لما تولى السُّلْطَان مَحْمُود السلطنة طلب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَادِر بِاللَّه أَن يمنحه لقبا فمنحه لقب يَمِين الدولة وَبعد أَن استولى مَحْمُود على ولايتي نيمروز وخراسان وعَلى مدن وولايات لَا حد لَهَا فِي الْهِنْد اذ وصل إِلَى سومنات وجلب مَعَه مَنَاة كَمَا استولى على سَمَرْقَنْد وخوارزم ثمَّ مضى ألى قوستان الْعرَاق ثمَّ استولى على الرّيّ وأصفهان وهمدان وطبرستان بعد كل هَذَا أرسل إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ رَسُولا محملًا بالهدايا والتحف الْكَثِيرَة يطْلب إِلَيْهِ مزيدا من الألقاب لَكِن الْخَلِيفَة لم يجبهُ إِلَى طلبه وَيُقَال أَنه أَي مَحْمُود بعث رَسُوله بالهدايا إِلَيْهِ أَكثر من عشرات مَرَّات دون جدوى لَكِن الْخَلِيفَة منح خاقَان سَمَرْقَنْد ثَلَاثَة ألقاب ظهير الدولة ومعين خَليفَة الله وَملك الشرق والصين فغبطه مَحْمُود عَلَيْهِ وأخذته الْغيرَة فَأرْسل رَسُوله إِلَى الْخَلِيفَة مرّة أُخْرَى وَقَالَ لقد فتحت فِي بِلَاد الْكفْر الْفتُوح ووطدت عز الْإِسْلَام فِي الْهِنْد وخرسان وَالْعراق واستوليت على مَا وَرَاء النَّهر وَكنت أُحَارب بِالسَّيْفِ بِاسْمِك ان الخاقان وَهُوَ الان من مطيعي وعمالي يمنح ثَلَاثَة ألقاب فِي حِين أمنح أَنا لقبا وَاحِدًا بعد كثير من الْهَدَايَا والالتماسات فَأَجَابَهُ الْخَلِيفَة اللقب تشريف للرجل يزْدَاد بِهِ شرفا ويعرفه بِهِ الْمَلأ أَيْضا اعْلَم أَن للنَّاس أَسمَاء وَضعهَا لَهُم اباؤهم وأمهاتهم وكنى وضعوها هم لانفسهم وألقابا يمنحها الْملك إيَّاهُم وَأَن مَا زَاد على هَذِه الثَّلَاثَة حَشْو وباطل وَكذب والعاقل لَا ينطلي عَلَيْهِ الْبَاطِل والمحال ان النَّاس يدعونَ الْإِنْسَان باسمه فِي صغرة وَهَذَا مَا يُرْضِي وَالِديهِ لِأَنَّهُمَا هما اللَّذَان اختارا لَهُ هَذَا الِاسْم لكنه مَا أَن يصير رجلا يُمَيّز الْحسن من الْقَبِيح جيدا حَتَّى يخْتَار بِوَحْي عقله وفكره وَعلمه كنية لنَفسِهِ وكما قيل الكنى بالمنى وَمن ثمَّ يَدعُوهُ النَّاس تَعْظِيمًا لَهُ بالكنية الَّتِي اخْتَارَهَا ليفرح بِهَذَا وَيسر
[ ١٩٢ ]
فَإِذا مَا أبدى امْرُؤ لياقة ومهارة فِي المملكة وَالْأمة فَإِن الْملك يمنحه لقبا على سَبِيل التشريف على قدره يظهره على أقرانه وَيجْعَل لَهُ فضلا عَلَيْهِم فَيكون من يمنحه الْملك أَو الْخَلِيفَة لقبا أفضل مِمَّا منحه إِيَّاه وَالِده وَمِمَّا اخْتَار هُوَ لنَفسِهِ وَمن ثمَّ يَدعُوهُ النَّاس بِمَا خلعه عَلَيْهِ الْملك وَذَلِكَ هُوَ اللقب
إِن كل مَا يتخطى هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة من ألقاب لَيْسَ سوى لقب حسب ان الخاقان لقَلِيل علمه وَهُوَ تركي من أُمَرَاء الْأَطْرَاف وَلَقَد أجبناه لطلبته لقلَّة علمه ورعاية لشرفه أما أَنْت فلعلى معرفَة بِكُل علم وَمنا قريب إِن رَأينَا فِيك وثقتنا بك واعتمادنا عَلَيْك وتيقننا من تدينك لأَفْضَل وَأَرْفَع وَأكْثر من أَن تطلب إِلَيْنَا لقبا يحري على أَلْسِنَة النَّاس ويسطر فِي كتاب أَو أَن تتَوَقَّع مَا يتوقعه قليلو الْمعرفَة وَالْعلم
وَأسْقط بيد مَحْمُود لما سمع هَذَا الْجَواب غير انه كَانَ ثمَّة امراة تركية الأَصْل تقْرَأ تكْتب تعرف اللُّغَة حلوة الحَدِيث وَكَانَت هَذِه الْمَرْأَة تؤم قصر مَحْمُود دَائِما تَتَحَدَّث إِلَيْهِ وتطايبه وتمازحه وتعاشره وتقرأ بَين يَدَيْهِ كتبا وحكايات فارسية وَكَانَت جريئة مَعَه إِلَى أبعد مدى فَفِي حِين كَانَت تجالسه يَوْمًا وتطايبه قَالَ لَهَا لقد جهدت كثيرا فِي أَن يزِيد الْخَلِيفَة فِي لقبي لكنه لم يفعل على حِين ان للخاقان وَهُوَ من مسخري عدَّة ألقاب وَلَيْسَ لي سوى لقب وَاحِد لَو أَن شخصا يَسْتَطِيع سَرقَة عهد الْخَلِيفَة إِلَى الخاقان أَو الْحُصُول عَلَيْهِ بطريقة من الطّرق ويأتيني بِهِ لأعطيته مَا يُرِيد قَالَت الْمَرْأَة يَا مولَايَ أَنا الَّذِي سأذهب وأحضر الْعَهْد على أَن تُعْطِينِي مَا أُرِيد قَالَ مَحْمُود لَك هَذَا قَالَت الْمَرْأَة لَيْسَ لدي من المَال مَا أفديه لتحقييق رَغْبَة مولَايَ ان تجْعَل لي مدَدا من الخزينة فإمَّا أَن أضحي بروحي فِي سَبِيل هَذَا الْأَمر وأقضي دونه وَإِمَّا أَن أحقق مُرَاد مولَايَ قَالَ اطلبي مَا تشائين ثمَّ أَعْطَاهَا مَا طلبت من المَال والثروة والجواهر والملابس والأنعام والتحف والهدايا ومؤونة الطَّرِيق
واصطحبت الْمَرْأَة ابْنهَا الَّذِي كَانَ فِي الرَّابِعَة عشرَة من عمره وَالَّذِي كَانَت عهِدت بِهِ إِلَى مؤدب لتأديبه وتعليمه وَمَضَت من غزنين إِلَى كاشغر حَيْثُ اشترت عددا من الغلمان التّرْك والجواري وَأَشْيَاء كَثِيرَة من التحف والمسك وَالْحَرِير والطرقو وامثالها
[ ١٩٣ ]
مِمَّا كَانَ يُؤْتى بِهِ من خطا والصين ثمَّ مَضَت فِي صُحْبَة التُّجَّار إِلَى أوزجند وَمِنْهَا إِلَى سَمَرْقَنْد وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام ذهبت للسلام على الخاتون جَارِيَة تركية اية فِي الْجمال تحمل إِلَيْهَا أَشْيَاء كَثِيرَة من تحف الصين وخطا ثمَّ قَالَت لَهَا كَانَ لي زوج تَاجر يجوب الْعَالم ويصحبني مَعَه وَلَقَد كَانَ يَنْوِي الذّهاب إِلَى خطا لكنه لما وصل إِلَى ختن أسلم فِيهَا الرّوح حِينَئِذٍ عدت من هُنَاكَ وَجئْت إِلَى كاشغر وحملت معي هَدِيَّة إِلَى خانها أميرها فقابلت خاتونه زوجه وَقلت لَهَا كَانَ زَوجي اُحْدُ خدم الخاقان الْأَجَل وَكنت أَنا جَارِيَة خاتون خاقاني لكنهما أعتقاني وزوجاني من ذَلِك الرجل الَّذِي أنجبت مِنْهُ هَذَا الصَّبِي وَزَوْجي مُقيم المثوى فِي ختن حَيْثُ الْتحق بالرفيق الْأَعْلَى ان هَذَا الْقدر الَّذِي خَلفه بعده لَيْسَ سوى مَا وهبه إِيَّاه الخاقان الْأَجَل والخاتون أما الان فإنني لأتطلع إِلَى عدل الخاقان الْأَجَل وعلو همته بِأَن يشملني وَهَذَا الْيَتِيم بعطفه ورعايته فيأمر بإرسالنا مَعَ دَلِيل جيد إِلَى جَانب أوزجند وسمرقند وسوف نظل نلهج بمدحكم وَالثنَاء عَلَيْكُم وَالدُّعَاء لكم مَا حيينا
لقد قَالَ لنا خَان كاشغر وَزَوْجَة قولا كَرِيمًا واكرما وفادتنا وودعانا وكتبا رِسَالَة إِلَى خَان أوزجند ليحسن معاملتنا ويرسلنا فِي صُحْبَة حميدة إِلَى سَمَرْقَنْد وَهَا نَحن أَولا نحل عقد رحالنا الان بسمرقند فِي ظلّ دولتكم ومنعتكم حَيْثُ لَا عدل الْيَوْم مثل عدلكم فِي الْعَالم كُله وَلَا إنصاف مثل إنصافكم فَلَقَد كَانَ زَوجي يَقُول دَائِما إِن ييتح لي الْوُصُول إِلَى سَمَرْقَنْد فَلَنْ أبرحها أبدا لقد جَاءَ بِي اسمكم وشهرتكم إِلَى هُنَا فَإِن تروا أَن فِي مصلحتكم قبولي وإحاطتي بعنايتكم وعطفكم أحط الرّحال هُنَا ثمَّ أبيع مَا لدي من اشياء وأشتري بهَا منزلا وضيعة بِالْقدرِ الَّذِي يُؤمن لنا قوتنا وأقوم على خدمتكم واربي هَذَا الصَّبِي الَّذِي امل أَن يَهبهُ الله ﷿ ببركاتكم السَّعَادَة والتوفيق فَقَالَت الخاتون لَهَا لَا تقلقي فَلَنْ الو جهدا فِي إكرامك وَالْإِحْسَان إِلَيْك والاحتفاظ بك ساجعل لَك منزلا وَرِزْقًا على النَّحْو الَّذِي ترغبين وَلنْ أدعك تعزبين عني لَحْظَة وساطلب إِلَى الخاقان أَن يقْضِي لَك كل مَا تطلبين تحتاجين إِلَيْهِ
[ ١٩٤ ]
وَقبلت السيدة الأَرْض بَين يَدي الخاتون وَقَالَت أَنْت الان مولاتي وَلَا أعرف أحدا سواك أَرْجُو أَن تسعي لي لَدَى الخاقان الْأَجَل وتقدميني إِلَيْهِ لأطلعه على حَالي فَأَسْمع رَأْي مولَايَ الخاقان ايضا قَالَت الخاتون ساقدمك إِلَيْهِ فِي أَي وَقت ترغبين فَقَالَ الْمَرْأَة أود المثول بَين يَدَيْهِ غَدا قَالَت الخاتون وَهُوَ كَذَلِك
وَفِي الْيَوْم التَّالِي مَضَت الْمَرْأَة إِلَى قصر الخاتون وَلما عَاد الخاقان من البلاط وَعرضت عَلَيْهِ الخاتون حَال الْمَرْأَة أَمر بإحضارها إِلَيْهِ وجييء بهَا فَقبلت الأَرْض بَين يَدَيْهِ وقدمت إِلَيْهِ غُلَاما تركيا وجوادا جميلا وَأَشْيَاء من تحف محتلفة هَدِيَّة وَقَالَت لقد عرضت على الخاتون بعض حَالي وباختصار فَإِنَّهُ لما مَاتَ زَوجي أَطَالَ الله بَقَاء مولَايَ قَالَ لي شَرِيكه بشأن مَا كُنَّا نحمله من بضائع إِلَى خطا يَنْبَغِي إِلَّا نعيده وَمضى بِهِ إِلَيْهَا أما مَا تبقى فَأخذ خَان الصين بعضه وأعطينا خَان كاشغر بعضه وأنفقنا نَحن قسما فِي الطَّرِيق ومجمل القَوْل أَنه لم يبْق لي من كل ذَلِك سوى بضع تحف وأنعام مَعْدُودَة وَهَذَا الْيَتِيم أَلا يقبلني الخاقان الْأَجَل جَارِيَة لَهُ مِثْلَمَا قبلتني الخاتون الْعَظِيمَة لأقضي بَاقِي عمري فِي هَذِه الْخدمَة الجليلة فخاطبها الخاقان بأدب جم ورد عَلَيْهَا ردا جميلا وَأجَاب طلبتها
وَأخذت الْمَرْأَة بعد ذَلِك تهدي الخاتون كلما ذهبت إِلَيْهَا كل يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة خاتمين من لَعَلَّ أَو فيروزج أَو مقنعة مقصبة أَو تحفة ثمينة قيمَة وتقص عَلَيْهَا حكايات وأساطير شيقة حَتَّى أَن الخاقان والخاتون لم يعودا يحتملان يَوْمًا وَاحِدًا دونهَا لقد أخجلتهما برفضها مَا عرضاه عَلَيْهَا من قَرْيَة وضيعة خَاصَّة وَكَانَت الْمَرْأَة تركب كل بضعَة أَيَّام من السراي الَّذِي أنزلاها فِيهِ وتمضي إِلَى الْقرى الْمُجَاورَة الَّتِي تبعد ثَلَاثَة أَو اربعة أَو خَمْسَة فراسخ عَن الْمَدِينَة بِحجَّة إِنَّنِي أَشْتَرِي ضَيْعَة وتقيم هُنَاكَ ثَلَاثَة أَو اربعة أَيَّام ثمَّ تعود إِلَى الْمَدِينَة دون أَن تشتري عائبة الضَّيْعَة مصطنعة الْأَعْذَار
وَلما أرسل الخاقان فِي طلبَهَا يستفسران لماذا قاطعتنا وَلم تأت إِلَيْنَا فأجيبا بِأَنَّهَا ذهبت مُنْذُ يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة لشراء ملك فِي الْقرْيَة كَذَا فَرحا جدا وَقَالا لقد أَلْقَت عَصا الترحال هُنَا وقضت سِتَّة أشهر فِي خدمتهما على هَذَا النَّحْو أخْبرتهَا الخاتون فِي خلالها عدَّة مَرَّات ان الخاقان يَقُول لي دَائِما انه ليعتريني الخجل حِين أَرَاهَا أَي أَنْت فقد أدَّت لنا خدمات جلى وَكَانَت تَأْتِينَا بالتحف والهدايا كل بضعَة أَيَّام فِي حِين أَنَّهَا لم تقبل شَيْئا مِمَّا عرضنَا عَلَيْهَا انني لم أر امْرَأَة بِهَذِهِ الطّيبَة قطّ مَا الَّذِي
[ ١٩٥ ]
يَنْبَغِي أَن نفعله نَحْوهَا أما أَنا فَأكْثر خجلا مِنْهُ بِأَلف مرّة أما الْمَرْأَة فَكَانَت تَقول لَيْسَ ثمَّة نعْمَة أحسن عِنْدِي من رُؤْيَة مولَايَ ومولاتي اللَّذين جعل الله ﷿ رِزْقِي عَلَيْهِمَا إِنَّنِي لن أتردد فِي طلب أَي شَيْء إِذا مَا احتجت إِلَيْهِ وراحت تعلف الْخُيُول جيدا لتسمينها واعطت سرا مَا كَانَ لَدَيْهَا من ذهب وجواهر ومفروشات وألبسة تَاجِرًا كَانَ يتَرَدَّد بَين غزنين وسمرقند فِي تِجَارَة لَهُ ثمَّ أرْسلت خَمْسَة خيالة على خَمْسَة جِيَاد اصيلة باتجاه طَرِيق بَلخ وترمذ وَقَالَت لَهُم أُرِيد من كل وَاحِد مِنْكُم أَن يتَوَقَّف بجواده فِي منزل من منَازِل الطَّرِيق إِلَى أَن أصل إِلَيْهِ ثمَّ مَضَت إِلَى الخاتون وَقد كَانَ الخاقان يجلس مَعهَا فَبعد أَن أطرتهما وأثنت عَلَيْهِمَا مَعًا قَالَت جِئْت الْيَوْم فِي حَاجَة لَا أَدْرِي أأقولها وأطلبها أم لَا قَالَت الخاتون يَا لَهُ من عجب هَذَا الَّذِي أسمعهُ مِنْك كَانَ يَنْبَغِي أَن نَكُون قد قضينا لَك مائَة حَاجَة إِلَى الْيَوْم انْطِقِي بحاجتك قَالَت الْمَرْأَة تعلمان أنني لَا أملك فِي الدِّينَا سوى ابْن هُوَ محط امالي انني لمهتمة بتربيته جدا فقد ختم الْقُرْآن ووكلته إِلَى مؤدب أحسن تأديبه وتعليمه إِذْ قَرَأَ عَلَيْهِ كتبا ورسائل بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية واملي كَبِير فِي أَن يتاح لَهُ حَظّ حسن فِي عهد مولَايَ ومولاتي لَيْسَ ثمَّة وَثِيقَة على وَجه الْمَعْمُور بعد كتاب الله تَعَالَى وَحَدِيث رَسُوله الأكرم أعظم من عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْمُلُوك لِأَن كَاتب عهود أَمِير الْمُؤمنِينَ أفضل من جَمِيع الْكتاب وألفاظ العهود ومعانيها أحسن الْكَلَام وأعذبه أَلا يتفضل مولَايَ ومولاتي إِن يريَا ذَلِك عَليّ بالرسالة الَّتِي تعرف عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ مُدَّة ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة أَيَّام لِيَقْرَأهَا ابْني على مؤدبه بضع مَرَّات انه لكثير جدا أَن يتَعَلَّم مِنْهَا خَمْسَة أَلْفَاظ فَهِيَ كفيلة بَان تمنحه ببركاتها السَّعَادَة وَحسن الْحَظ فَقَالَا لَهَا أَي حَاجَة هَذِه الَّتِي تريدين منا لم تطلبي مَدِينَة أَو نَاحيَة لنهبك إِيَّاهَا إِنَّك لم تطلبي فِي خلال هَذِه الْمدَّة شَيْئا وتجيئين الان لتطلبي شَيْئا ملقى كخمسين مثله فِي خزانتنا وَقد تراكم عَلَيْهِ الْغُبَار وَالتُّرَاب مَا قيمَة قِطْعَة من الْوَرق إِن تريدي نمنحك الرسائل كلهَا قَالَت الْمَرْأَة بحسبي الرسَالَة الَّتِي أرسلها الْخَلِيفَة وَأمر الخاقان والخاتون أحد الخدم أَن يصحبها إِلَى الخزانة ويعطيها أَيَّة رِسَالَة تُرِيدُ
وَذَهَبت الْمَرْأَة إِلَى الخزانة فَأخذت عهد الْخَلِيفَة وَمَضَت بِهِ إِلَى منزلهَا وَفِي الْيَوْم التَّالِي أمرت بِأَن تسرج الْخُيُول وَتحمل البغال وأعلنت انني مَاضِيَة إِلَى الْقرْيَة كَذَا لشراء أَمْلَاك وسأبقى هُنَاكَ أسبوعا وَاحِدًا وغادرت توا وَنزلت بِتِلْكَ الْقرْيَة وَكَانَت الْمَرْأَة قد حصلت من قبل على وَثِيقَة مَفْتُوحَة فِيهَا يجب احترام هَذِه الْمَرْأَة وَمن مَعهَا
[ ١٩٦ ]
وإكرام وفادتهم فِي كل مَكَان يحلونَ بِهِ ويقيمون فِيهِ فِي ولايتي سَمَرْقَنْد وبخارى ويشترون هُنَاكَ الْأَمْلَاك ويؤسسون الضّيَاع وعَلى الْوُلَاة والعمال والرؤساء أَلا يتوانوا فِي بذل أَي عون مُمكن لَهُم وتوفير كل مَا يطْلبُونَ وَتَقْدِيم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْأَطْعِمَة
وَفِي منتصف احدى اللَّيَالِي تركت الْمَرْأَة الْقرْيَة إِلَى ترمذ مارة بِمَدِينَة كش على بعد ثَلَاثَة فراسخ من سَمَرْقَنْد فوصلت إِلَيْهَا بعد خَمْسَة أَيَّام وَكَانَت تعرض الْوَثِيقَة الْمَفْتُوحَة أَيْنَمَا احْتَاجَت إِلَيْهَا ثمَّ تمتطي جيادها قريرة الْعين أما الخاقان فَلم يستطلع خبر ذهابها إِلَّا بعد أَن عبرت جيحون ووصلت إِلَى بَلخ وَلم يراوده أَي شكّ حول عهد الْخَلِيفَة قطّ
وَمَضَت الْمَرْأَة من بَلخ إِلَى غزنين تحمل الْعَهْد إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود فَمَا كَانَ من مَحْمُود إِلَّا أَن أرْسلهُ بيد أحد الْعلمَاء من ذَوي الْقُدْرَة على المناظرة والجدل وَحمله عددا من الْهَدَايَا إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْقَادِر بِاللَّه ورسالة تَقول فِي حِين كَانَ أحد خدمي يتجول فِي سوق سَمَرْقَنْد مر بِمَسْجِد فِيهِ مؤدب بِيَدِهِ كتاب يعلم مِنْهُ الصّبيان فَوَقَعت عينه على عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ بَين أَيدي أَطْفَال صغَار يعبثون بِهِ فَذا يشده إِلَى طرف وَذَلِكَ إِلَى طرف اخر ويمرغونه فِي التُّرَاب لما عرف الْخَادِم الْعَهْد أَخَذته عَلَيْهِ الْغيرَة فأحضر قدرا من الزَّبِيب أعطَاهُ الْأَطْفَال وَحصل عَلَيْهِ مِنْهُم بِثمن بخس لَا يُسَاوِي الْوَرق الرُّخص ثمَّ حمله إِلَى غزنين وَقدمه إِلَيّ وهأنذا ابْعَثْ بِهِ إِلَى مولى الْعَالم ان يتفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ بِتَقْدِير هواي مَعَه وخدماتي لَهُ فيمنحني مزيدا من الألقاب فإنني سأعتز بهَا أَكثر من اعتزازي بناظري وَاجْعَلْهَا تَاج رَأْسِي واحتفظ بهَا فِي أعز مَكَان فِي بَيْتِي لقد حجب مولَايَ الألقاب عني على الرغم من طاعاتي وخدماتي وتوقعاتي ومنحها من لم يعرفوا لأوامره وخلعه وعهوده قدرهَا بل استخفوا بهَا استخفاف خاقَان سَمَرْقَنْد وأهانوا الألقاب الَّتِي منحوها
لما وصل الْعَالم إِلَى بَغْدَاد وأوصل الْهَدَايَا وَسلم الرسَالَة تملك الْخَلِيفَة الْعجب فامر بِكِتَابَة رِسَالَة عتاب إِلَى الخاقان وَمكث رَسُول مَحْمُود سِتَّة أشهر فِي قصر الْخَلِيفَة ظلّ يوافي الْقصر فِي خلالها برسائل يطْلب فِيهَا ألقابا لمحمود دون أَن يتلَقَّى جَوَابا شافيا إِلَى أَن
[ ١٩٧ ]
كتب يَوْمًا يستفتي إِذا مَا ظهر فِي طرف من أَطْرَاف الدُّنْيَا ملك يشهر سَيْفه من أجل عزة الْإِسْلَام ويحارب الْكفَّار وَالْمُشْرِكين أَعدَاء الله تَعَالَى وَرَسُوله الأكرم ويحول بيُوت الْأَوْثَان إِلَى مَسَاجِد وَيجْعَل ديار الْكفْر ديار إِسْلَام وأمير الْمُؤمنِينَ بعيد عَنهُ تفصل بَينهمَا الأمواه الْعَظِيمَة وَالْجِبَال الشاهقة والصحارى المخوفة بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع أَن يعرض كل مَا قد يحدث لَهُ على الْخَلِيفَة فِي كل حِين وَلَا يتَمَكَّن من تَنْفِيذ مطالبه وأوامره أَيْضا أفيحق لَهُ وَالْحَال هَذِه أَن ينيب عَن الْخَلِيفَة أحد الْأَشْرَاف ليرْجع إِلَيْهِ فِي الْأُمُور أم لَا ثمَّ أعْطى فتواه هَذِه شخصا يُسَلِّمهَا إِلَى قَاضِي قُضَاة بَغْدَاد يدا بيد فَبعد أَن قَرَأَهَا القَاضِي من ألفها إِلَى يائها قَالَ يحِق لَهُ ذَلِك
وَأخذ الْعَالم الْمَذْكُور نُسْخَة من فَتْوَى قَاضِي قُضَاة بَغْدَاد ووضعها مَعَ رِسَالَة كتب فِيهَا فقد طَالَتْ إقامتي بِبَغْدَاد إِن سيد الْعَالم يمْتَنع عَن منح مَحْمُود مَا يتطلع إِلَيْهِ من ألقاب على الرغم من خدماته وطاعاته الْكَثِيرَة جدا وَلَا يُحَقّق للسُّلْطَان الْغَازِي مَا يصبو إِلَيْهِ من امال بل يضايقه إِلَى هَذَا الْحَد ان يسر مَحْمُود بعد الان بِمُقْتَضى هَذِه الْفَتْوَى وَحكم الشَّرْع بِخَط قَاضِي قُضَاة بَغْدَاد نَفسه فَلَا جنَاح عَلَيْهِ فَمَا أَن قَرَأَ الْخَلِيفَة الْفَتْوَى والرسالة حَتَّى بعث إِلَى وزيره بحاجب الْحجاب حَالا بَان أدع إِلَيْك الان رَسُول مَحْمُود وأكرمه وهدىء من روعه ثمَّ أعْطه مَا أمرنَا بِهِ من خلعة ولواء ولقب اصرفه رَاضِيا مَسْرُورا
وَهَكَذَا أضيف إِلَى مَحْمُود بعد كل خدماته المرضية ومساعيه المتواصلة وهواه وذكاء رَسُوله الْعَالم لقب أَمِين الْملَّة الَّذِي ظلّ يلقب بِهِ ويلقب يَمِين الدولة طوال حَيَاته
أما الْيَوْم فَإِذا لم يكْتب لأَقل النَّاس شَأْنًا سَبْعَة أَو عشرَة ألقاب يغْضب ويسخط غير أَنه لم يكن للسامانيين الَّذين كَانُوا مُلُوك زمانهم لسنوات طَوِيلَة وحكموا بِلَاد وَرَاء النَّهر من أطرافها إِلَى أطرافها وخراسان وَالْعراق وخوارزم ونيمروز وغزنين سوى لقب وَاحِد إِذْ أطلق لقب ملك الْمُلُوك على نوح ولقب الْأَمِير السديد على وَالِده مَنْصُور والأمير الحميد على نوح وَالِد مَنْصُور والأمير الرشيد على نصر وَالِد نوح والأمير الْعَادِل على إِسْمَاعِيل بن أَحْمد والأمير الْمَاضِي فِي التواريخ وَأطلق
[ ١٩٨ ]
على أَحْمد الْأَمِير السعيد وَهَكَذَا دواليك
يجب أَن يكون اللقب مناسبا لصَاحبه كَأَن تكون ألقاب الْقُضَاة وَالْأَئِمَّة وعلماء دين الْمُصْطَفى ﵇ مثل مجد الدّين وَشرف الْإِسْلَام وَسيف السّنة وزين الشَّرِيعَة وفخر الْعلمَاء وأشباهها لِأَن الدّين وَالْإِسْلَام والشريعة وَالسّنة وَالْعلم منوطة بالعلماء وَالْأمة وعَلى الْمُلُوك وَذَوي الدِّرَايَة والمعرفة بِالْحَقِّ وَالْبَاطِل أَلا يجيزوا لمن لَيْسُوا بعلماء أَن يتلقبوا بِهَذِهِ الألقاب بل عَلَيْهِم ردع من يقدم على هَذَا ومعاقبته ليعرف كل شخص قدره ومرتبته
وَكَانَ قادة الْجَيْش والأمراء والمستقطعون والعمال يلقبون بألقاب أضيفت إِلَيْهَا لَفْظَة الدولة من مثل سيف الدولة وحسام الدولة وظهير الدولة وجمال الدولة وشمس الدولة وأمثالها أما العمداء والعمال والمتصرفون الأخيار فَكَانُوا يلقبون بألقاب أضيفت إِلَيْهَا لَفْظَة الْملك من مثل عميد الْملك ونظام الْملك وَكَمَال الْملك وَشرف الْملك وشمس الْملك وأمثالها وَلم تجر الْعَادة قطّ فِي أَن يخلع أُمَرَاء الأتراك على أنفسهم لقب خواجة لقد كَانَت الألقاب الَّتِي تُضَاف إِلَى الدّين وَالْإِسْلَام خَاصَّة بالعلماء وَالَّتِي تُضَاف ألى الدولة خَاصَّة بالأمراء وَالَّتِي تُضَاف إِلَى الْملك خَاصَّة بالخواجات أما مَا عدا هَذَا فَلم يكن يسمح لأحد بِأَن يتَّخذ لنَفسِهِ لقبا مِمَّا يتَّصل بِالدّينِ وَالْإِسْلَام بل كَانَ يُعَاقب لتَكون فِيهِ عِبْرَة لمن يعْتَبر
أَكثر مَا يكون الْغَرَض من اللقب أَن يعرف بِهِ صَاحبه هَب أَن مائَة شخص فِي مجْلِس أَو جمع مَا من بَينهم عشرَة باسم مُحَمَّد ثمَّ نُودي يَا مُحَمَّد فَإِن المحمدين جَمِيعهم يردون لبيْك لظن كل مِنْهُم أَنه هُوَ المعني لكنه إِذا مَا كَانَ لقب أحدهم الْمُخْتَص ولقب الثَّانِي الْمُوفق ولقب الثَّالِث الْكَافِي ولقب اخر الرشيد وأمثالها وَنُودِيَ من وسط المحفل يَا أَيهَا الْكَامِل أَو الْمُوفق فَإِن مُحَمَّدًا صَاحب هَذَا اللقب يعرف حَالا أَنه هُوَ الْمَقْصُود
يَنْبَغِي أَلا يحمل لقب فلَان الْملك أحد غير الْوَزير والطغرائي والمستوفي
[ ١٩٩ ]
وعارض السُّلْطَان وعميد بَغْدَاد وعميد خُرَاسَان وعميد خوارزم أما غير هَؤُلَاءِ فَلهم أَن يتلقبوا بألقاب غير مُضَافَة إِلَى لَفْظَة الْملك من مثل الخواجة السديد الخواجة الرشيد الخواجة الْمُخْتَص والأستاذ الْأَمِير والأستاذ الخطير والأستاذ المكين وأمثالها لتتضح دَرَجَة الْعَظِيم ومرتبته عَمَّا دونه ويمتاز الصَّغِير من الْكَبِير وَالْخَاص من الْعَام وليظل للديوان رونقه وبهاؤه
فَإِذا مَا استقامت أُمُور المملكة وَكَانَ الْملك عادلا يقظا يعير أَعمال المملكة اهتمامه ويتابعها بِنَفسِهِ ويستقري عادات الأسلاف ويفيد مِنْهَا وَإِذا مَا قيض الله لَهُ وزيرا فطنا فَاضلا عَالما عَارِفًا بالعادات والتقاليد فَإِنَّهُ يَسْتَطِيع أَن يدبر الْأُمُور تدبيرا حسنا وَيجْرِي الألقاب مجْراهَا الْحَقِيقِيّ ويدحر الْعَادَات المبتدعة بِالرَّأْيِ الصائب وَالْحكم السديد وَالسيف الْحَدِيد
[ ٢٠٠ ]