يصر مهذبًا كاملًا.