كَانَ فِي مَدِينَة مرو الروذ رجل يدعى الْحَاج الرئيس وَكَانَ محتشما مَشْهُورا وَذَا نعْمَة وضياع ومستغلات كَثِيرَة وَلم يكن بخراسان فِي زَمَانه من هُوَ أشهر مِنْهُ وأقدر خدم السلطانين مَحْمُودًا ومسعودا وَقد كُنَّا رايناه لقد زاول فِي فتوته وشبابه ضروب الاستبداد والوحشية والتعذيب والشدة فِي تَحْصِيل الْأَمْوَال وابتزاها والمطالبة بهَا وتشتيت شَمل العائلات فَلم يكن ثمَّة أقسى وَأكْثر طيشا واستخفافا مِنْهُ غير أَنه صَحا من سباته فِي نِهَايَة الْأَمر فَكف عَن التسلط على النَّاس وإيذائهم وتحول إِلَى فعل الْخَيْر من مثل مواساة الْفُقَرَاء وإنشاء القناطر ومحطات الإستراحة على الطرقات ثمَّ حرر كثيرا
[ ١٨٨ ]
من العبيد وسدد دُيُون المفلسين والمعدمين وكسا الْيَتَامَى واعان الْحجَّاج والغزاة وبتى مَسْجِدا جَامعا فِي مدينته كَمَا أنشأ مَسْجِدا جَامعا عَظِيما بنيسابور وَبعد أَن قدم كثيرا من أَعمال الْخَيْر مضى لأَدَاء فَرِيضَة الْحَج فِي أَيَّام الْأَمِير جغري ﵀
وَلما وصل إِلَى بَغْدَاد أَقَامَ بهَا حوالي شهر وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاء خرج من الْمنزل يَوْمًا فَرَأى فِي ممر بِالسوقِ كَلْبا شَدِيد الجرب وَقد تساقط شعره كُله عَن جِسْمه وأعياه الْأَلَم وَأَقْعَدَهُ تألم الرجل لحَال الْكَلْب وَقَالَ إِنَّه ذُو روح أَيْضا وَمن مخلوقات الله ﷿ ثمَّ قَالَ لخادم لَهُ اذْهَبْ وأحضر منوي خبز ورسنا ووقف فِي مَكَانَهُ إِلَى أَن جَاءَهُ الْخَادِم بِمَا أَرَادَ فَأخذ يفتت الْخبز بِيَدِهِ ويلقي بِهِ أَمَام الْكَلْب إِلَى أَن أشبعه وأمنه وانذاك وضع الرسن فِي عُنُقه وَسلمهُ إِلَى الْخَادِم وَقَالَ خُذْهُ إِلَى الْبَيْت الَّذِي ننزل فِيهِ وَعَاد من السُّوق فَوْرًا
وَلما وصل ألى الْبَيْت أَمر بشرَاء ثَلَاثَة منوات دهن وإذابتها على النَّار وإتيانه بهَا حَالا ثمَّ تنَاول قَضِيبًا خشبيا لف على رَأسه قِطْعَة قماش قديمَة وصوفا ونهض من مَكَانَهُ واقترب من الْكَلْب وَأخذ يغط الْقَضِيب بالوعاء الَّذِي فِيهِ الدّهن الْمُذَاب ويدهن جلد الْكَلْب بِيَدِهِ إِلَى أَن أَتَى عَلَيْهِ كُله ثمَّ قَالَ لخادم لَهُ لست باكثر وقار مني لَيْسَ بعائبي مَا قُمْت بِهِ وَيَنْبَغِي إِلَّا يعيبك وَأَنت خادمي أَيْضا أريدك أَن تدق مسمارا فِي الْحَائِط ترْبط بِهِ الْكَلْب وَأَن تقدم لَهُ منوي خبز يوميا الأول صباحا والاخر مسَاء وَأَن تدهن جلده بالدهن الْمُذَاب الْحَار مرَّتَيْنِ فِي الْيَوْم وتطعمه مَا يتبقى على السفرة من الْعظم وفتات الْخبز إِلَى أَن تتحسن حَاله وَشرع الْخَادِم بتنفيذ مَا أمره بِهِ سَيّده وَبعد أسبوعين إِذا الْكَلْب يَنْسَلِخ عَنهُ الجرب وينبت الشّعْر فِي جلده ويسمن جيدا وتتحسن حَاله بِحَيْثُ لم يعد سهلا إِخْرَاجه حَتَّى بالعصا من ذَلِك الْبَيْت
وَمضى الْحَاج الرئيس بالقافلة فَأدى فَرِيضَة الْحَج وَأنْفق فِي تِلْكَ الطَّرِيق مَالا كثيرا ثمَّ عَاد إِلَى مرو الروذ الَّتِي توفّي فِيهَا بعد سنوات وَبعد انْقِضَاء مُدَّة على وَفَاته رَاه اُحْدُ الزهاد فِي الْمَنَام على براق والحور الغلمان من خَلفه وامامه وَمن على يَمِينه ويساره يسوقونه ببطء فرحين ضاحكين فِي رَوْضَة من رياض الْجنَّة فهرع نَحوه وَسلم عَلَيْهِ فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا ان شدّ إِلَيْهِ عنَاق الْبراق ورد على الزَّاهِد السَّلَام فَسَأَلَهُ الزَّاهِد يَا فلَان
[ ١٨٩ ]
لقد كنت فِي بَدْء حياتك رجلا مُؤْذِيًا للنَّاس غير رَحِيم بهم متطولا عَلَيْهِم لكنك لما أَفَقْت من سباتك كَفَفْت عَن إيذائهم وَعدلت عَن سيرتك الأولى حَتَّى ان مَا قُمْت بِهِ من عمل الْخَيْر وبذل الصَّدقَات وإنفاق الْأَمْوَال على الْمُسْتَحقّين لم يقم بِهِ أحد فضلا عَن أدائك فَرِيضَة الْحَج قل لي بِأَيّ عمل بلغت الدرجَة الَّتِي أَنْت فِيهَا الان فَقَالَ أَيهَا الزَّاهِد لقد عجبت فِي أَمر الله تَعَالَى وَمن الْأَفْضَل أَن تعْتَبر أَنْت ايضا وَلَا تتكىء على الطَّاعَة وتغتر بِالْعبَادَة كثيرا اعْلَم أَن مَكَاني كَانَ معدا فِي جَهَنَّم للمعاصي الَّتِي كنت أرتكبها فِي شَبَابِي وَأَن لم تكن ثمَّة فَائِدَة لما قدمت من طَاعَة وأنفقت من خيرات بعد ذَلِك وان كل صَلَاتي وصومي قد رميت فِي وَجْهي وَأَنا فِي النزع الْأَخير وان الطَّاعَات وَالصَّدقَات والخيرات والمساجد والماوي والجسور وَأَدَاء فَرِيضَة الْحَج ذهبت كلهَا هباء منثورا وَأَن الياس بلغ بِي حدا قطعت مَعَه الأمل فِي الْجنَّة وايقنت أَن لَا بُد من عَذَاب النَّار والأصوات تتهادى إِلَى سَمْعِي ان لقد كنت كَلْبا من كلاب الدُّنْيَا لكننا غفرنا لَك ومحونا عَنْك جَمِيع مَعَاصِيك فأدخلناك الْجنَّة وحرمنا عَلَيْك النَّار بإحسانك إِلَى كلب خلعت لَهُ عَنْك رِدَاء الْكبر وَرَحمته وترفقت بِهِ ثمَّ رَأَيْت ملائك الرَّحْمَة اتين مُسْرِعين كالبرق فخلصوني من ايدي مَلَائِكَة الْعَذَاب ومضوا بِي إِلَى الْجنَّة ان ذَلِك الْعَمَل هُوَ الوحيد الَّذِي انتشلني من بَين طاعاتي كلهَا من حَال الشَّقَاء تِلْكَ
لقد ذكرت هَذِه الْحِكَايَة ليعلم سيد الْعَالم خلد الله ملكه أَن الْإِحْسَان خصْلَة جَيِّدَة حميدة فَفِي إِحْسَان مُوسَى ﵇ إِلَى الشَّاة والحاج الرئيس إِلَى الْكَلْب نالا مَا نالا من دَرَجَات فِي الدُّنْيَا والاخرة من هُنَا يعرف إِذن ثَوَاب الله ﷿ لمن يحسن إِلَى مُسلم معوز وَيَأْخُذ بِيَدِهِ ولخشية ملك الزَّمَان ربه وتقديرة عواقب الْأُمُور فَمَا كَانَ إِلَّا عادلا فِي كل حَال وَمَا كَانَ الْعَادِل إِلَّا محسنا وكريما وَإِن يكن الْملك على هَذَا النَّحْو فَإِن جَمِيع عماله وأفراد جَيْشه يتبعُون منواله ويقتدرون بِهِ وَلَا جرم من أَن ينعم خلق الله ويجنوا ثَمَرَات هَذَا فِي الدُّنْيَا والاخرة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
كَانَ من عَادَة الْمُلُوك اليقظين أَن يرعوا حُرْمَة المسنين المجربين جَوَاب الافاق وَأَن يتعهدوا الماهرين فِي الْأَعْمَال والعارفين بشؤون الْحَرْب بِأَن يجْعَلُوا لكل مِنْهُم مقَاما ومنزلة أثيرة لديهم لقد كَانُوا يتدبرون مَعَ الْحُكَمَاء والمسنين الَّذين طوفوا الافاق الْأُمُور الَّتِي ترتبط بشؤون المملكة ومصالحها وعمرانها وأبنيتها الرفيعة والأمور الَّتِي تتصل بترقية
[ ١٩٠ ]
هَذَا وتنحية ذَاك وَإِقَامَة علاقات مَعَ الاخرين والتعرف إِلَى أَحْوَال المملكة والتحقق من أُمُور الدّين وأمثالها وَكَانُوا إِذا مَا جد طارىء عدواني وحربي يتخذون التدابير كلهَا مَعَ من مارسوا الحروب وَلَهُم فِيهَا خبرات وتجارب كَثِيرَة فَيَأْتِي الْأَمر وفَاقا للهدف المرسوم وَكَانُوا إِذا مَا نشبت الْحَرْب يرسلون إِلَيْهَا من خَاضَ غمار المعارك الْكَثِيرَة وَهزمَ الجيوش العديدة واحتل القلاع وذاع اسْمه فِي الْعَالم باسم الرجل الشجاع وَكَانُوا على الرغم من كل هَذَا يرسلون شخصا مسنا مِمَّن جابوا الْبِلَاد وَمن ذَوي الخبرات لتجنب الْوُقُوع فِي الْخَطَأ لَكِن من يحدث الان انه إِذا مَا طَرَأَ طارىء ينْدب لَهُ من لَا خبْرَة لَهُم من الْأَطْفَال والسباب المبتدئين وَمن هُنَا يبرز الْخَطَأ أَنه لمن الصَّوَاب درءا للأخطار أَن تتَّخذ الاحتياطات والمحاذير الكافية فِي هَذَا الْمَوْضُوع دَائِما