يُقَال أَن جمَاعَة من الْمُسْتَحقّين رفعوا إِلَى هَارُون الرشيد مظْلمَة فِيهَا نَحن عباد الله وَأَبْنَاء هَذَا الْعَصْر بَعْضنَا أهل قرَان وَعلم وبعضنا أهل شرف ورفعة وبعضنا من لاباءهم حُقُوق على هَذِه الدولة لما قدموه لَهَا من خدمات حميدة نافعة وَقد عنينا نَحن المشاق والأتعاب ايضا إننا مُسلمُونَ أنقياء لنا نصيب فِي بَيت المَال الَّذِي فِي حوزتك لِأَنَّك خَليفَة الأَرْض وأمير الْمُؤمنِينَ ان يكن المَال للعباد فأتفق علينا مِنْهُ فَنحْن مُؤمنُونَ ومستحقون أما أَنْت حَافِظًا لِلْمَالِ وَخَلِيفَة فَلَا يصيبك مِنْهُ أَكثر من عشر وَفِي هَذَا كفافك فِي حِين أَنَّك تنْفق الالاف يوميا على الشَّهَوَات والأرزاق والأطعمة وَنحن لَا نجد الْخبز وَمن عجب انه يظنّ أَي الرشيد أَن مَا فِي بَيت المَال مَاله ان يستقطع لنا نصيبنا فبها وَإِلَّا فسنلوذ بِهِ إِلَى الله متظلمين وملتمسين نزع بَيت المَال مِنْهُ وَوَضعه فِي يَد ذِي شَفَقَة وَرَحْمَة على الْمُسلمين مِمَّن يدخرون الذَّهَب وَالنعَم من أجل الْعباد لَا الْعباد من أجلهَا لما قَرَأَ الرشيد الرسَالَة تغير لَونه وَلم يجب عَنْهَا فِي يَوْمه ذَاك وَعَاد من البلاط إِلَى قصره الْخَاص قلقا مضطربا وَلَا رَأَتْ زبيدة الرشيد على غير عَادَته وطبعه سَأَلته مَاذَا جرى لأمير المؤنين فَقَالَ لَهَا لقد كتبُوا إِلَيّ كَذَا وَكَذَا لَو لم يخوفوني بِاللَّه لعاقبتهم قَالَ زبيدة لقد أَحْسَنت فِي عدم إيذائك إيَّاهُم فقد ورثت الْخلَافَة كَابِرًا
[ ١٨٣ ]
عَن كَابر وورثت مَعهَا سيرهم وشمائلهم وطباعهم وأفعالهم أَيْضا انْظُر مَا فعل الْخُلَفَاء قبلك مَعَ عباد الله ﷿ وانح نحوهم فالسيادة وَالْعَظَمَة وَالْملك لَا تزهو بِغَيْر الْعدْل والبذل فَذا يجْرِي فِي مُسْتَقر ذَاك لَيْسَ من شكّ فِي أَن مَا فِي بَيت المَال للْمُسلمين وَأَنت تنْفق مِنْهُ شَيْئا كثيرا أنْفق من أَمْوَال الْمُسلمين بِالْقدرِ الَّذِي تريدهم أَن ينفقوا من أموالك وَإِلَّا فهم معذورون فِي تضجرهم وتشكيهم مِنْك
وَحدث ان رأى كل مِنْهُمَا فِي منامة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أَن السَّاعَة قَامَت وأحضر الْخَلَائق يساقون وَاحِدًا وَاحِدًا لِلْحسابِ والمصطفى صلى الله عَلَيْهِ واله يتشفع لَهُم فيمضون إِلَى الْجنَّة وامسك أحد الملائك بيديهما الرشيد وزبيدة ليأخذهما إِلَى مَكَان الْحساب فاعترضه ملك اخر وَقَالَ إِلَى أَيْن أَنْت مَاض بهما لقد أَرْسلنِي الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ واله وَقَالَ لَا تدعهما يتقدمان مَا دمت حَاضرا لِئَلَّا يَعْتَرِينِي فيهمَا الخجل وَلَا استطيع ان أَقُول بشانهما شَيْئا لِأَنَّهُمَا حسبا أَن أَمْوَال الْمُسلمين أموالهما فحرما الْمُسْتَحقّين ونصبا نفسيهما مَكَاني وأفاقا من نومهما حيرانين ذاهلين فَقَالَ هَارُون لزبيدة مَا دهاك قَالَت رَأَيْت فِي مَنَامِي كَذَا وَكَذَا فاعتراني الْفَزع قَالَ هَارُون وَرَأَيْت مثل هَذَا فِي الْمَنَام أَيْضا ثمَّ شكر الله تَعَالَى على أَن الْبَعْث كَانَ رُؤْيا لَا حَقِيقَة
وَفِي الْيَوْم التَّالِي فتحا بَاب الخزانة وأمرا مناديا يُنَادي فِي النَّاس على الْمُسْتَحقّين أَن يحضروا لنعطي كلا من بَيت المَال نصيبة ونوفيه حَاجته وَمرَاده
فتدافع النَّاس بِكَثْرَة حَتَّى بلغ مَا قسم الرشيد من أعطيات وجرايات ثَلَاثَة الاف ألف دِينَار ثمَّ قَالَت زبيدة للرشيد إِن بَيت المَال فِي حوزتك وَأَنت الَّذِي سَوف تسئل عَنهُ فِي الاخرة لَا أَنا اعْلَم أَنَّك بإزاحة عبء بعض الْأُمُور عَن كاهلك وَالْخُرُوج من عهدتها قد أصبت تَوْفِيقًا فِي هَذَا الْأَمر ان مَا أَعْطيته الْمُسلمين لم يكن إِلَّا من أَمْوَال الْمُسلمين أما أَنا فسأعطي النَّاس من اموالي الْخَاصَّة ابْتِغَاء رضى الله وثواب الدَّار الاخرة إِنَّنِي أعلم علم الْيَقِين أَن لَا بُد من الرحيل عَن هَذَا الْعَالم وَترك النِّعْمَة والثروة وَعلي أَن أقدم بنفسي زادا من دنياي لاخرتي
وأخرجت زبيدة مَا يُسَاوِي بضعَة الاف ألف دِينَار من الْجَوَاهِر وَالْفِضَّة وَالثيَاب من
[ ١٨٤ ]
خزائنها وَقَالَت يجب أَن ينْفق هَذَا كُله فِي سبل الْخَيْر ليظل أَثَره وَدُعَاء النَّاس بِالْخَيرِ يترى إِلَى يَوْم الدّين
وَأمرت زبيدة بِحَفر الابار الْكَبِيرَة الواسعة وَإِقَامَة الأحواض وصهاريج المَاء فِي كل مرحلة من المراحل الممتدة على طَرِيق الْحَج من الْكُوفَة إِلَى مَكَّة وَالْمَدينَة على أَن تبنى جَمِيعهَا من قمتها إِلَى قاعها بِالْحجرِ والاجر المشوي والجص والملاط لتوفير الْمِيَاه للحجيج فِي الصَّحرَاء الَّتِي كَانَ يَمُوت فِيهَا سنويا الاف الْحجَّاج عطشا
وخفرت الابار وأقيمت الأحواض والصهاريج وَزَاد مَعَ ذَلِك كثير من المَال فامرت زبيدة بتحصين الثغور والقلاع وَشِرَاء الأسلحة وَالْخَيْل والسهام للغزاة وَعدد من الضّيَاع والأملاك ليَكُون فِي كل حصن وقلعة من الطَّعَام والعلف والخيول مَا يَكْفِي عِنْد الضَّرُورَة ألف غاز أَو أَلفَيْنِ سنة كَامِلَة
وزادت ثمَّة أَمْوَال ايضا بنيت بهَا بامر زبيدة مَدِينَة مسورة بسور منيع من جهاتها الْأَرْبَع على حُدُود كاشغر وبلور وشنكان أطلق عَلَيْهَا اسْم بذخشان مَا زَالَت قَائِمَة وعامرة إِلَى الْيَوْم وأقيم حصن اخر قبالة راشت وفامر على حُدُود ختلان باسم واشجرد مَا زَالَ قَائِما عَامِرًا أَيْضا وَمَا زَالَت خيوله ومخازن أسلحته بَاقِيَة على حَالهَا وانشىء على هَذَا النَّحْو رِبَاط بمساحة
[ ١٨٥ ]
مَدِينَة حَصِينَة فِي أسفيجاب مَا زَالَ قَائِما عَامِرًا وَمن الْحُصُون الَّتِي بنيت أَيْضا حصن على طَرِيق خوارزم باسم فراوة وثان فِي دربند واخر فِي الاسكندرية وَعشرَة أُخْرَى كل وَاحِد مِنْهَا كالمدينة وعَلى الرغم من كل هَذَا الْعمرَان فقد زَادَت أَمْوَال أُخْرَى أمرت زبيدة بتوزيعها على الْمَسَاكِين والمجاورين فِي مَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس