لما عقد السُّلْطَان الشَّهِيد الْعَزْم على التَّوَجُّه إِلَى مَا وَرَاء النَّهر وسمرقند لشق
[ ١٣٤ ]
خَان سَمَرْقَنْد شمس الْملك عَصا الطَّاعَة عَلَيْهِ استدعى الْجَيْش وأوفد إِلَى شمس الْملك نصر بن إِبْرَاهِيم رَسُولا أوفدت أَنا دانشمند الأشتر أَو الْفَقِيه الأشتر مَعَ رَسُول السُّلْطَان ليطلعني على مَا سيجري ويأتيني بِخَبَرِهِ
وَبلغ رَسُول السُّلْطَان رسَالَته إِلَى شمس الْملك فَأرْسل رَسُوله مَعَ رَسُول سلطاننا إِلَيْهِ وَمِمَّا جرى بِهِ الْعرف أَن يمثل الرَّسُول بَين يَدي السُّلْطَان وَيسلم الرسَالَة وينقل مَا كلف بنقله من أَخْبَار ثمَّ ينزل بِالْمَكَانِ الَّذِي أعد لَهُ وَجَرت الْعَادة أَيْضا أَن الرُّسُل كَانُوا يدْخلُونَ على الْوَزير بَين الْحِين والحين يَلْتَمِسُونَ إِلَيْهِ أَن ينْقل إِلَى السُّلْطَان قبل عودتهم مَا لم يتمكنوا من نَقله إِلَيْهِ مشافهة وَحدث أنني كنت فِي منزلي أَلعَب الشطرنج مَعَ نفر من جلسائي فتغلبت على أحدهم وَأخذت خَاتمه رهينة وَلما كَانَ الْخَاتم أوسع من أَصَابِع يَدي الْيُسْرَى وَضعته فِي إِحْدَى أَصَابِع يَدي الْيُمْنَى وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاء قيل لي رَسُول أَمِير سَمَرْقَنْد بِالْبَابِ قلت أدخلوه وَأمرت بِرَفْع الشطرنج فَلَمَّا دخل وَجلسَ وَشرع فِي عرض مَا كَانَ يُرِيد قَوْله وَأَنا أعبث بالخاتم وأتنقل بِهِ فِي إصبعي وَقعت عَيناهُ على الْخَاتم وإصبعي مَعًا وَلما أنهى حَدِيثه نَهَضَ وَانْصَرف ثمَّ أَمر السُّلْطَان بِإِعَادَة رَسُول الْأَمِير وإيفاد رَسُول اخر من لَدنه يَأْتِيهِ بِالْجَوَابِ وَأرْسلت دانشمند الأشتر وَكَانَ ذكيا مَعَ رَسُول السُّلْطَان هَذِه الْمرة أَيْضا لما وصل الرسولان إِلَى سَمَرْقَنْد ومثلا بَين يَدي شمس الْملك سَأَلَ رَسُوله كَيفَ ألفيت السُّلْطَان ألب أرسلان رَأيا ومظهرا وَعَملا وَكم عدد جَيْشه ومعداته وأسلحته ووسائله وَكَيف وجدت تَرْتِيب الْقصر والبلاط والديوان وَقَاعِدَة المملكة قَالَ الرَّسُول إِن السُّلْطَان لَا ينقصهُ شَيْء من حَيْثُ اللياقة والمنظر والرجولة والسياسة والهيبة وإنفاذ الحكم وَالْأَمر فَأَما جَيْشه فَلَا يعلم عدده سوى الله وَحده أما
[ ١٣٥ ]
عدده وآلاته وأسلحته فَحدث وَلَا حرج وَأما تنظيم الْقصر والديوان والمجلس والبلاد فعلى أحسن شكل وأجمله إِن مَمْلَكَته لَيست فِي حَاجَة إِلَى أَي شَيْء اللَّهُمَّ إِلَّا أَن فِيهَا عَيْبا وَاحِدًا لولاه لكَانَتْ كَامِلَة فِي كل شَيْء قَالَ شمس الْملك وَمَا ذَلِك الْعَيْب قَالَ الرَّسُول ان وَزِير السُّلْطَان رَافِضِي قَالَ شمس الْملك وَكَيف عرفت أَنه رَافِضِي قَالَ لقد ذهبت إِلَى منزله عِنْد صَلَاة الظّهْر يَوْمًا لأقول لَهُ شَيْئا فرأيته يعبث بِخَاتم فِي اصبع يَده الْيُمْنَى وَهُوَ يحدثني
فَكتب إِلَيّ دانشمند الأشتر توا اعْلَم أَنه قيل عَنْك كَذَا وَكَذَا أَمَام شمس الْملك على لِسَان رَسُوله فذعرت جدا خوفًا من السُّلْطَان وَقلت الشَّافِعِيَّة عَار فِي رَأْي السُّلْطَان وَهُوَ يؤنبني على هَذَا ويلومني فِي كل حِين ان يتناهى إِلَى سَمعه مَا جرى من حَدِيث عني أَمَام أَمِير سَمَرْقَنْد وَهُوَ أَن الجكليين نسبوني إِلَى الرافضة فسيضع خَاتِمَة لحياتي وَكَانَ من هَذَا أَن أنفقت دونما ذَنْب ثَلَاثِينَ ألف دِينَار طَوْعًا وبذلت هَدَايَا وهبات وأعطيات كَثِيرَة حَتَّى لَا يصل هَذَا الْكَلَام إِلَى سمع السُّلْطَان
لقد ذكرت هَذَا لأبين أَن أَكثر الرُّسُل متسقطو عُيُوب يركزون على مَا فِي بلاط الْملك ومملكته من عُيُوب وفضائل ليفيدوا مِنْهَا وينفذوا من خلالها إِلَى الطعْن على الْمُلُوك وتثريبهم فِي فرص أُخْرَى لهَذَا السَّبَب وجدنَا الْمُلُوك الأذكياء اليقظين يهتمون بتهذيب أنفسهم ويتحلون بالأخلاق الْحَسَنَة ويسيرون فِي النَّاس سيرة حميدة وَيُوَلُّونَ المناصب والأعمال للأكفاء واللائقين والمتدينين لِئَلَّا يكون لأحد عَلَيْهِم أَي عيب أَو مطْعن
وَيَنْبَغِي أَن يكون الرَّسُول مِمَّن خدموا الْمُلُوك وَمن الشجعان فِي القَوْل وَمِمَّنْ سافروا كثيرا وطوفوا فِي الْبلدَانِ والاخذين من كل علم بِطرف وَذَوي الحافظة وَبعد النّظر وَأَصْحَاب القامات والأشكال الجميلة ويفضل من كَانَ كَبِير السن عَالما وَإِذا مَا أسندت هَذِه المهمة إِلَى أحد الندماء فَإِن الِاعْتِمَاد يكون أَكثر
وَمن الصَّوَاب جدا أَن يكون الرَّسُول تَامّ الرجولة شجاعا عَارِفًا باداب السِّلَاح والفروسية والطعان ليبرهن للمرسل إِلَيْهِم أَن رجالنا كلهم من هَذَا الضَّرْب
ويفضل أَيْضا أَن يكون الرَّسُول من الْأَشْرَاف ليحترمه الاخرون كثيرا
[ ١٣٦ ]
ويتجنبوا الْإِسَاءَة إِلَيْهِ وَألا يكون من معاقري الْخمر والمزاحين والمقامرين والثرثارين والمغمورين ومنذ زمن بعيد والملوك يوفدون الرُّسُل محملين بالهدايا والنفائس الْكَثِيرَة يطْلبُونَ صلحا أَو يظهرون عَجزا وضعفا ولينا ومكرا واحتيالا ثمَّ يرسلون الجيوش المجهزة والمحاربين فِي أَثَرهم فيحملون على الْخُصُوم وينتصرون عَلَيْهِم
إِن سيرة الرَّسُول وحكمته وفصاحة رَأْيه لدَلِيل على سيرة الْملك وحكمته ورأيه وعظمته
[ ١٣٧ ]